العام 1939.. و"جوزيف جوبلز Joseph Goebbels"؛ وزير إعلام هتلر، بيرجع بيته بعد يوم عمل طويل.. ويقضي ليلة حميمة مع زوجته "ماجدة Magda Goebbels".. ومع كوكتيل الهرمونات اللي بيتدفق في عروقه، ويطلق "الميلاتونين" في دمه.. ومع أعصابه المشدودة طول اليوم.. بيبدأ يتخمد أخيرًا.. ويغوص في نوم عميق.
بتسهر "ماجدة" شوية.. وبتلتقط من على الكومود كتاب كانت خدته من مكتبة البلدية.. كتاب قديم.. هو إعادة نشر لمخطوطة أثرية عمرها 400 سنة تقريبًا.. كان اسمه "النبوءات The Prophecies".
المكتوب بيثير فضول "ماجدة" وشغفها، فبتتصفحه بشكل عشوائي.. وبعدين بتبدأ تخاف والرعب يتملك منها.. فبتصحي "جوبلز" عشان تكلمه عن الكتاب.
آخر شيء في الوجود ممكن يهتم به واحد شغال مع "هتلر" طول النهار وبذل مجهود جسدي ونام، عشان يصحى الصبح يبقى في مكتبه قبل ما "هتلر" يوصل الساعة 5 صباحًا.. هو تنبوءات اتكتبت من أربع قرون.. فلابد أن أن "جوبلز" صحي وهو مقرر يضرب أول مخلوق يشوفه بالجزمة.. لكن بعد ما قرا أربع سطور.. مكانش مصدق أن الكتاب دا اتكتب من 400 سنة.. وبعد ما قرا أكتر.. طار النوم من عينيه تمامًا.
الكتاب كان كاتبه واحد اسمه "ميشيل النوتردامي Michel de Nostredame".. راهب وطبيب وشاعر وخبير لغات وأستاذ رياضيات.. وكان بين يد "جوبلز" في الكتاب، سطور بتتكلم عن رجل حيتولد في ألمانيا.. من أسرة مفككة فقيرة.. وبكاريزما غير عادية و مهارة فائقة في الكتابة والخطابة.. سيستطيع إغواء جيش هائل.. حيحتل به الأراضي ويعبر به الأنهار.. وحتتحالف ضده جيوش مختلفة عشان تهزمه وتسقطه.
ورغم أن الكتاب أشار للشخص المجهول دا باسم "هسلر".. بس كان واضح تمامًا.. دا الكلام متفصل على "هتلر" بالحرف.
بيسهر "جوبلز" يقرا الكتاب لحد الصبح.. وبيكتشف إن الكتاب اللي في إيده دا طبعة 1829.. قبل زمنهم بأكتر من قرن.
بتشرق الشمس وهو بيقرا بمنتهى الاهتمام والشغف.. وبعدين بيلبس حلته العسكرية، وبياخد الكتاب لمكتبه.. و الخطة بتتبلور في ذهنه.. وبيقرر استغلال الكتاب في حملة دعائية جديدة في الحرب، لم يلجأ إليها جهاز دعائى من قبل.
بيعرض الفكرة على "هتلر" نفسه.. وبتعجبه جدًا وبيبدأوا ينفذوها بمنتهى الدقة والسرعة.
وعن طريق العملاء الألمان في قلب أوروبا.. بدأت إثارة الشائعات بأن "هتلر" سوف يجتاح أوروبا كلها.. و إن "نوستراداموس" تنبأ بدا من أربع قرون.
وبيبدأ "جوبلز" يلقي منشورات بالطيران على المدن الأوروبية.. "ألحقوا يا جماعة.. أنتوا حتتهزموا.. دي نبوءة قديمة أوي.. مفيش فايدة".
وبدأت الناس تشتري الكتاب عشان تشوف مدى صحة الكلام.. وبيتضح إنه صحيح.. في شخص تنبأ بأن "هتلر" حيتولد ويجتاج أوروبا.. من 400 سنة فاتت.
ورصدت أجهزة الأمن و المخابرات الأوروبية حملة الشائعات.. و رفعوها لقادة الحلفاء.. اللي ابتسموا في تهكم.. وسخروا من الموضوع وسفهوه تمامًا.
وفي 14 يونيو سنة 1940؛ بيصحى قادة الحلفاء على كابوس أسود.
بتسقط باريس.
التقارير اللي اترفعت وقتها قالت أن الجندي الفرنسي على حدود باريس كان متوتر متخاذل.. وروحه المعنوية منهارة تمامًا.. هو داخل معركة عارف أنه حيخسرها.. دا في واحد تنبأ بهزيمته من 400 سنة.. مع الخوف والتوتر والإحباط المتواصل الناس بتضعف وتبقى مستعدة تصدق أي شيء.. وبتخسر بالتالي "حرب العقول".
والحقيقة أن دول أوروبا بدأت بالفعل تسقط أمام قوات "هتلر" زي قطع الدومينو.. وفي ضربة واحدة كان احتل النرويج وهولندا والدانمارك وبلجيكا.. ودخل وراهم علي كرواتيا و موناكو و سلوفاكيا و رومانيا وغيرهم.
وبعدين بتخلص حكايات الكتاب عن "هسلر".. و"جوبلز" بيحتار.. يتصرف إزاي.. فبيبدأ يألف صفحات جديدة من عنده.. بتشير لانتصار "هتلر" وفوز "ألمانيا".
أول من تدارك الخطأ كانت انجلترا.. اللي بدأت علي الفور حملة دعائية مضادة باستخدام نفس الكتاب.. فراحت تترجم تطبع مئات الآلاف من الأوراق اللي بتحوي أي سطور بتشير ولو من بعيد.. لهزيمة "ألمانيا".
وبعدين لندن بتقدم لباريس هدية قيمة للغاية.
بيراجعوا تاريخ "ميشيل النوتردامي" وبيكتشفوا إنه أصلًا فرنسي.. فبيعيدوا طبع كتابه، بعدما ما بيستعينوا باساتذة الأدب الفرنسي وفطاحله، لتأليف صفحات جديدة.. دسوها فيه على أنها جزء من المخطوطة الأصلية.
ولأن اللي كتب الصفحات دي خبراء.. فهم كتبوها بنفس نمط وأسلوب وحتى لغة الكاتب الأصلي.
وبتصدر طبعات جديدة لـ"تنبوءات".. بتتكلم عن أن الشعب حيكوّن فصائل للمقاومة ضد النازيين.. وعن شجاعة شعب فرنسا.. وقوة شعب فرنسا وعبقرية وطعامة شعب فرنسا.. وضرباته الموجعة اللي حتهزم الألمان.
وبيرصد جهاز الاستخبارات الألماني الرهيب، الـ"زيشارسدينست Sicherheitsdienst" الحركة دي.. والمصيبة أن "البوليس السري Gestapo" بيرفع تقاريره أن في صفحات من دي بالألمانية.. اتسللت عن طريق عملاء الحلفاء للشعب الألماني.. وإنها مكتوبة بدقة وفن مستحيل تتميز به عن الصفحات الأصلية.
وهنا "جوبلز" بيجيب عراف خاص.. اسمه "كارل إرنست كرافت Karl Ernst Krafft".. عشان يزور له تنبوءات جديدة بتشير لفوز هتلر.. يستعملها ضد نبوءات الحلفاء!
عشان كده لو عايز تشتري كتاب "نوستراداموس" الأصلي.. اللي مفيهوش أي أجزاء مزيفة.. ارجع دايما لنسخة تاريخها قبل سنة 1939.
النسخة دي بالمناسبة فيها نبوءة عن مصر.. وإن مصر حيصدر فيها "نفير كاذب يؤدي للجنون".. وبعده حيخرج منها رجل.. بسببه "تركيا" حتغير قوانينها.. الرجل دا حيقلب الأوضاع.. ويلغي قوانين ويصدر قرارات ويغير العملة.. ويبقى في قيم جديدة للنقود والمعادن.
A false trumpet concealing madness, One who will cause Byzantium to change its laws: Coming from Egypt one who will want to see them reversed, The edict that changes the value of money and metals.
يا ترى النبوءة دي بتشير لمين؟ ويا ترى هي صائبة اصلًا؟
ما علينا.. المهم أنه.. ومع المعركة العقلية دي بتنشأ بالفعل كتائب المقاومة الفرنسية وبعدين بتنشأ وحدات للمقاومة الشعبية، في كل مدن أوروبا اللي دخلها "هتلر".
بس لأن "هتلر" كان سابق في مجال حرب العقول.. فكان لازال مسيطر.
ورغم أنه كان موقع معاهدة عدم اعتداء مع الاتحاد السوفيتي.. إلا أنه في 1940.. بيجتمع بقادة المحور وبيحطوا الخطوط الأولى لخطة اسمها "الخطة أوتو Plan Otto".. بتتطور لاحقًا إلي غلطة عمره.. اللي حملت اسم "عملية بارباروسا Operation Barbarossa".
والقصة دي نتكلم عنها لاحقًا.. ويبقى للحديث بقية.
----------------
منشورات سابقة:
----------------
1 - http://bit.ly/2tPfbS9
2 - rebrand.ly/37eb4
3 - https://bit.ly/2Caxcie
4 - http://bit.ly/2SWHWX0
5 - http://bit.ly/2TzjHmZ
6 - http://bit.ly/2CmhzV8