حرب العقول قديمة جدًا مش حديثة.. قديمة قدم الحرب نفسها.

إحنا النهاردة حننتقل عبر الزمن للعام 525 قبل الميلاد.

ومعركة دموية عنيفة بين قوات الفرس الغازية، والجيش المصري، سيد الجيوش ذو السمعة الرهيبة في أصقاع الأرض كلها.

ورغم أن الجيش المصري كان بيفوق قوات الفرس بمراحل من حيث التدريب.. وكانت المعركة في أرض هو عارفها كويس.. بس الفرس امتلكوا سلاح قادر على حسم أي معركة، ماخيبش مرة واحدة في أي عبر التاريخ.. المعلومات.

كان الفرس عرفوا كل شيء عن عادات المصريين وأعرافهم وحتى الأرباب اللي بيحترموها ويقدسوها.. وجمعوا المعلومات اللازمة.. وقرروا يستخدموا دا بطريقة جديدة.

طريقة حرب العقول.

وفي مدينة (بورسعيد) زي ما عارفينها النهاردة.. بتلتقي قوات الإمبراطورية الأخمينية الفارسية، والقوات المصرية.

وبتتقدم قوات المشاة المصرية، مدعومة بسلاح الفرسان، بأسلحتهم البتارة النافذة، ودروعهم الثقيلة، تحت غطاء من السهام.

وبتتقدم قوات الفرس للالتحام.. بثقة مبالغ فيها.. وبيبرزوا للمصريين فجأة درع جديد، مشافوش درع زيه عبر تاريخهم العسكري الطويل.

القطط...

درع من الخوص المجدول.. شبه القفص.. وجوا كل درع قطة.. قطة عادية من اللي بتشوفها في الشارع وتربيها في البيت.. وتقابلها في كل مكان.

وكان المصريين القدماء بيقدسوا القطط، باعتبارها الربة "باست Bast" ابنة "رع".. حامية أراضي الفرسان وحارسة مخازن الحبوب.. وكانت عقوبة قتل القط في مصر القديمة هي الإعدام.

وحصل ارتباك هائل، وبقى من المستحيل إن الجندي المصري يضرب الدرع دا بسيف أو برمح أو حتى يقذف صاحبه بسهم. ودا أدى لهزيمة ساحقة، لجيش لا يقهر.. في معركة عجيبة.. سجلها لنا التاريخ باسم "معركة الفرما Battle of Pelusium".. وسجل لنا الواقعة الغريبة دي باسم "نصر دروع القطط battle of pelusium cat shield".

الفرس تلاعبوا بعقول المصريين، وخلقوا "حاجز نفسي" بينهم وبين قواتهم، يمنعهم من صد عدوانهم.. وبالتالي؛ أبادوا الجيش المصري - اللي كان بيفوقهم بمراحل - لحد آخر جندي.

وفي موقعة صفين اللي وقعت بين جيش "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه، وجيش معاوية في صفر سنة 37 هـ، بيلجأ "عمرو بن العاص" لتكتيك مماثل، فبيرفع المصاحف على أسنة الرماح.. ويوقف المعركة.

تقريبًا مفيش قائد عبر التاريخ كان له ميول توسعية، مادرسش "موقعة الفرما" وطوّر تقنياتها، لأن التاريخ برضه سجل لنا إن "جنكيز خان Genghis Khan" كان بيبعت جواسيس تندس وسط البلد اللي بيقرر يغزوها، يبثوا روح إنهزامية، وطاقة سلبية رهيبة، بقصص مرعبة مخيفة، عن فشل بلادهم وضعفها.. وجيش التَّتر الذي لا يُقهر.. وعن مجازرهم ومذابحهم المروعة لكل الدول اللي رفضت الاستسلام بلا قيد أو شرط.

وكان تلاعب التتار بالعقول ناجح للغاية، فبعدما يتملكك الرعب.. من قبل ما تشوف قواتهم.. يبعتولك رسلهم برسالة تهديد عنيفة.. تقضي على ماتبقى لديك من أي طاقة نفسية للمقاومة.

الرعب دا دا دفع دولة قوية زي "كوريا" وقتها للإستسلام، وللاعتراف بسيادة جيش المغول علي أراضيها.. وبعدما خلص المغول على شرق أسيا اتجهوا للغرب في إتجاه أوروبا و الدولة الخوارزمية على حدود منطقة الشرق الأوسط.. وبالفعل دخل المغول أراضي الدولة الخوارزمية سنة 1218، وعملوا فيها مذابح رهيبة.

وبرغم وجود "قلعة آلموت Alamut Castle" وقوات "الحشاشين Assassins" رجال "الحسن بن الصبّاح" في طريق المغول، ورغم أنهم كانوا أساتذة في التلاعب بالعقول، وقوّاتهم انتحارية بمعنى الكلمة.. إلا أن "هولاكو" حفيد "جنكيز خان" بيكتسح القلعة باللي فيها تحت سنابك خيوله.. وبيواصل التقدم.. ومفيش جيش عارف يهزمه ولا يتصدى لتقنيته النفسية المرعبة.

وكان "هولاكو" بينفذ تقنية أخرى للتلاعب بعقل الخصم.. اتعلمها من جده "جنكيز".

كان بيأمر قواته من بعد الغروب وإلى فجر، أن كل جندي يشعل ثلاثة مشاعل.. مش واحد. وبكده لما أنت تبص عن بعد.. يخيل لك أن الجيش أكبر من حجمه الحقيقي 3 مرات.

وكان بيلقي رؤوس الجنود المقطوعة من المدن اللي استولي عليها بالمنجنيق، على المدن اللي بيحاصرها.. فيروع أهلها و يهزمهم داخليًا قبل حتى ما يعبر بوابات المدينة.

حرب عقول ضارية.. وعمليات نفسية متتالية.. اللي ينتصر فيها ينتصر على الأرض.

وفجأة ظهرت تقنية مضادة.

وبرضه من مصر.

وكانت مصر وقتها في أضعف حالاتها على الإطلاق.. كانت اتصدت للحملة الصليبية السادسة.. و تعبانة إقتصادياً و إجتماعيًا و عسكرياً من الحملات المتكررة عليها.. كان جيشها منهك في اضعف حالاته.. و كانت متوترة سياسياً مع وفاة "أقطاي" و "أيبك" و "شجرة الدرّ".. و كانت بلا حاكم فعلياً.. وكان المغول وصلوا الموصل.. وخرج لهم أميرها "بدر الدين لؤلؤ" شايل كفنه علي إيده.. مستسلم ومعترف بسلطان المغول.. فبيبقيه "هولاكو" أمير على الموصل، بعدما بياخد جنوده ونسائه.

وفي أواخر شهر شعبان من العام 1260 ميلادية، بيقتحم أربع رسل من الجيش المغولي بوابات القاهرة، ويتوجهوا لقصر الحاكم.. والناس بترمقهم بذهول ورعب.. وبيلتقوا بحاكم مصر المؤقت "سيف الدين قطز".. وسط الأمراء ورجال القصر، وبيقدموا له رسالة مخيفة، نسخة طبق الأصل من الرسائل اللي أخبروا بيها من سبقوه.. واستسلموا أو قتلوا وانهارت بلادهم.

وكان قطز معاه 6000 جندي تقريبًا هم اللي فضلوا بعد الحملات الصليبية.. وكان "ركن الدين بيبرس" انضم له من الشام بحوالي 3000 ونيف جندي.. بينما كانت المغول على مشارف البلاد بستمائة ألف جندي.

وكان "قطز" كذلك رصد حالة الشعب المعنوية.. وانهياره ورعبه من المغول.. والحالة النفسية المروعة اللي وصل لها المصريين بسبب الخونة والمأجورين.. فبيستمع "قطز" للرسالة وبيهز راسه متفهمًا.. وبعدين بيبتكر أول تقنية مضادة في معركة العقول، وواحدة من أبرع حركات الحرب النفسية عبر التاريخ.

بيذبح رسل المغول الأربعة.. ويعلق رؤوسهم بعيونها الجاحظة وفكوكها المفغورة من الألم والرعب على بوابات القاهرة.. وبيربط جثثهم نفسها فوق ظهور خيولهم - اللي بتبقي عارفة طريقها كويس - وبيعيدها إلي مرسلها.

ووسط سحابة من الغبار، والجنود التترية المذهولة اللي بتفسح لها الطريق، بتوصل الخيول الأربعة حاملة الرسالة الرهيبة إلى مقر قيادة القوات التترية.

ولأول مرة بيدب الرعب في قلوب جنود المغول.. لأن اللي يعمل حركة زي دي.. لازم يكون واثق من نفسه لدرجة غير عادية.. وعارف إنه قادر على سحقهم.. ولأول مرة أيضًا بيبدأ "هولاكو" يشعر بالقلق.. ودي كانت بداية هزيمته.

التلاعب بالعقول إذن.. مهم في أي حرب. لازم عقلك وقلبك يدخلوا في معركة مستمرة مع بعض.. ويسقط التوافق بينهم.. فتعجز عن التفكير.. وتبقي بتتحرك بشكل عشوائي مرتبك.

بيظل لحرب العقول، والعمليات النفسية المنفردة اليد العليا في المعارك إلى حد كبير، لحد العام 1914، وتحديدًا في أغسطس.. لما بيبرز على الساحة رجل اسمه "تشارلز ماسترمان Charles Frederick Gurney Masterman".. وبيحط لنا حجر جديد في بناء لعبة حرب العقول.

لمين النصر في حرب العقول؟

ودا نحكي قصته لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

----------------

مراجع:

----------------

1 - The Battle of Pelusium: A Victory Decided by Cats - Ancient History Encyclopedia - https://bit.ly/2Ez68cN

2 - The Battle Of Pelusium: ‘Cats’ And Psychological Edge Lead Persians To Victory - Realm of History - Dattatreya Mandal.

3 - ابن تغري: النجوم الزاهرة في ملوك مصر و القاهرة، دار الكتب و الوثائق القومية، مركز تحقيق التراث، القاهرة - 2005.

4 - نور الدين خليل: سيف الدين قطز ، حورس للنشر والتوزيع، الإسكندرية 2005.

5 - عز الدين بن شداد : تاريخ الملك الظاهر، دار نشر فرانز شتاينر.