مع الجرح العميق اللي شعر به "لينين" مع إعدام شقيقه، اختلت مشاعره وملقاش حد يحتضنه ولا يربت على كتفه إلا الجماعات الثورية إياها.. فبيكمل دراسته الثانوية وهو شايل حقد رهيب في أعماقه ضد السلطات، وبعدين بيدخل الجامعة.
بعد شوية بيطردوه من الجامعة عشان بيتزعم حركة ثورية بتهدف لاستبعاد حرس الجامعة (بيفكرك الموضوع دا بحاجة؟)، وبتحرض الطلبة على التظاهر لانعدام الحريات جوا الجامعة.
قدم التماسات كتير عشان يرجع للدراسة، بس اترفضت.. لحد ما وافقت جامعة "بطرسبرج"، بشرط أنه يبقى طالب منتسب.. مالوش حضور.. ييجي على الامتحانات بس.
في الفترة دي كان القيصر "ألكسندر الثالث" عمل إصلاحات كتير جدًا.. وسع صلاحيات "الدوما Duma" اللي هو زي مجلس النواب عندنا.. وبدأ يقضي على الفساد، وعشان تتحل مشاكل الفلاحين، حط قانون عمل بموجبه مجالس محلية للدوما.. تسمع الناس دي وتشوف مشاكلها وتبدأ تشرع قوانين على الأساس ده.
طبعًا كل دا مابيفرقش مع "لينين".. هو مش عايز إصلاحات ولا البلد تهمه ولا الفلاحين يهموه أصلا.
هو عايز ينتقم.
بينضم لحركة ثورية اسمها " الديمقراطية الاجتماعية" سنة 1894 وفي نفس العام بيتوفى القيصر ألكسندر الثالث ويحل محله ابنه "نيكولاس الثاني Nicholas II".
بعد شهرين بيتقبض على "لينين" هو وشلة الأنس الثورية دي.. وبيصدر قرار بسجنهم في سيبريا.. بس القيصر "نيكولاس" كان فعلًا رجل طيب.. فبيعدّل الحكم.. وبيحدد اقامتهم في سيبيريا لمدة سنتين.. في أي بلدة يختارها كل واحد منهم.. وبيقرر لهم إعانة شهرية مالية.. وبيسمح لهم بالكتابة والتزاور وبيوفر لهم اللازم لذلك.
في المنفى بيقابل "لينين" رفيقة الكفاح الثوري "ناديا كروبسكايا Nadezhda Krupskaya" وبيتجوزها.. وبعد انتهاء مدة النفي، بياخدها ويسافروا ألمانيا. وهناك بيقرر أن سقوط "روسيا" مش حينفع بالحركات الثورية العبيطة دي.. فبيقرر يأسس "تنظيم دولي".
يا ترى الموضوع دا بيفكرك بشيء ما؟
فضل "لينين" ورجاله شغالين في بث اليأس والكراهية والاحباط بين الشعب عن طريق الصحف والمنشورات والخطب وغيرها.. كان سلاحهم في دا بسيط جدًا.. الإحباط و"الحقد".. رفيق "لينين" نفسه "ليون تروتسكي Leon Trotsky" قالها صراحة:
"الحقد هو سلاحنا لقلب العالم".
تروتسكي هو الشاب اللي شبه "وائل غنيم" اللي في الصورة. لما كبر في السن بقى يشبه إلى حد ما بلاعة حمام مسدودة بالشعر.. فاخترت صورة له وهو شاب.
وسنة 1900 كان الفلاحين الروس والبسطاء شايلين نقمة رهيبة ضد أي شخص موسر أو متعلم أو متفوق.. وحملوا في قلوبهم كره شديد للقيصر وعائلته.. فبيستغل "لينين" دا ويبدأ في سلسلة إضرابات عمالية ومظاهرات وعمليات ارهابية تشل الدولة.. زي نسف السكك الحديدية أو غيره.
بيحصل على تمويل أجنبي وبيصدر عدة صحف في روسيا.. منها "البرافدا".. وبيكتب مقالات بلا حصر.
وفي يوم الأحد الموافق 22 يناير سنة 1905، بيتوجه الأب "جورجي جابون Georgy Gapon" على رأس مظاهرة سلمية، إلي قصر الإمبراطور "نيكولاس".. لتقديم عريضة تظلم.
المظاهرة دي كانت سلمية بالفعل.. والعمال فيها رافعين لافتات الولاء للقيصر، وبيتوقفوا أمام القصر يهتفوا باسمه.
لكن "لينين" كان عامل حسابه كويس على الموقف دا.. فكان بلغ السلطات عن طريق مجهول.. أن المسيرة دي مسلحة بالمسدسات والقنابل وبتهدف لاقتحام القصر.
وبيدس "لينين" وسط المسيرة بالفعل بضعة رجال مسلحين.. بيطلقوا النار على المؤخرة.. وفجأة.. بيصرخ شخص مجهول في نفس الوقت.. من وسط المسيرة.. أن القيصر أمر بقتل المتظاهرين!
وبتحصل حالة غير عادية من الهرج، ومع الإندفاع وصوت الطلقات النارية، بيفتح الحرس الإمبراطوري النيران على الجميع بالفعل، وبيموت منهم حوالي 800.
الأحداث دي سجلها لنا التاريخ باسم "أحداث الأحد الدامي Bloody Sunday". والغريب أنها شبيهة بأحداث وقعت في إنجلترا، سنة 1887 في مظاهرة ضد البطالة والسخرة.
والغريب أكتر أن يوم الأحد الدامي دا بيتكرر بنفس تفاصيله بين الشرطة والمتظاهرين في ليفربول، سنة 1911 أثناء مظاهرة لعمال النقل.
وبيتكرر في "مذبحة إيفريت Everett Massacre" في واشنطن سنة 1916 بين العمال والشرطة..
وبيتكرر في ماربورج الألمانية، سنة 1919.
وبيتكرر سنة 1920 في دوبلن.
وسنة 1921 في بلفاست.
وسنة 1939 في كندا.
وبيتكرر بالمللي في أيرلندا سنة 1972.. وكان برضه يوم الأجازة.. وبرضه في يناير.. لما اتظاهر الناس ضد قانون الحبس الاحتياطي.. ووهم واقفين وجها لوجه أمام القوات الإنجليزية.. بتنطلق رصاصات مجهولة المصدر، بتخلي الجيش يفتح النار على المتظاهرين!
وبيتكرر نفس يوم الأحد سنة 1991 في ليتوانيا.
والأحد 27 يناير 1991، في الصومال قبيل سقوط نظام "سياد بري".
والأحد 30 يناير في الثورة الإيرانية سنة 1977.
كأن مخطط الأحداث دي كلها.. شخص واحد.
كيان واحد.. أو جهة واحدة.
يا ترى الحدث دا اتكرر في مصر وسوريا والعراق وليبيا واليمن؟ حاول تفتكر بالراحة وبهدوء وتبحث. بس افتكر برضه أن "تكرار المصادفة لا يجعلها كذلك".
نرجع لقصتنا.. المهم أن في روسيا.. الناس بعدما اتلم الموضوع، فضلوا مصممين على أن القيصر أمر بقتلهم.. الحقيقة بقى أن القيصر في اليوم دا بالذات.. مكانش في القصر، ومكانش في المدينة كلها!
مع الأحداث دي.. مئات الآلاف من مؤيدي القيصر بتتعاطف مع الضحايا وتنضم للحركات الثورية، وبيفقد القيصر ظهير شعبي كبير.
لكن بعد الأحداث، "القيصر نيكولاس" بيصدر مرسوم خطير ومفاجيء بالنسبة للأخ "لينين".. كفيل بأنه يقضي على حلمه تمامًا للأبد.
المرسوم كان فيه قرارين.. الأول هو أنه قرر يحول روسيا من ملكية مطلقة إلي ملكية دستورية، زي إنجلترا. وبكده مالكش حجج خلاص. وثانيا أنه أصدر قانون الخدمة المدنية للفلاحين.. وبموجبه مبقاش الإقطاع له سيطرة عليهم.. حيتملكوا الأرض.
وفجأة بيصدر القيصر قرار ثالث.
قرار بالعفو العام عن كل السجناء السياسيين.
واتهزم "لينين" المرة دي.
بس مابيسكتش.. بيقرر يخطط لثورة تانية.. وبينتظر في صبر، لما بتقوم الحرب العالمية الأولى.. وبدل ما يساند بلاده، بيبدأ مع رفاقه في سلسلة أعمال إرهابية جديدة داخل روسيا.. تنهكها وتضعفها وتأثر على اقتصادها الضعيف أساسا.. بسبب الحرب.
ولما الاقتصاد يضعف وحال الناس يتعب وولادهم بيموتوا على الجبهة.. الناس تثور من جديد.. معروفة.
بس "لينين" بيلاحظ أنه بيفقد ظهيره من الفلاحين ببطء.. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، تحديدًا في بدايات العام 1917، بيحرض الفلاحين على الإستيلاء على أراضيهم الزراعية بالقوة. الفكرة هنا هو أنه كان يمنع إمداد الجنود السوفيت باللي محتاجينه من غذاء أثناء القتال.
بس "لينين": بيتفاجيء أن محدش ثار ولا اتحرك.. لأن بسبب إصلاحات وقوانين القيصر "نيكولاس"، كانوا حوالي 80% من الفلاحين ملكوا أراضيهم بالفعل!
وبيدرك "لينين" أنه لو عدت السنة دي من غير ثورة.. لا حيعرف يسقط روسيا.. ولا حيبقى زعيم ولا غيره.
هنا بيلجأ "لينين" لخطة استراتيجية لإشعال ثورة جديدة.. من ضمنها كانت "موقعة الخيول".
والخطة دي.. والموقعة دي نتكلم عنهما لاحقًا.
ويبقي للحديث.. بقية.
----------------------
(المنشورات السابقة أول تعليق).
---------------------