في حرب العقول عشان تنتصر لازم تتخلص من أي عصبيات أو تحيزات مسبقة في أعماقك. سواء شايف يناير ثورة أو مؤامرة.. أو ثورة شعبية ضد حكم فاشل مترهل - وكان الحكم فعلا فاشل مترهل فاسد - أو مزيج من الثورة والمؤامرة.. فلازم تقرا وتبحث.. ماتصدقش فيديو.. ماتصدقش كوميك.. ماتصدقش خبر وماتصدقش بوست.
ماتصدقنيش أنا نفسي في اللي بكتبه لك! خده وابحث ورايا واتأكد من صحته.
في الوقت دا في روسيا، كان "لينين" أدرك حقيقة لا شك فيها.
مفيش ثورة في تاريخ الأرض عبر كل الثورات اللي حصلت.. بتنجح بدون تدخل القوات المسلحة في صفها.. سواء إيجابًا أو سلبًا.
إيجابًا بأنها تساند الثورة وتعزل الحاكم أو تغتاله، وسلبًا بأنها تفتح الطريق أمام الثوار لاقتحام مقرات الحكم.. ماتحميهاش.
ومن هنا، بيسعى "لينين" لتجنيد" بعض قادة الجيش.
وفي نفس الوقت شغله على الأرض مابيقفش لحظة.. الثوار في روسيا، بينسفوا خط السكك الحديدية، والكباري ووزارة النقل ووزارة التموين.. دا كان يناير 1917.. ودا كان عز الحرب العالمية الأولى.. والجيش بيستهلك كتير جدا من المؤن على الجبهة.. بالتالي الجبهة الداخلية جاعت.. وبقى الغذاء بالحصص.
افتكر دا كويس لما حد يقولك "الجيش المصري بيزرع ويعمل مكرونة".. الجيوش لازم يبقى عندها سبيل تطعم به نفسها.. ولازم تعمل مكرونة ورز وسكر وتزرع.. وإلا وقت الحرب الدولة تقع في أزمة.
المهم اللي حصل بيضغط على الناس جدًا.. ناهيك عن أن ولادهم بتموت على الجبهة.. فبينجح "لينين" يحركهم فيما سمى بـ"ثورة فبراير February Revolution".. هي الحقيقة حصلت في مارس.. بس لأن روسيا كانت بتستخدم "التقويم الرومي Julian Calendar".. فكانت مأخرة شهر.
بيخرج الناس، آلاف الرجال اللي بقوا بلا عمل.. يطالبوا بحقهم في العمل.. آلاف النساء خرجوا للتظاهر على النقص في الخبز والغذاء.. المظاهرات دي كانت سلمية بالفعل.. وكان "لينين" ورفاقه بينظموا مظاهرات حاشدة موازية ليها تطالب برحيل القيصر.
الشرطة بتنجح بالفعل في تفريق المتظاهرين بدون إصابات.. وناس كتير بتقرر ترجع بيوتها.. لاحظ أن دا مارس في "روسيا".. يعني أنك تقعد في الشارع وسط الثلوج لفترة طويلة مش أمر لطيف ولا محتمل.
وبعدين فجأة بتحصل حادثة غريبة.. غريبة جدًا.
ففي الميدان الرئيسي بمدينة "بطرسبرج".. المحتشد بالناس، وبالتحديد عند تقاطع "قناة سانت كاثرين أو Griboyedov Canal".. و شارع "نيفيسكي بروسبكت Nevsky Prospect".. بتمر فجأة سيارة مندفعة، مملوكة طبعا لحد من الطبقة الأرستقراطية لأن الناس ماتقدرش تشتري سيارات.. السيارة دي بتدهس بعض المتظاهرين وتفر هاربة.
وفي اليوم التالي، بتتكرر نفس الحادثة، فبتدهس سيارة جمع من المتظاهرين أمام محطة قطار "نيكولاس"، بس المرة دي، الناس بتوقفها، وبتطلع سائقها اللي بيقولهم أنه رجل فقير غلبان زيهم.. بس "سيده" هو اللي أمره.. وطلب منه يجري عشان هو حاسس بالبرد.. فالناس بتسيب السواق وتنقض على صاحب السيارة.. اللي بينكر وبيقول لهم أنه مقالش كده، لكن طبعًا محدش بيسمعه، وبينهالوا عليه ضربًا حتى الموت.
الواقعتين دول بيفكروك بشيء ما؟
ما علينا.. المهم أن البلاشفة كانوا وقتها ورا النوافذ ومستخبيين على الأسطح بالبنادق.. الناس لما قتلت صاحب السيارة.. الدم أفقدهم صوابهم.. فمشوا يكسروا الأعمدة والنوافذ.. فأطلق عليهم الثوار النار.. وبالفعل بيسقط بعضهم ميتًا.
وفجأة بيصيح البعض وسط الجماهير أن الشرطة بتقتل المتظاهرين.
وبدون أي تفكير، بيلتفت المتظاهرين للشرطة وعيونهم فيها غضب قاتل مجنون.. وبينقضوا عليهم...
وهنا، عشان تدافع عن نفسها.. بتطلق الشرطة عليهم النار بالفعل.
وبتحصل مذبحة رهيبة.. بيذبح فيها المتظاهرين شرطي، قصاد كل واحد مات منهم.
وبعدين بيعملوا شيء أغرب وأغرب.
بيتجهوا إلي سجن "سان بطرسبرج" وبيهاجموه، ويطلقوا سراح كل المساجين اللي فيه!!
بالليل عشان ينهي كل الأحداث المروعة دي.. بيصدر القيصر بيان.. بيتنحى فيه عن الحكم وبيتنازل عن العرش لصالح شقيقه الدوق "مايكل".. بس مايكل بيرفض المسؤولية الهباب دي.. "أنت حتسلمني البلد وهي بتحارب وفيها ثورة وإرهاب؟ لا يا عم يفتح الله".. فبيفوض حكومة مؤقتة.. وبأمرها بعمل استفتاء ديموقراطي في المستقبل القريب.. والناس تختار اللي يحكمها.
وبكده خلاص انتهي حكم "آل رومانوف" وفوض الأمر لحكومة مؤقتة.
وهنا فعلًا الناس قررت ترجع بيوتها.
خلاص.. النظام سقط وفي حكومة مؤقتة وبعدها استفتاء ديموقراطي وحكومة دائمة، وحكم جاي بناء على اختيار الشعب.
كان في ناس عايشين في روسيا.. مهاجرين.. اسمهم "القوزاقيين Cossacks".. من خزر تركيا على مغول على أعراق مختلفة.
"القوزاقيين" دول، كانوا كارهين لحكم القيصر لأن ظروفهم كانت فعلا وضيعة.. السبب في دا أنهم بيشوفوا نفسهم أفضل من باقي البشر.. وأنهم المفروض يحكموا ويبقوا سادة.. فكر كده قريب من الفكر النازي أو الصهيوني بتاع شعب الله المختار.. وفكر الإخوان بتاع "الفرقة الناجية".. أو أي فكر من دول يتبادر لذهنك.
وطبعًا مع حركة "لينين" الثورية.. اللي سمت نفسها "البلاشفة Bolsheviks" بمعنى "الأغلبية" أو الأكثرية.. الناس دي رحبت بالانضمام لـ"لينين" عشان اسقاط الحكم.
المهم مع تنحي القيصر "نيكولاس" وقراراته الناس بدأت تخلي الشوارع بالفعل.. لولا فجأة.. بيتفاجئوا بقطيع من الخيول.. بيتقدم نحوهم في الميادين وفي الشوارع الجانبية.. على ظهره رجال من القوزاقيين.. بالهراوات والسيوف.. القطيع دا بيهجم عليهم ويبدأ في الاعتداء على أي متظاهر يقابله!
وفجأة بتصيح مجموعة ما.. أن آل رومانوف أرسلوهم لقتل المتظاهرين.. وأنهم بيخدعوا الشعب.. أوعى حد يمشي.. الثورة مستمرة.. لا تتركوا الميدان.
الواقعة دي بتفكرك بشيء ما؟
الوقائع اللي بقولهالك دي حقيقية ولها مراجع حفردهالك كلها مع آخر بوست.. وزي ما قلتلك في البداية.. ماتصدقنيش.. ابحث ورايا واتأكد بنفسك.
طبعًا هنا الناس بتقرر ماتسيبش الشوارع وتفضل في الميادين.
وزي ما حصل في "العراق".. بيحطم الناس تماثيل القيصر في الشوارع.. وبتتخذ الجموع قرار جديد، بالقبض علي القيصر وأسرته ومحاكتهم.
وهنا.. ولأن البلاشفة كانوا نجحوا بالفعل في بث سمومهم في عقول بعض رجال الجيش.. بيحصل انشقاق في القوات المسلجة الروسية.. في لحظة من أحلك لحظات تاريخها.
وعشان الحكومة المؤقتة تنهي حالة التوتر والانقسامات المروعة دي.. بتعلن القبض على القيصر وأسرته، ووضعهم تحت الإقامة الجبرية في القصر.
وبتشرع الحكومة المؤقتة بالفعل في إصلاحات أوسع لتهدئة الشارع.. .. وبكده المفروض خلاص الثورة تنتهي.
بس لا.. "الثورة مستمرة" لسبب لا أحد يدريه.. بالتالي "لينين" في أكتوبر من العام نفسه؛ 1917.. بيحشد لثورة جديدة، نتكلم عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
----------------
(المنشورات السابقة أول تعليق)