في حرب العقول، نرجع من ميدان التحرير شوية إلى الماضي.. للثورة البلشفية، أو "ثورة أكتوبر October Revolution"، سنة 1917.

إلى روسيا.. بعد إنسحاب (نابوليون بونابرت).. وبعدما اتبعت ضده استراتيجية الارض المحروقة.. وهي مرهقة جريحة منهكة.

بعد أي ثورة، حرب، أو تغيير عنيف في أي دولة.. بيظهر دايما فئات من المنتفعين، بيبقى عندها مطامع خاصة، وعايزة تنتزع قطعة من التورتة بأي ثمن.. شوية باسم الوطنية، وشوية باسم الثورة.. باسم الدين.. أو أي شعار آخر يرد لذهنك.. وللأسف في ناس منهم بتنجح فعليًا.. ودا بيخلي باقي الشباب يحذو حذوهم. وغالبا صراع الناس دي للفوز بأي شيء غير مستحق، بيطول لعدة سنين.

وممكن جدًا يقومولك ثورة تانية أو يتسببوا لك في حرب جديدة.. دي بتبقى فرصته الوحيدة في الحياة، فمش حيسيبها بسهولة.. لمجرد أنك بتأمل في الإصلاح. افتكر في الحلقات دي شفنا إزاي شاب تافه خاوي العقل، اسمه "جوفريلو برينسب Gavrilo Princip"، اتسبب في قيام الحرب العالمية الأولى.

الطفيليات دي غالبا بتبقى من الفئة الجاهلة، حتى لو كانوا متعلمين، أو عديمي الموهبة والكفاءة.. اللي هو مش حيعرف يلاقي شغل كويس أو يتقدم في حياته بأي شكل.. مفيش مكان محترم حيشغله.. ومفيش حتى بلد تانية حتمنحه عقد عمل.. لأنه في الحقيقة بلا قدرات حقيقية. فبتبقى دي فرصته الوحيدة.

ظهرت قوى زي دي في روسيا بعد انسحاب (نابوليون)، من الناس دي في روسيا كان شاب اسمه "ألكسندر أوليانوف Aleksandr Ulyanov".. إللى في الصورة ده.. من أسرة قروية ريفية فقيرة في "أوليانوفسك Ulyanovsk".. من حضيض السلم الطبقي، وقتما كانت الطبقية في العالم واضحة صريحة فجة.

وبالظروف دي، فأقصى طموح ممكن يأمل فيه "أوليانوف" هو أنه يلم اللطع من المحصول يدويًا تحت إشراف خولي روسي ماسك خرزانة.. أو بالكتير ينزح لمدينة ويتحول لعامل يدوي كصانع أحذية، أو ساقي في بار.

وكان طموح "أوليانوف" أكتر من كده بكتير.. وبدل ما يحاول يطور من نفسه عشان يحقق أحلامه، فكر في الطريقة الأسهل الخالية من الجهد.

بيلاقي نفسه في أنه ينضم لجماعة إرهابية اسمها "نارودنيا فوليا Narodnaya Volya".. الاسم دا بيعني "إرادة الشعب". مؤسسها اسمه "مارك ناتاسون Mark Andreyevich Natanson".. أبو دقن اللي في الصورة التانية.. ودا كان من أسرة ثرية، درس طب وبعده درس زراعة.. أحد أصدقاء المجري "تيودور هرتزل Theodor Herzl" أبو دولة إسرائيل، وأول من دعا إلى تأسيسها.

وكانت "نارودنيا فوليا" - المفروض - بتعمل للقضاء على الأوتوقراطية.. أي حكم الفرد الواحد بلا انتخاب، وتوريث السلطة.

طبعًا سموا نفسهم "إرادة الشعب" لأن أي فئة من دي بتبقى عايزة قضية تستند لها وتستتر وراها. الحقيقة هي إن كان لهم طلبات عجيبة.. وبعتوا مرة وفد يلتقي بالقيصر عشان يضغطوا عليه يدعمهم في منظمة اسمها "حركة العودة إلى إسرائيل".. وإنشاء وطن جديد ليهود الإمبراطورية، اللي كانوا تقريبًا 3% من الشعب الروسي!

والعجيب، أنه "نارودنيا فوليا" دي، اللي كانت المفروض عايزة تحرر روسيا من الظلم.. كان معظم أعضائها مش من روسيا أصلا!

ألمان ومجريين وانجليز وروس، القاسم المشترك بينهم، هو الديانة اليهودية.

باختصار.. "جماعة دينية إرهابية".

دا بتشوفه برضه النهاردة في الجماعات الإرهابية، تلاقي شيشاني وسويدي وانجليزي وباكستاني وبنغالي وأفغاني.. سايبين بلادهم ورايحين يحرروا مصر وسوريا وليبيا من الديكتاتورية....!

وكالعادة.. بدأوا بتهييج العمال. وكالعادة برضه بدأوا بإثارة الفتن بين الأديان المختلفة.

بتبدأ الاغتيالات، وكانت أولها وزير التعليم.. تلاه وزير الداخلية وبعدين حاكم مدينة "أوفا Ufa".. وبعدين رئيس الوزراء وخال القيصر، وبعدين قائد الجيش.

المهم إن "ألكسندر أوليانوف" بيخطط مع رفاقه لاغتيال القيصر "ألكسندر الثالث Alexander III".

وبيقرروا يستنوا القيصر وهو رايح الكنيسة لإحياء ذكرى والده الراحل، ويرموا قنابل يدوية على موكبه.

نفس طريقة الاغتيال اللي حاول بيها "جوفريلو برينسب" يقتل أرشيدوق النمسا قبيل الحرب العالمية الأولى!

وكان الشاب "أوليانوف" صانع قنابل بارع.. فبيصنع القنابل وينطلق مع رفاقه.

وزي واقعة "جوفريلو" اللي سببت الحرب العالمية الأولى.. كانوا برضه 6 شباب!

وبرضه تخلف قائدهم عن أن يروح معاهم ويشارك!!

وكأن المخطط والمدبر واحد في الجريمتين.

بس المرة دي.. بيتقبض على المجموعة كلها قبل ما تعمل أي شيء.. وبيتحكم علي مجموعة كبيرة من أعضاء "نارودنيا فوليا" بالإعدام.

وبعدين القيصر ألكسندر الثالث بيلاقي إن معظمهم شباب صغير، فبيصدر عنهم عفو عام، ماعدا خمس متهمين.. لاحظوا أنهم "ضاعوا فكريا" ومبقاش في أي فائدة من اصلاحهم أو مناقشتهم.

خمسة اتهزموا في حرب العقول.. ومبقاش نافع أي حد يتنظر منهم أي أمل.

وكان من ضمن الخمسة اللي القدر حدد مصيرهم، الأخ "أوليانوف" .

وفي صباح 20 مايو، سنة 1887، في مدينة "شليسلبورج Shlisselburg".. بيحطوا عصابة سميكة سوداء على رأس "أويانوف" ويلفوا حبل ليفي غليظ حوالين رقبته، وهو واقف على منصة الإعدام، وبعدين الجلاد بيجذب ذراع ميكانيكية، بتفتح تحت قدميه كوة خاصة، بيهوي فيها جسده متدليًا من حبل المشنقة، وبتتحطم فقرات عنقه بمنتهى العنف، واضعة حد لطموحاته المجنونة، الغير مستندة إلى أي كفاءة أو محاولة لتطوير الذات.

لكن إعدام "أوليانوف" بيسبب مشكلة جديدة.

جرح غائر في قلب شقيقه الأصغر، "فلاديمير ألييتش أوليانوف Vladimir Ilyich Ulyanov".

الأخ الأصغر دا محدش فاكره بالاسم دا خلاص.. لأنه سمى نفسه وقتها اسم حركي جديد، وكان مقدر له أنه يغير التاريخ، ويدفع بدولة روسيا إلى واحدة من أبشع حقبها التاريخية.. مدفوعًا فقط، بالحقد والرغبة في الانتقام.

واسمه الحركي كان اسم محدش فينا بيجهله.

"لينين Lenin".

فلاديمير لينين.. اللي نتكلم عنه لاحقًا..

ويبقى للحديث بقية.

----------------------

(المنشورات السابقة أول تعليق).

---------------------