"الحروب تنحسم في صدور الرجال قبل أن تنحسم في ميادين القتال"...
و إحنا بنكمل مع الشائعات و الحرب النفسية، عايزين نرجع لوقائع مميزة.. في كتير يعرفوها لأنهم شافوا الفيلم المرتبط بيها عن الحرب العالمية الثانية.. فيلم "العدو على الأبواب Enemy at the gates"...
إحنا بالتحديد في 19 سبتمبر 1942..
وموظف في البحرية السوفيتية اسمه "فاسيلي زايتسف Vasily Zaytsev".. اللي في الصورة دا.. بيقدم طلب تطوع كجندي مقاتل في الجيش، عشان يقاتل من أجل الوطن الأم، زي أي حد "عنده دم" في اي وطن في أي عصر في أوقات الحروب...
بيتقبل طلب فاسيلي و يتنقل علي الجبهة في "ستالينجراد Stalingrad" اللي فعلا القوات النازية علي أعتابها..
ستالينجراد علي فكرة كانت عقدة الحرب.. كانت رمز مش مجرد مدينة لأن المدينة علي اسم "ستالين".. و لو انهارت و سقطت في إيد النازيين.. تنهار معنويات جنود الإتحاد السوفينتي كلهم.. و يوقر في نفوسهم إن رئيسهم "إتهزم"...
دا خلا "نيكيتا كروتسييف Nikita Khrushchev" - اللي احنا مسميينه "خروشوف" - فيما بعد يغير اسم المدينة بعد الحرب سنة 1961 إلي "فولجوجراد Volgograd".. عشان مايتكررش الضغط الرهيب اللي حصل دا في حرب أخرى محتملة.. و عشان لو سقطت تبقى مدينة عادية.. سقطت و حانستردها.. من غير ما نحطم معنويات الجيش...
المهم وصل فاسيلي كجندي عادي.. و التحق بكتائب المشاة في الصفوف الأمامية.. لحد ما حصل موقف غير حياته و مجرى الأحداث و معركة ستالينجراد بالكامل...
الموقف هو إنه اتحاصر بالصدفة وسط الجثث و الاشلاء السوفيتية مع ضابط اسمه "دانيلوف Danilov ".. و اتفاجيء دانيلفوف بقدرة فاسيلي المذهلة علي التصويب بالبندقية..
المشهد دا من الفيلم في أول مرجع للي يحب يشوفه...
المهم دانيلوف خد فاسيلي قدمه لخروشوف.. و بدأ معاه خطة جديدة...
لازم الناس تحس بالفخر.. لازم يتعلموا يحبوا بلادهم.. لازم يسمعوا قصص عن البطولة و التضحية و الفداء.. و يتغنوا ببطولات الابطال...
و بدأ تنفيذ الخطة.. لرفع معنويات الشعب السوفيتي.. و إحباط الشعب الألماني...
ألحقوا فاسيلي "بقسم القناصة Sniper division" و بدأوا يطبعوا جريدة الجيش مرة تانية - و كانت وقفت لضغط المصاريف - و يكتبوا فيها عن بطولات فاسيلي.. و عبقرية فاسيلي.. و تكتيكات فاسيلي.. و ينشروا صور القلادات المعدنية اللي بيرتديها الجنود، عشان تحدد هويتهم لو ماتوا، و كل يوم تلاقي 10 و للا 20 قلادة للنازيين منشورة في الجريدة..
بدأت الجرايد العادية تنقل من الجريدة العسكرية.. و بدأت تتوزع منشورات علي الناس.. فاسيلي.. بطل الإتحاد السوفيتي الذي لا يقهر.. بيصطبح بعشر ضباط ألمان و يتغدى بعشرين...
و التقدير الأقرب للصواب للأعداء اللي قتلهم فاسيلي كان 250 ضابط و جندي ألماني.. لوحده.. ببندقية من نوفمبر 1942 لحد ديسمبر 1943...
الجنود الألمان كانت روحهم المعنوية انخفضت للغاية.. خاصة إن فاسيلي كوّن فريق.. و بقى الجندي الألماني مش عارف و هو ماشي حايموت علي إيد قناص و للا لأ و إمتي..
محتاجين نعلّم السطر دا كويس.. عشان حاترجع له.. بتقول كتب التاريخ السوفيتية.. إن النازيين قرروا الدفع بمدير مدرسة القناصة في برلين المايجور "إرفين كونيج Erwin König".. عشان يصطاد لهم القناص السوفيتي دا و يرفع معنويات الجنود...
بدأت معركة ضروس بين القناصين الإتنين.. و مات منها كتير من فريقينهم و اتجرحوا الاتنين..لحد ما أعلن الألمان إن فاسيلي مات...
الحقيقة إن فاسيلي مكانش ميت.. كان السوفيت استبعدوه شوية.. و لما بدأ الألمان يحسوا بالراحة و ترتفع معنوياتهم.. و قبلما تنحدر معنويات السوفيت.. ظهر فاسيلي مرة أخرى.. متصور مع جريدة اليوم بالتاريخ.. و معاه قلادات جديدة.. لجنود ألمان جدد قتلهم..
بتستمر المعارك دي.. لحد ما جه الوقت وقدر فاسيلي يصطاد الميجور.. و يرجع ببندقيته لمتحف موسكو للقوات المسلحة...
انحدرت معنويات الجنود الألمان للصفر.. و كانت بداية النهاية لمعركة ستالينجراد الشهيرة...
بالفعل.. تراجع الروح المعنوية و الإحباط لدى النازيين كان من أكبر و أهم أسباب الهزيمة...
الواقع ..إن فاسيلي كان بطل.. و تكنيكاته في القنص.. اللي لسه بيستعملها القناصة حول العالم لحد اللحظة دي زي تكنيك "الأسداس sixes".. و اتعمل من أجل فاسيلي عشرات القصص و أبيات الشعر و القصائد و الروايات و الوثائقيات.. و اختتمت بالفيلم اللي أشرنا إليه في البداية.. العدو علي الأبواب.. حتى انه تم ترقية فاسيلي و حصل علي لقب "بطل الإتحاد السوفيتي"..
فقد فاسيلي بصره في آخر أيام معركة ستالينجراد بسبب قذيفة مدفع.. و استعان الإتحاد السوفيتي بجراح العيون العظيم "فلاديمير فيلاتوف Vladimir Filatov" اللي زرع له قرنية و رجع له بصره..
اتوفي في 15 ديسمبر 1991، قبل تقسيم الإتحاد السوفيتي بعشرة أيام فحسب.. بعدما كتب مذكراته و بطولاته.. و من ضمنها قصته مع المايجور كونيج...
و بالرغم من كل دا.. إلا إن الجزئية اللي قلتلك "علم عليها عشان نرجع لها".. من أول السطر دا.. قصة فاسيلي مع المايجور "إرفين كونيج Erwin König".. لم تحدث قط...
"إرفين كونيج Erwin König" كان شخصية وهمية.. ابتكرها السوفيت.. و ألّف "دانيلوف" عنها الملحمة الرهيبة اللي حصلت بينها و بين فاسيلي.. و اختتمها بموت كونيج علي إيد فاسيلي.. عشان يحبط الجنود الألمان...
و لما دخل الحلفاء و فرضوا شروطهم علي ألمانيا و فككوا مصانع السلاح و استولوا علي وثائق النازيين.. مالقوش اي معلومة أو ذكر لشخص يدعي "إرفين كونيج" على الإطلاق...
و بالرغم من نفي ألمانيا و نفي الحلفاء أنفسهم لوجود كونيج.. و تشككهم و طلبهم دليل من الإتحاد السوفيتي.. إلا إن الإتحاد السوفيتي لم يرد علي المزاعم دي إطلاقا.. و اكتفي ببندقية ألماني بمنظار محطوطة في متحف موسكو للجيش.. بينسبوها للمايجور إرفين كونيج...
و طالبت ألمانيا الإتحاد السوفيتي بعرض القلادة المعدنية اللي يفترض إن الميجور لما اتقتل كان معلقها في عنقه.. لكن الإتحاد السوفيتي لم يرد قط..
الميجور "إرفين كونيج Erwin König" كان مجرد "إشاعة"..
عملية مخابراتية شديدة البراعة من خروشوف.. لتحطيم روح الجنود الألمان المعنوية عن طريق شائعة واحدة...
شائعة أطلقها السوفيت.. و استهدفوا بيها الروح المعنوية للجنود الألمان..
و نجحوا نجاح ساحق...
و مع إن شخصية زي "مدير مدرسة برلين للقناصة" مش شخصية عادية.. و معروفة إلي حد ما.. و ممكن لأي حد يتأكد.. لكن الإشاعة تسللت للنفوس و جابت نتيجة...
الإشاعة ساعات بتتغلب على الحقيقة و تهزمها.. حتى لو كانت لا منطقية...
عشان كده التيقن من الشائعات واجب في كل وقت.. و طلب مصدر "حقيقي".. مش خبر في جورنال.. واجب في كل وقت.. و تشغيل العقل واجب في كل وقت... بالذات أوقات الحروب..
الحروب مبتبقاش مدفع و جندي فحسب.. في نوع تاني من الحروب بيحسم المعركة مبكرا جدا قبلما تتحسم علي الأرض...
الحروب النفسية...
---------
مراجع:
---------
1 - https://www.youtube.com/watch?v=wMvTR012Dmg
2 - "Biography: Vasily Zaytsev". Heroes of the Soviet Union and Russia...
3 - Robbins, David L. (1991). War of the Rats. Bantam.
4 - http://russiapedia.rt.com/promin.../military/vasily-zaitsev/
5 - The Reader's Digest Illustrated History of World War II (1989). London: Reader's Digest Association Limited.
6 - Zaytsev, Vasily (2003). Thoughts of a Sniper. Trans. David Givens, Peter Kornakov, Konstantin Kornakov. Ed. Neil Okrent. Los Angeles: 2826 Press Inc.
7 - Beevor, Antony (1998). Stalingrad. London: Penguin Books Ltd.