لسه مع الشائعات و الحرب النفسية.. و إزاي بتحسم حروب بسهولة قديما و حديثا.. و بنتكلم برضه عن الحرب العالمية الثانية بالذات...

و بعد اجتياح هتلر للنمسا سنة 1938.. و "الجمهورية التشيكوسلوفاكية الأولى First Czechoslovak Republic" بعدها بكام شهر.. و التوتر الأوروبي و العالمي في انتظار حركة الرايخ الثالث القادمة...

و في ليلة من ليالي 1939، بتقع نسخة من كتاب "نوستراداموس Nostradamus" الطبيب و الصيدلي و الفلكي الفرنسي الأشهر فى يد زوجة ""جوبلز Joseph Goebbels" وزير إعلام العهد النازى...

الكتاب كان اسمه "التنبؤات The Prophecies" و اتعرف بعد ترجمته باسم "قرون"...

و الحقيقة إن الكتاب أثار شغف "ماجدة Magda Goebbels" زوجة جوبلز بشدة.. و سهرت عليه شوية.. لحد ما بدأ يتسلل لها الرعب.. و صحت جوزها من النوم.. عشان تكلمه عن الكتاب.. و اللي قرته فيه...

و الواقع إن جوبلز كان مش مستوعب إزاي كتاب اتكتب من أربع قرون.. ممكن يحكي حاجة بتحصل في المستقبل.. لحد ما ماجدة ورت له رباعية في الكتاب بتتكلم عن هتلر..

كان نوستراداموس في نبوءاته ذكر شخص يُدعى “هسلر”، فتوقع أن يولد غرب أوروبا – ألمانيا تحديدًا – لأبوين فقيرين وقال إنه سيستطيع إغواء جيش هائل مستعينًا بمهارته الفائقة في الخطابة، كما أشار إلى أن شهرته ستمتد إلى الشرق.. لكنه سيُهزم في النهاية أمام العديد من الجيوش التي ستتحالف لمحاربته...

و هنا بدأ جوبلز يفوق و يستوعب.. صحيح إن الكتاب بيشير لهتلر باسم "هسلر".. بس الكلام واضح.. دا هتلر المقصود...

و أثار شغف جوبلز أكتر ان الكتاب كان طبعة 1922.. يعني قبل ما يبدأوا الحرب بـ16 سنة...

و فضل جوبلز يقرا الكتاب لحد الصبح.. و بعدين خده معاه لمكتبه.. و الخطة بتتبلور في ذهنه.. و قرر استغلال الكتاب في حملة دعائية جديدة في الحرب، لم يلجأ إليها جهاز دعائى من قبل...

و الفكرة عجبت هتلر و بدأوا ينفذوها....

و ببطء عن طريق العملاء في قلب أوروبا.. بدأت إثارة الشائعات بأن هتلر سوف يجتاح أوروبا كلها.. و إن نوستراداموس تنبأ بدا من أربع قرون...

و رصدت أجهزة الأمن و المخابرات الأوروبية حملة الشائعات.. و رفعوها للقادة اللي ابتسموا في سخرية.. من أسلوب المانيا الغريب الغير مفهوم...

و الحقيقة إن أسطورة نوستراداموس ابتدت قبل الزمن دا بكتير.. بالرغم من اللي عمله في حياته.. و التنبؤات الكتير اللي قالها و طلعت صح.. إلا أنها بدأت تحديدا في مايو 1791...

أوج الثورة الفرنسية الكلجية، و بعد ما كادت تسقط فرنسا.. و طارت آلاف الرؤوس تحت المقصلة.. بما فيها رؤوس قادة الثورة نفسهم في الآخر.. لحسن حظ الفرنسيين..

و ثلاثة من رعاع الثوار سكرانين، قرروا نبش قبر الطبيب و الفلكى الأشهر"ميشيل دى نوستراداموس" ، كوسيلة همجية ساذجة.. لتأكيد سيطرتهم على العهد السابق.. و امتهانهم لكل رموزه و مقدساته ..

والقبر كان مجرد حفرة بسيطة ، فى ساحة كنيسة قديمة ، جواها تابوت خشب قديم ، متهالك مهشم.. بعد قرنين و أكثر فى التراب ..

و نبش الثلاثة القبر.. و كانوا مبسوطين و بيضحكوا.. لحد ما بدأت الخمرة تطير من رؤوسهم و يحل محلها الهلع.. ..

ومكانش مصدر رعبهم هو القبر اللي فيه كومة عضم و جمجمة متهالكين.. كان مجرد لوحة برونز.. نحتها صاحب القبر نفسه.. و أوصى انها تتدفن معاه بعد وفاته...

لوحة مكتوب عليها تاريخ يومهم دا بالذات.. و بالساعة..

السابع عشر من مايو ، عام 1791 - منتصف الليل..

و على اللوحة ، التى تنبأ بها كاتبها بتاريخ نبش قبره بدقة مذهلة ، كانت في رباعية تقول:

بعد أعوام من ثورة العامة ، و فى الشهر الخامس

ثلاثة سكارى ينبشون القبر القديم

اثنان يلقيان مصرعهما فى نفس الليلة

و الثالث يبقى مجنوناً حتى النهاية

و مع رعبهم الشديد.. رموا أدوات الحفر.. و حاولوا الفرار من المكان.. و لكن دورية من دوريات الجيش لمحتهم و ضربتهم بالرصاص.. فمات اتنين منهم.. و أصيب التالت بالجنون من فرط الرعب...

و جمع جوبلز كل المعلومات دي.. و بدأ ينشرها عن طريق العملاء.. عشان يعرف اللي مايعرفش من الناس في أوروبا مين هو نوستراداموس..

و اشتغلت الآلة النازية الرهيبة.. و بدأ جوبلز ينتقي رباعيات معينة بتشير لانتصار هتلر و فوز ألمانيا و يطبعها.. و يترجمها للإنجليزية و الفرنسية و اليونانية و التشيكية و الروسية و غيرهم.. و طبع منهم مئات الآلاف من النسخ...

و في بطء و ثقة.. و بعدما الشائعات تغلغلت ووصلت للناس و صدقوها.. بدأ الطيران الحربي الألماني يرمي الأوراق المترجمة دي علي مدن أوروبا...

ووصل الموضوع لقادة الدول دي.. و اللي سخر سخر و اللي ضحك ضحك.. لحد ما فوجيء الجميع بالتأثير الرهيب اللي عملته الحكاية دي...

الحقيقة إن دول أوروبا بدأت تسقط امام النازي زي قطع الدومينو.. و في ضربة واحدة كان هتلر احتل النرويج و هولندا و الدانمارك و بلجيكا.. و دخل وراهم علي كرواتيا و موناكو و سلوفاكيا و رومانيا و بولندا.. الخ..

و بعدين حصلت المصيبة الكبري.. دخل فرنسا...

و كان من الطبيعي انه تنشط أجهزة المخابرات الأوروبية و تجمع معلومات للبحث عن حل..

و اللي شافه المراقبون في الواقع إن الجنود كانت بتقف متخاذلة.. و معنوياتها محطمة.. لأن معنويات الناس.. البيوت اللي جاي منها الجنود.. كانت أصبحت تحت الصفر...

و أول من أدرك الموضوع دا و تدارك الخطأ كانت انجلترا.. اللي بدأت علي الفور حملة دعائية مضادة باستخدام نفس الكتاب.. فراحت تترجم تطبع مئات الآلاف من الأوراق اللي بتحوي الرباعيات اللي ممكن تشير أو تلمح لهزيمة هتلر.. و ترميها فوق المدن الألمانية بالطائرات.. و ترميها كمان فوق أوروبا و فوق بريطانيا نفسها.. لرفع معنويات شعوب أوروبا الأخري.. و معنويات الشعب الإنجليزي نفسه..

و مسك جوبلز كتاب نوستراداموس.. و مابقاش لاقي رباعيات جديدة.. تشير لانتصار ألمانيا أو تلمح له.. فبدأ يألف رباعيات و ينسبها لنوستراداموس.. و راحت إنجلترا عملت زيه...

و لأن نوستراداموس فرنسي الأصل.. كان سهل علي أساتذة الأدب الفرنسيين تزوير رباعيات بنفس النمط و اللغة تبدو و كأنها أصلية.. لدرجة إن جوبلز في النهاية اضطر يستعين بعراف اسمه "كرافت Karl Ernst Krafft".. عشان يزور له تنبوءات جديدة بتشير لفوز هتلر.. يستعملها ضد نبوءات نوستراداموس..

و بكده بقى نوستراداموس جزء من الحرب العالمية الثانية بعد وفاته بأربع قرون تقريبا..

و لأن في الحروب و الأزمات العالمية.. النفوس بتضعف و التوتر بيزيد.. الناس بتبدأ تركن للخرافات و الخزعبلات.. و تصدق الشائعات.. أي شائعات...

و أحيانا بيبقوا من الضعف بحيث إن محدش منهم بيرجع لمصدر الشائعة.. و يتأكد منه...

التتار لعبوا اللعبة دي.. و كانوا بيبعتوا جواسيسهم و عملائهم قبل ما يهاجموا كل بلد.. بحزمة إشاعات.. عن الفشل الإقتصادي و قلة الموارد.. و عن ضعف الجيش.. أي حاجة تحبط الناس كانوا بينشروها.. و يشيعوا معاها أسطورة جيش التتار الذي لا يقهر...

لازم طوال الوقت يحسسك بالمهانة و الضعف و الفشل.. و يجيبلك احساس بالدونية.. مع كام شائعة مالية من بتوع "مرتبات الشرطة زادت".. معاشات ماعرفش مين زادت.. علي كام شائعة عنيفة من طراز "النيل جف و مبقاش فيه مياه"..

شوف الشائعة الأخيرة دي.. مع إن انت ببساطة ممكن تفتح الحنفية و تشوف النيل جف و للا لأ.. أو تبص في الشارع علي النيل نفسه.. بس مع ذلك هو خلاك من الضعف إنك مش قادر تتأكد..

نشر أكذوبة قوية، مخيفة، عشان يدفع فئة ما، أو حتى كل الفئات، إلى الغضب والثورة، والاندفاع إلى التدمير أو التخريب، دون أن تتوقف للتفكير فى الموقف، ودراسته، وتبين صحته أو كذبه...

الشائعات أحيانا بتمتلك القدرة على هزيمة الحقائق نفسها، حتى و لو لم تستند لمنطق سليم..

والغرض الرئيسى للشائعة هو توجيه الفكر العام نحو أمر بعينه، أو فكرة بذاتها، بحيث تقر فى القلوب والنفوس، وتصبح قادرة على تحطيم الروح المعنوية، أو سلب الإرادة العامة، لما تيجي اللحظة الحاسمة..

لحظة المواجهة...

و الموضوع مكانش مقتصر علي نوستراداموس و رباعياته بس.. الحكومة كانت بتجمع اموال للحرب و تطلب تبرعات عن طريق رمي بوسترات ترهب الناس من مصير الهزيمة علي يد النازي.. اتبرع للمجهود الحربي و إلا هتلر حاييجي ياخد عيالك..

كانت بترمي بوسترات على النازيين و علي أوروبا عن ستات أوروبا و إزاي شجاعتهم و صلابتهم أفضل من رجال ألمانيا..

إزاي تحافظ علي الأسرار العسكرية و ماتقولهاش حتى لمراتك حبيبتك..

حتي ديزني دخلت اللعبة.. عشان ترفع من روح الشعب المعنوية و تخليهم يلتفوا حوالين بلادهم و يرفعوا علمها و يتملكهم الحماس.. زي البوسترات اللي في الصور..

النهاردة طبعا هو مش محتاج يطبع لك أوراق و يرميها بالطيران.. يكفي إنه يسرّح لك شوية صفحات علي السوشيال ميديا.. تبدو كأنها صفحات نكت و كوميكس و دعابة.. علي كام إعلامي عميل في الفضائيات مع شوية صحفيين مأجورين في الجرايد.. و قضي الأمر...

يبدو من الواضح أن الشائعات هى أحد أقوى أسلحة الحروب عبر العصور..

و الحرب لسه مستمرة..

------------------

مراجع:

------------------

1 - Wing, Richard (30 April 2012). "Hitler and the secret astrologers"

2 - Zodiac and Swastika by Wilhelm Wulff.

3 - Currey, Robert (March 1, 2008). "Strange Role of Astrology in World War II".

4 - T.W.M. van Berkel. "World War II Krafft". Nostradamus Research.

5 - Astrology and Psychological Warfare during World War II by Ellic Howe.

6 - Astrology: a recent history including the untold story of its role in World War II (1968).

7 - Masterman, John C (1972) [1945]. The Double-Cross System in the War of 1939 to 1945. Australian National University Press.

8 - Ambrose, Stephen E. (1981). "Eisenhower, the Intelligence Community, and the D-Day Invasion". The Wisconsin Magazine of History. Vol. 64 no. 4. Wisconsin Historical Society. p. 269.

9 - Latimer, John (2001). Deception in War. New York: Overlook Press. p. 238..