من بين كل أنواع الحرب النفسية، التى استعرضها التاريخ، فى عالم الحروب الجاسوسية، تحتل الشائعات مكانة خاصة..
خاصة للغاية..
فعلى عكس كل الوسائل الأخرى، تنطلق الشائعات دوماً من بؤرة مجهولة، يصعب تحديدها، أو تتبُّعها على نحو منطقى وسليم، فالشائعة يمكن أن تبدأ من مصنع كبير، أو مقهى صغير، أو حتى من قلب أخطر جهاز، فى أية دولة من دول العالم..
وهذا يتوقَّف على طبيعة الشائعات، وأهميتها، وخطورتها، وما يمكن أن تؤدى إليه، بعد أن تتوغل فى المجتمع، وتستقر فى وجدانه، وتصبح لها قوة رهيبة، ربما تنزاح أمامها الحقائق نفسها..
والاستهانة بالشائعات خطأ فادح، مهما بدت الشائعة تافهة أو غبية، أو حتى تفتقر إلى المنطق والعقل السليمين..
وقبل أن نناقش هذه النقطة، دعنى أعيد ذهنك إلى شائعة مضحكة، بدأت كنكتة على الأرجح، ثم لم تلبث أن قويت، مع ترديدها المستمر، حتى تجاوزت كل حدود المنطق الطبيعى..
والحديث هنا عن تلك الشائعة، التى انتشرت فجأة، لتقول:
إن الفنان المبدع (محمد صبحى) مسيحى الديانة!
شائعة كان ينبغى أن تثير الضحك والسخرية، وتبدو واضحة السخافة واللامنطقية، وعلى الرغم من هذا، فقد فوجئنا بها تنتشر..
وتنتشر..
وتنتشر..
ومع انتشارها، راح بعض الخبثاء ينسجون مبررات أكثر سخافة لإقناع الآخرين بأن (محمد محمود صبحي) الشهير بالفنان (محمد صبحى)، رجل مسيحى الديانة..
والسخيف أن التبرير نفسه غير منطقى..
ولكن الأسخف أن الناس صدقت..
وردَّدت..
وأثبتت قوة الشائعات..
وفى الوقت الذى كان فيه مطلق الشائعة ينقلب على ظهره ضحكاً وسخرية، من ذلك الشعب الساذج، الذى صدَّق شائعة سخيفة كهذه، كان على الفنان (محمد صبحى) أن يتحدث إلى الصحف، وعن كذب الشائعة، التى سخر منها شخصياً فى البداية، بغض النظر عما ورد بها، باعتبار أن مؤلفها ومردِّدها شخص أساء إلى الأديان، دون وعى أو منطق..
أو ربما هو شخص تعمَّد هذا!!
المهم أنه، على الرغم من كل ما قيل، ومن تكذيب (صبحى) نفسه للأمر، ظل هناك من يصدق..
ومن يردِّد..
ومن يجادل..
وهكذا الشائعات..
من السهل أن تطلقها، ومن الصعب، وربما من الصعب جداً أن توقفها..
وأحد الأسباب الرئيسية للشائعات، رغبة البعض فى الظهور بمظهر الشخص المتميِّز، والمطلع، والعارف ببواطن الأمور..
وهذه أسوأ صفة فى الوجود..
وتتضاعف نسبة السوء، لو أن صاحب تلك الصفة ينتمى بالفعل إلى جهة سيادية أو أمنية، أو سياسية، بحيث توحى كلماته بالثقة والمصداقية، حتى ولو لم يكن يعلم شيئاً عما يتحدث عنه فى الواقع..
فليس من الضرورى، أن يكون أحد العاملين فى جهاز الشرطة مثلاً، على علم بكل ما يدور هناك، بل من الطبيعى جداً أن يجهل الكثير مما يحدث، وإلا فسيصبح جهاز الشرطة كله أشبه بمقهى عام، يردِّد الكل فيه الأسرار، بل ويعلنها لكل العاملين بلا استثناء، ودون أية قواعد للسرية وأمن الجهاز والدولة..
وهذا ينطبق أيضاً على العاملين فى أجهزة المخابرات، ومجلس الوزراء، ومجلس الشعب، وكل الجهات السيادية الأخرى..
وفى معظم الأحيان، يكون الشعور بقلة الشأن، هو الدافع الرئيسى، للعاملين الصغار، أو لصغار كبار الموظفين، كما يطلق عليهم، لكى يتظاهروا بالأهمية، عن طريق ادعاء أنهم يعرفون أسرار المكان..
بل وأسرار الدولة نفسها..
وفى بعض الأحيان، يتظاهر هؤلاء المرضى النفسيين بأنهم على علم حتى بما يطلق عليه اسم (قرارات المطبخ)..
والمقصود بالمصطلح هو تلك القرارات، ذات الطابع السيادى للغاية، بحيث لا يمكن أن يعلم بها سوى كبار القادة، على أرفع المستويات، ورئيس الوزراء، أو رئيس الجمهورية شخصياً..
ومثل تلك القرارات تكون دوماً على درجة عالية جداً من السرية حتى أن الرئيس والقادة لا يبلغون زوجاتهم بها..
فما بالك بموظفيهم، فى الدرجات العليا..
والدرجات الوظيفية الأدنى..
ولكن العجيب أن الناس لا تفكِّر..
أو تبحث..
أو تناقش..
فقط تصدق..
وتنبهر..
وتردِّد..
وهنا تكمن الكارثة.. وهنا تكمن أيضاً، قوة وخطورة الشائعات، على كل المستويات..
والشائعات، من ناحية قوتها، وقدرتها على التغلغل، وما تتركه خلفها من تأثيرات، تنقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية..
وأشهر أنواع الشائعات، ما يعرف باسم (الشائعة الزاحفة)..
والشائعة الزاحفة هذه هى أقوى الشائعات تأثيراً، وأكثرها قدرة على هزيمة الحقائق نفسها، إذ أنها، وكما يتضح من اسمها، تبدأ هادئة، بطيئة، ولكنها تمتلك من القوة ما يسمح لها الزحف فى المجتمعات، وبالانتقال بين الألسنة والآذان فى سرعة، بحيث تصبح راسخة قوية، مقنعة، حتى وإن لم تستند إلى منطق سليم..
والغرض الرئيسى للشائعة الزاحفة، هو توجيه الفكر العام نحو أمر بعينه، أو فكرة بذاتها، بحيث تقر فى القلوب والنفوس، وتصبح قادرة على تحطيم الروح المعنوية، أو سلب الإرادة العامة، عندما تحين لحظات المواجهات..
وأشهر ما عُرِف من الشائعات الزاحفة، هو فكرة قوة الجيش الإسرائيلى، ومناعته، وفكرة أنه مارد جبار غير قابل للهزيمة..
وخلال الحرب العالمية الثانية، استخدم (جوبلز)، وزير الدعاية النازى، شائعة السلاح السرى الألمانى، ليحطم إرادة الإنجليز، ويوهمهم بأن هزيمتهم حتمية، حتى ولو أوحت تطورات الموقف بعكس هذا..
والشائعة الزاحفة قادرة على دفع شعب كامل إلى الاستسلام، قبل حتى أن يواجه عدوه، لتصوره أن هذا العدو يفوقه قوة بمئات المرات، أو يمتلك سلاحاً رهيباً، قادراً على إبادته بلا رحمة.. إلخ..
أما النوع الثانى من الشائعات، فهو (الشائعة العنيفة)..
وهذا النوع من الشائعات يعتمد على نشر أكذوبة قوية، مخيفة، تدفع فئة ما، أو حتى كل الفئات، إلى الغضب والثورة، والاندفاع إلى التدمير أو التخريب، دون أن تتوقف للتفكير فى الموقف، ودراسته، وتبين صحته أو كذبه.. والمثال الواضح للشائعات القوية، هو أحداث الأمن المركزى، فى أواخر ثمانينات القرن العشرين، عندما سرت بين قوات الأمن المركزى شائعة، تقول إن فترة تجنيدهم ستتضاعف فى ظروف معيشة سيئة للغاية..
وبمنتهى العنف، انطلق جنود الأمن المركزى يعلنون رفضهم..
وغضبهم..
وثورتهم..
واشتعلت الدنيا كلها..
وهذا بالضبط هدف الشائعات العنيفة..
أن تطلق المشاعر والانفعالات من عقالها، بمنتهى العنف والقوة، دون تفكير أو تدبير..
ومن هنا يبدو واضحاً أن الشائعات العنيفة هى عكس الشائعة الزاحفة تماماً، فهى تبدأ بسرعة، والغرض منها نتائج سريعة ومباشرة، و…
وعنيفة..
تبقى أمامنا إذن النوع الثالث والأخير من الشائعات، وهو ما يعرف باسم (الشائعة الغائصة)..
والشائعة الغائصة تشبه كثيراً الشائعة الزاحفة، من حيث بطئها، وتوغلها، وتغلغلها، ولكنها تختلف عنها فى أنها لا تمس قطاعاً حيوياً دائماً أو مستمراً من المجتمع، وإنما تمس أمراً يتعلق بأوقات محدودة، أو مواسم بعينها، بحيث تغوص الشائعة فى المجتمع معظم الوقت، ثم تعود إلى السطح، عندما يأتى دورها، أو موسمها، أو تأتى مناسبتها..
فلو أنها شائعة تتعلَّق بنقص الموارد الغذائية مثلاً، فهى تختفى معظم أيام السنة، لأن المواد متوافرة بالفعل، ثم تعود إلى الظهور مع مواسم الصيف مثلاً أو فى بدايات شهر رمضان..
والشائعات المالية هى أشهر أنواع الشائعات الغائصة، مثل شائعات إصدار الحكومة لقانون، يبيح لها الاستيلاء على الودائع البنكية للمواطنين، أو على العملات الحرة فى أرصدتهم، وهى شائعة ترتبط دوماً بالأزمات الاقتصادية، فهى غائصة دوماً فى المجتمع، ثم تظهر فجأة، إذا ما واجه المجتمع أزمة مالية، حتى ولو كانت مرحلية أو مؤقتة..
ومن كل ما سبق، يبدو من الواضح أن الشائعات هى أحد أسلحة الحروب عبر العصور..
بل هى أقوى أسلحة الحرب الخفية..
الحرب النفسية...
Mohammed Haffz