ممكن الكاتب يُظهر الواقع، أو يجعل لوح القدر يتجلى؟
وللا الكاتب بيقدر أحيانًا بشكل ما، مع طاقته العقلية الفائقة، وقدح زناد عقله، يسافر بعقله عبر الزمن للمستقبل؟
السفر للمستقبل جائز فيزيائيًا وعلميًا.. خاصة لو على شكل طاقة.
وكل شيء في الكون طاقة، زي ما عرفت لو متابع الصفحة دي من زمن.
حتى المادة.. طاقة.
حتى الكوب اللي قدامك، والأريكة اللي أنت عليها، وانت بتقرا السطور دي.
"أوسكار وايلد Oscar Wilde" اعتبر الكتابة أم الفنون، وقال "أن الطبيعة تقلد الفنان".
سنة 1838، الكاتب الأمريكي "إدجار آلان بو Edgar Allan Poe" كتب رواية طويلة، بعدما فشل في قصصه القصيرة ومحققش أية مبيعات.
ووضع لمساتها الأخيرة، وسماها "حكاية آرثر جوردن بيم من نانتكيت The Narrative of Arthur Gordon Pym of Nantucket".
الحكاية عن مركب كبير بيغرق، وعلى قارب نجاة، بينجو بضع بحارة.
مع نفاد البسكويت بتاع الطواريء على القارب وعبر الوقت وهم تائهين في المحيط، بيقرروا يقتلوا ويفترسوا رفيقهم البحار وأضعفهم بنية.
وكان شاب عمره 17 سنة، اسمه "ريتشارد باركر".
وفعلا بيعملوا كده.
وبتفشل الرواية...
بتفشل رغم جودتها، لأن النقاد شافوها عنيفة دموية.
وبعد 48 عام من صدور الرواية، وبعد أكثر من 35 عامًا من وفاة مؤلفها، بتغرق مركب صيد حقيقية.
وبينجو مجموعة بحارة حقيقيين في قارب نجاة صغير.
ومع الجوع والمرض والبرد، مبيلاقوش حل إلا أنهم يفترسوا أحد زملائهم.
وبيقتلوه ويفترسوه حقيقة.
وكان الضحية صبي بحار شاب عنده 17.
وكان اسمه كذلك "ريتشارد باركر".
الكاتبة "أوكتافيا باتلر Octavia E. Butler" كانت بتكتب ثلاثية اسمها "الموعظة".
وماتت قبل ما تكملها، في العام 1993، لكنها بتتكلم عن اللي بنشوفه حاليا بالضبط، من اضمحلال الفن، وظهور الصوابية السياسية، وغياب العدل، وحتى مشكلة الاحتباس الحراري والمناخ، وذوبان القطبين.
ديستوبيا "جوروج أوريل George Orwell" الشهيرة، اللي بتحمل اسم "1984"، اللي نشرها سنة 1949 عن مستقبل أسود بعد أربعين سنة تقريبًا، المواطن فيه بيحيا في دولة بتعد عليه أنفاسه وتراقب كل حركاته وتصرفاته.
صحيح موصلناش للفجاجة دي في معظم دول العالم، لكن في دول زي كوريا الشمالية، بتعمل دا بالفعل.
"هربرت جورج ويلز H. G. Walles" كتب روايته "عالم حر The World Set Free".. سنة 1913.
وفيها.. وصف سلاح جديد مالوش وجود.
القنبلة الذرية.
حتى انه سماها بنفس الاسم.
وصف "هربرت" للقنبلة وتأثيرها ومداها طابق بدقة مدهشة، معادلات وتوقعات العلماء الألمان أثناء سعيهم لصناعتها، وقبل انتاج القنبلة نفسها.. لدرجة ان الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، سعوا للقبض عليه.. وكان على أول قائمة المطلوبين لو ألمانيا دخلت لندن.
"أما سنكلير لويس" في رواية "هذا لا يمكن أن يحدث هنا It Can’t Happen Here"، الصادرة سنة 1935، فيصف حقبة "باراك أوباما" بالضبط، كرئيس للولايات المتحدة.
وبيحكى توتر علاقاتها مع دول العالم.. لكن وصفه لشخص وصفات ملامح الرئيس كان مطابق لملامح وهيئة "دونالد ترامب".
"جون برانر John Brunner" سنة 1969 وصف برضه حقبة "أوباما" بالضبط.
وصعود وتعاظم الإرهاب الدولي.
وتكوين الاتحاد الأوروبي.
وعدم تجريم الماريجوانا والسماح بزواج المثليين.
والتراجع في شعبية التبغ...
كل دا في روايته "وقفة عند زنجبار Stand On Zanzibar".
وسمى فيها رئيس أمريكا باسم قد يطرق أجراس ما في عقلك...
"مستر أوبومي Obomi"!
وفي رواية "دين الشرف Debt of Honor" الصادرة سنة 1994، بتصل القصة إلى ذروتها، لما بتتخطف طائرة ركاب وتنقض على أعلى مبنى في البلاد عشان تنفجر وتدمره، قبل أحداث 11/9 بحوالي سبع سنوات.
أما قصة "توقفت الآلة The Machine Stops".. فدي غرابتها انها مكتوبة عام 1909.
قبل الحرب العالمية الأولى.
وفيها تخيل الكاتب عالم البشر فيه عايشين في غرفهم.
مفيش حياة اجتماعية ولا خروجات مع أصدقاء ولا مناسبات.
والكل بيتواصل من خلال أجهزة جيب مربعة عجيبة، بتعمل باللمس والأوامر الصوتية!
الناس في الرواية دي عبر الوقت بتصاب بالفوبيا من الحياة الاجتماعية المباشرة، وبيتحولوا إلى شيء اشبه بمسوخ بتحيا في ظلام دامس، مع الآلات الصغيرة اللي بيحملوها، وبينفصموا عن عالم الواقع.
الرواية مكتوبة قبل اختراع التليفزيون.
لكن الأغرب لم يأت بعد.
ففي العام 1898، الكاتب الأمريكي "مورجان روبرتسون Morgan Robertson"، بيكتب رواية قصيرة اسمها "عبث Futility".
الرواية عن سفينة هائلة، زعم صانعوها إن الله نفسه غير قادر على إغراقها، طولها 240 متر؛ وحمولتها سبعين ألف طن، ولا تحمل ما يكفي من قوارب النجاة، لأن صانعيها آمنوا إنها لا يمكن أن تغرق لأي سبب.
فحملت قوارب نجاة تكفي 1,178 مسافر فقط.
وأثناء ما الوحش البحري الهائل دا بيمخر عباب المحيط، بيرى مراقب الدفة جبلاً هائلًا من الجليد بغتة وسط الضباب.
وبيطلق الإنذار.
وبيتجه القبطان مسرعاً للقمرة وبيحاول إدارة الدفّة ويقوم بعكس المحركات لتفادي الإصطدام.
وبينجح الربان بالفعل في خفض السرعة الكبيرة للسفينة إلي 25 عقدة بحرية؛ ولكن بالرغم من كل الجهود، بيحتك جانب السفينة بجبل الجليد.
وبتبدأ المارد البحري البحري الهائل - اللي سماها في الرواية "تيتان" - في الغرق في شمال الأطلنطي.. في أحدى ليالي إبريل، علي بعد 400 ميل بحري أو 740 كيلومتر من السواحل الكندية.
الركاب بتهرب.. القوارب لا تكفي.. الباخرة تمتليء بالماء.. الموسيقى تعزف.. و القبطان يفضّل البقاء في قمرته حتى اللحظة الأخيرة ليغرق مع باخرته.
وبعد الرواية دي بأربعة عشرة سنة، في 15 إبريل 1912، بتغرق سفينة هائلة حقيقية، طولها 240 متر؛ وحمولتها سبعين ألف طن، ولا تحمل ما يكفي من قوارب النجاة، لأن صانعيها آمنوا إنها لا يمكن أن تغرق لأي سبب.. فحملت قوارب نجاة تكفي 1,178 مسافر فقط.. بعد احتكاكها بجبل جليدي، فشل الربان في تفاديه، بعدما نجح في خفض السرعة الكبيرة للسفينة إلي 25 عقدة بحرية.
وفي النهاية، ومع عزف الموسيقى، فضل البقاء في قمرته والغرق مع سفينته.
وكانت السفينة الحقيقية اسمها "تيتانيك".
أما رواية "حلم السلطانة The Sultana’s Dream" فتخيلت فيها الكاتبة عالم بلا رجال، بالتالي خالي من القسوة والعنف والحروب، الرجال كلهم منفيين أو سجناء، والأرض للنساء فقط.
رغم أن دا محصلش طبعًا.. بس الرواية فيها وصف دقيق لتقنيات مكانش لها اي وجود.. زي خلايا الطاقة الشمسية، ومكالمات الفيديو. الرواية مكتوبة سنة 1905.
رواية "أغنية من أجل يوم جديد A Song for a New Day" بتتخيل فيها "سارة بينسكر Sarah Pinsker" سنة 2018، الحكومات في المستقبل، وهم بيمنعوا تجمعات الناس، وبيحضوا على التباعد والتواصل والتعامل وحتى التجارة عبر الانترنت.
ودا لأن الإرهـاب انتشر وبقى كارثي، ومعه، ظهر وباء غامض قاتل، لم يلبث أن تحول إلى جائحة شديدة العدوى!
ويظل معلق في سقف الحجرة، ذلك السؤال المخيف.
ممكن الكاتب يُظهر الواقع، أو يجعل لوح القدر يتجلى؟
ممكن؟