من أوائل الناس اللي حطت اللبنة الأولى لحرب العقول في الحروب في العصر الحديث،

رجل اسمه "تشارلز فيردريك جيرني ماسترمان Charles Frederick Gurney Masterman".. أو "تشارلز ماسترمان".. سياسي إنجليزي .. دخل انتخابات مجلس العموم البريطاني سنة 1903 وخسر.

كان أديب وكاتب شديد البراعة.. وكان من مؤيدي إن إنجلترا تدخل الحرب العالمية الأولى، بكتاباته الحماسية وخطبه القوية.. وبمجرد ما تم دا.. وفي أغسطس سنة 1914.. إنجلترا بتأسس إدارة للدعاية العسكرية اسمها "والينتون هاوس Wellington House" أو "مكتب البروباجاندا العسكرية War Propaganda Bureau".. تقدر تعتبر دا هو "الشؤون المعنوية" للجيش الإنجليزي في الفترة دي.. وبيعينوا "ماسترمان" مدير للمكتب ده.

"ماسترمان" بيبدأ شغله بالبحث عن أفضل الرسامين والكتّاب والأدباء الموهوبين.. في شتي بقاع البلاد.. وبيقنعهم للعمل معه لدعم البلاد في الحرب.. وبينجح بالفعل وبيضمهم للمكتب.

من الأدباء اللي ضمهم كان "جون بوشان John Buchan" نفسه.. المؤرخ والأديب و الحاكم الخامس عشر لكندا.. ضم سير "آرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle" مبتكر شخصية "شيرلوك هولمز" و "هربرت جورج ويلز H. G. Wells" صاحب "آلة الزمن" و "طعام الآلهة" و"الرجل الخفي".

الفرقة الرهيبة اللي كونها من أرباب القلم كان معاهم رسامين عظام من وزن "بول ناش Paul Nash".. وفي سرية مطلقة بيبدأوا العمل.

كان فريقي الحرب هم الحلفاء.. إنجلترا وفرنسا وروسيا.. ضد دول المركز.. الإمبراطورية العثمانية.. الإمبراطورية النمساوية المجرية.. ألمانيا.. وبلغاريا.

أهداف "ماسترمان" كانت محددة.. أولًا.. الشباب.. ماينفعش يبقى في وقت الحرب عقله محتل من قبل العدو.. هي دي أصعب وأخطر جزئية.

ماينفعش يبقى شباب البلد مع العدو لأنه مغسول المخ...! ماينفعش. الشباب الواعي الذكي بيبقى هو مفتاح النصر.. حتى لو الغزو تم.

بدأ الفريق يكتب و الرسامين ترسم.. بوسترات ومنشورات دعائية.. "اشتري السندات الحربية وساند بلدك".. السندات الحربية دي حاجة شبه طابع "معونة الشتاء" اللي كان في مصر زمان.. مقابل السند الحربي بيروح لدعم الجيش.. "ماتتعاونش مع العدو".. "ادعم جنودك".

تذكر الأبطال.. تذكر الشهداء اللي ماتوا وهم بيدافعوا عن الوطن.. تذكر "بلجيكا".

منشورات "ماسترمان" وحرب العقول اللي شنها.. مكانتش على الأعداء فقط.. كانت كمان على الحلفاء. لشد أزرهم ودعمهم.

بينطلق "ماسترمان" كما لم ينطلق من قبل.. وبيخاطب عقول الشباب بكل ما يمكن أن يثيرها ويدفعها للتفكير.. لدرجة أنه بيرسم فتيات حسناوات في أزياء عسكرية مع جمل زي "انا عايزاك معايا في البحرية".. و"يا ريتني كنت راجل عشان أحارب مع بلادي". البوسترات اللي في الصور دي.

منشورات "ماسترمان" اتوجه جزء كبير منها للعدو.. بينما كان بيشجع شبابه على خوض الحرب.. كان بيشجع شباب العدو على العكس.. "ارجع.. مراتك/ صديقتك في انتظارك".. "أنت ألماني.. بتحارب ليه لمجد الإمبراطورية العثمانية المريضة؟"

ومع شغل "ماسترمان" بيحصل شيء غريب...

بتنضم إيطاليا بغتة إلى قوات الحلفاء سنة 1915.

وفجأة بتتبعها رومانيا.

وبيتبعهم اليونان والبرازيل والبرتغال والصين.

وبلا سابق إنذار.. بيتدفق الشباب علي مكاتب التجنيد في الدول دي بالملايين.. وبينمو لديهم حس وحماس وطني منقطع النظير.

بيكون لشغل "ماسترمان" تأثير رهيب بيفوق التوقعات.. حتى توقعات إنجلترا نفسها.. لدرجة إن الشعب الهندي.. وكان بيقاوم الإنجليز وقتها وخايفة يثور وقت الحرب.. الشعب الهندي راح واقف في صف "عدوته" انجلترا.. وقدم لها طوعًا أكثر من مليون وربع مليون شاب.. يحاربوا في صفها.. لأن "ماسترمان" وكتبه ومنشوراته أقنعتهم إن دا في صالح القضية الهندية...!!

دعاية رهيبة.. غزت العقول.. وطوعتها كما تشاء.

وفي المعسكر الآخر.. منشورات "ماسترمان" وكتبه ورسوماته هو وفريقه اللي كانت بتتوزع خفية أو بتلقى بالطيران على دول المركز.. سببت شيء غريب.

بيبدأ شباب الإمبراطورية العثمانية المجندين بالفعل يهربوا من الجيش.. وينزحوا إلي ألمانيا.. اللي فوجئت بنفسها قدام عبء جديد.. لجيش من العاطلين.. مش عايز يحارب ولا يشتغل.. لدرجة أنهم مرحبين يدخلوا السجن ترحيب تام.. بس مايموتوش في الحرب.

بيبدأ شباب الإمبراطورية النمساوية المجرية يتشككوا في أهداف ودوافع الحرب.. كل دا عشان أرشيدوق اتقتل.. طيب أنا مالي.. أموت ليه؟

واتكلف "ماسترمان" بمهمة جديدة.

فمع بدء الحرب العالمية الأولى.. الولايات المتحدة بتعلن موقفها بوضوح.. أنها على الحياد.

ودا ماينفعش.. كان لازم أمريكا تدخل الحرب في صف انجلترا.

أمريكا.. الدولة البكر اللي بتحتل قارة كاملة بمواردها الرهيبة.. حتعمل فارق كبير جدا في ميزان المعركة.

وبيبدأ "ماسترمان" وفريقه حملة رهيبة لغزو عقول القادة وصناع القرار.. عشان يدفع الولايات المتحدة لدخول الحرب في صف انجلترا وحلفائها.. الموضوع كان صعب.. بس "ماسترمان" بينجح في مهمته نجاح ساحق.. لأنه بعد عام واحد من حملته عليها وعامين ونصف على بدء الحرب.. في 6 إبريل من العام 1917.. الولايات المتحدة بتعلن الحرب رسميًا على ألمانيا.

بعدما أنهك جميع الأطراف وخسروا كتير.. فجأة دولة كبيرة جديدة بموارد بكر وجيش مش مرهق مستنزف.. بتنضم إلى صف الحلفاء.

وبيكبر دور "ماسترمان" لأن الولايات المتحدة نفسها بتطلب من لندن معاونة "والينتون هاوس" في لعبة حرب العقول.

وبحلول نهاية العام 1917.. كان "والينتون هاوس" أصدر حوالي 600 كتاب ومنشور بـ21 لغة.. وكان بيوزع 4000 منشور أسبوعيًا.

ومع الدعاية الناجحة والضربات المستمرة.. بيعلن القائد الألماني اللي بيسند القوات البلغارية على الجبهة "إريك لودندورف Erich Ludendorff" أنه تحت ضغط نفسي شديد.. ومع تصريحه الغير موفق.. فجأة بتنهار مقاومة بلغاريا.. وبتنفصل عن دول المركز.

وزي التفاعل المتسلسل.. بدأ انهيار سريع لدول المركز.. وكانت بلغاريا أول الغيث.. ووقعت على هدنة منفصلة في 29 سبتمبر 1918 في سالونيك.

وفي 30 أكتوبر من العام 1918.. بتستلم الدولة العثمانية.. وبعد 4 أيام.. في 3 نوفمبر.. بترفع القوات النمساوية المجرية العلم الأبيض.. وبتضع الحرب أوزارها رسميًا في 11 نوفمبر من نفس العام.. بانتصار للحلفاء وهزيمة لدول المركز.

هو دا اللي بتعمله "حرب العقول" على الأرض.. وماينفعش نتكلم عن "حرب العقول" من غير ما نشير إلى رجلين من رجال الدين المسيحي.. وهما الأب "سيمون" و الأب "لوكا".. ودول الحديث عنهم يطول.

ويبقى للحديث بقية.

----------------

منشورات سابقة:

---------------

1 - http://bit.ly/2tPfbS9

2 - rebrand.ly/37eb4