من موقعة "عين جالوت"، ناخد قفزة هائلة عبر الزمان والمكان، توصلنا إلي حرب جديدة من حرب العقول.. على مجموعة شباب عاديين.. بتأدي لاندلاع حرب كبرى من أكبر الحروب في التاريخ، وأكثرها ضراوة ووحشية.. بيروح ضحيتها 70 مليون بشري.

سنة 1911 بتتكون في صربيا "جماعة سرية محظورة".. اسمه "اليد السوداء Black Hand".. بيبدأ التنظيم دا ينفذ مجموعة تحركات خاصة يستقطب بيها الشباب.

تنظيم "اليد السوداء" كان بيشن حرب مدهشة على عقول الشباب طول الوقت.. وكان مدخله للعقول هو شعارات من طراز "الثورة، الحرية، الكرامة، القومية".

الوقت دا كان في توتر عنيف، بسبب تدهور الإمبراطورية العثمانية، وحروب البلقان، وكان في مشروع روسي.. ومشروع نمساوي مجري.. والمنطقة محتقنة بما لا يقاس.. زي منطقتنا النهاردة وسط المشروع التركي والإيراني والأمريكي وغيرهم.

كان في عندهم وقتها تشكيل طلابي مدرسي ثوري اسمه "شباب البوسنة".. بينجحوا في استقطاب شباب كتير بشعارات التنظيم.. منهم شاب حنقف عنده.. اسمه "جوفريلو برينسب Gavrilo Princip".. اللي في الصورة ده.

التنظيم كان بيسعى لهدف كارثي مغلف بشعارات أنيقة رنانة تثير الحماس. الهدف كان انفصال إقليم البوسنة عن الدولة.

بتبدأ حرب العقول على شباب صغير السن لسه بيبحث عن الحقيقة ويكوّن تراثه العقلي، ومش عارف فين الخطأ وفين الصواب.. التنظيم دا عامل لغط بين المؤرخين لحد النهاردة.. وكتير منهم بيقولوا إن أهدافه كانت نبيلة.. وكتير بيقولوا إنه كان عصابة إرهابية.. أيًا كان.. القانون كان بيمنع انضمام الطلبة للجماعات دي.. فبيتم طرد "جوفريلو" من المدرسة.

وحيد ضائع مفلس.. بيتوجه "جوفريلو" إلى بلجراد، بيقطع 280 كيلومتر سيرًا على الأقدام.. وبينام على جانب الطريق وبياكل حشائش الأرض.. لحد ما بيوصل لهدفه وبيسعى للبحث عن عمل.. مبيلاقيش.. فبيتقدم لمكتب تجنيد للتطوع في الجيش.. على الأقل حيلاقي سرير ومأوى وطعام.

بسبب ضعف بنيته وتكوينه الجسدي، الجيش بيرفضه.. بيدخل في نوبة اكتئاب.. وبيشتغل في عمل يدوي وضيع بيجيب منه مبلغ بسيط بيرجع به البوسنة. وهناك بيلتقطه أحد قادة الحركة الثورية اسمه "جوفوين رافايلوفيتش Živojin Rafajlović".. وهنا بيبدأ تجنيده.. وبيقدر له إنه يكون السبب في واحدة من أكبر كوارث التاريخ.

ففي خضم التوتر الإقليمي بيقرر ولي عهد النمسا "الأرشيدوق فرانز فرديناند Archduke Franz Ferdinand" مع زوجته الدوقة "صوفي".. زيارة سراييفو زيارة سياسية.

مع تزاحم الجمهور لتحية الأرشيدوق أو رؤيته في الشوارع أو حتى الاعتراض على الزيارة.. بيندس وسطهم ست شباب.. "جوفريلو".. "دانيلو إيليتش Danilo Ilić".. "نيديليكو كابرينوفيتش Nedeljko Čabrinović" "سيفيتكو بوبوفيتش Cvjetko Popović".. تريفكو جاربيز Trifko Grabež".. و"فاسو كبريلوفيك فاسو Vaso Čubrilović" بيقودهم واحد اسمه "محمد محمدباشق Muhamed Mehmedbašić".

والأخير دا كان تابع لمنظمة اليد السوداء مباشرة.. مش مستقطب بشعارات الثورة زي معظم الباقين.

وفي 28 يونيو من العام 1914.. وقف الشباب المغرر بيهم تحت قيادة "محمد باشق" عضو الجماعة السرية المحظورة وسط الجماهير، مسلحين بالمسدسات والقنابل اليدوية، متظاهرين بتحية ولي عهد النمسا وزوجته في السيارة المكشوفة زي معظم الناس.

كان المفترض إن "محمد باشق" يرمي القنبلة اليدوية الأولى.. وبعدين يتبعه باقي الشباب ويهرب الجميع في الانفجارات والزحام.. لكن "باشق" مبيتحركش لما بتمر السيارة من أمامه.. وبالرغم من إن تصرفه كان غريب.. لكن "نيديليكو" كان بعده.. وبيرمي القنبلة الأولى.. فبترتطم بظهر سيارة الأرشيدوق وتسقط ارضا وتنسف سيارة الحراسة من خلفه.

بينطلق سائق الأرشيدوق البارع ويحاول يفر به من وسط الهرج والزحام.. وبينجح.. وبيوصل الأرشيدوق لمكان آمن.. وبيلغي زيارته ويتهيأ للعودة.

لكن "جوفريلو" - مشحونًا بشعارات وأكاذيب وفشل متكرر - كان بيتتبع خط سير السيارة في صبر.

بعد ساعة واحدة.. بيزور الأرشيدوق مستشفى سراييفو عشان يطمن على الحرس المصابين.. وفي خط سير عودته.. بيكون "جوفريلو" هناك.. في انتظار السيارة المكشوفة.. وبيطلق عليه رصاصة بتخترق عنقه، ورصاصة أخرى على صدر زوجته الدوقة "صوفي".

بيتقبض علي "جوفريلو" فورًا.. وبيعترف على الباقين من غير ما يقول "كهربوني" لحسن الحظ.. وبيجيبوا "محمد محمدباشق" اللي كان تابع للجماعة المحظورة إياها.. وبيسألوه ليه مشاركش بدل دفع الشباب دول للجريمة.. فكان رده إنه خاف يتقبض عليه لو نفذ عشان شاف عسكري واقف وراه!

بس دا ديدن الجماعات دي في كل وقت عبر التاريخ.. يشنوا حرب علي عقلك.. ويقنعوك بقضيتهم ويدفعوك للهلاك.. وهم في مأمن.

بناء على تصرف من شاب خسر حرب العقل، بتنشأ أزمة ديبلوماسية عنيفة.. سجل لها لنا التاريخ باسم "أزمة يوليو July Crisis".. التوتر بيتصاعد لحد ما النمسا بتصدر إنذار نهائي إلى صربيا، بتطالبها فيه بطلبات معينة، والرد الصربي مابيرضيش النمساويين.. فبتنطلق شرارة الحرب في نفس الشهر.. في 28 يوليو سنة 1914.

وبسرعة البرق بتترسم الخريطة وينضم الحلفاء لبعض.. وبتتدخل روسيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.. وبتندلع حرب عالمية مروعة.. لمدة أربع سنوات.. عرفناها باسم "الحرب العالمية الأولى WWI".

ظروف سجن "جوفريلو" كانت قاسية.. وزادت قسوتها مع الحرب.. مع بنيته الضعيفة أساسًا؛ في النهاية مات من المرض والبرد وسوء التغذية سنة 1918. وكالعادة.. اعتبره اليساريين بطل قومي.. بينما صنفه الناس كمجرم إرهابي.

شاب وحيد عنده 20 سنة.. نجح بعضهم في التلاعب بعقله اتسبب في موت 70 مليون إنسان!

والغريب إنه خلال الحرب العالمية الأولى لم تتوقف "حرب العقول".

بيبرز على الساحة في بداية الحرب دي.. رجل اسمه "تشارلز ماسترمان Charles Frederick Gurney Masterman".. اللي أشرنا إليه إمبارح.. وبيحط لنا حجر جديد في بناء لعبة حرب العقول.

لكن الأسس اللي حطها نتكلم عنها لاحقًا.. ويبقى للحديث بقية.

-------------------

مراجع:

منشورات سابقة:

------------------

1 - http://bit.ly/2tPfbS9

2 - Butcher, Tim (2014). The Trigger: Hunting the Assassin Who Brought the World to War.

3 - Mitrović, Andrej (2007). Serbia's Great War, 1914–1918. Purdue University Press.

3 - Craig, John S. (2005). Peculiar Liaisons: In War, Espionage, and Terrorism in the Twentieth Century.