مع حرب العقول والثورة البلشفية مستمرة، ونبدأ نشوف مرحلتها الثانية بعد انتصارها الأول في فبراير/ مارس.
كان البلاشفة طامعين في السلطة، وعليه.. لما بدأت الحكومة المؤقتة عملها.. بدأوا عبر "تروتسكي" رفيق "لينين" توجيه الناس إلى اعتقاد جديد، بيعدوا له من 1915، بيقول.. أن الحرب العالمية دي حرب "إمبريالية".. موجهة ضد العمال والطبقات الفقيرة في العالم كله.. وأنه على روسيا أنها تنسحب منها.
وكأي ثورة في التاريخ.. الجموع بتسمع وتصدق فيها أي شيء.. بيعتنق الناس المبدأ دا وبتتعالى هتافات بتطالب بالانسحاب من الحرب.. والجنوح نحو السلام.
ولكن فجأة.. الحكومة المؤقتة تحت رئاسة "كيرينسكي Kerensky" بتاخد قرار بضربة عسكرية بيهاجموا فيها القوات النمساوية المجرية في "جاليسيا".. التاريخ حفظ لنا الضربة دي باعتبارها آخر ما قدمته روسيا في الحرب العالمية الأولى تحت اسم "ضربة كيرينسكي Kerensky Offensive".
وهنا بيلاحظ الناس أن الحكومة دي مابتسمعش كلامهم.. وكأي ثورة.. كل واحد من الشعب بيبقى متصور إن كلمته لازم تبقى مسموعة وتتنفذ.. فبيبدأ الناس يتذمروا ضد الحكومة المؤقتة في يوليو من العام نفسه.. 1917.. وبيرجعوا للثورة من جديد.
وكانت الحكومة المؤقتة عينت الجنرال "كورنيلوف Lavr Georgiyevich Kornilov" مدير المخابرات العسكرية، كوزير دفاع وقائد للجيش في نفس الشهر.. وكان "كورنيلوف" ولائه لروسيا وحدها، وكان أثار اهتمام الثوار بسبب انتقاده الدائم للقيصر وهو في الحكم.
ولكن بعد تعيينه.. بيحصل انقسام حاد في الرأي.. بين "لينين" و"تروتسكي".. وكان "لينين" شايف إن وطنية "كورنيلوف" خطر داهم على البلاشفة.. فبيجهزوا خطة محكمة للتخلص منه.
وفي 16 يوليو.. رئيس الحكومة المؤقتة "كيرينسكي".. بيصدر أمر إلي "كورنيلوف" بالنزول بوحدات من الجيش إلى العاصمة للسيطرة على الجموع الثائرة، واستعادة الأمن والنظام فيها بالقوة إذا لزم الأمر.
بيجهز "كورنيلوف" قواته بالفعل.. وبيأمر الفيلق الثاني بفرض الأحكام العرفية في العاصمة لحين وصوله.. وعلى حدود العاصمة بيتفاجيء بوحدات من الجيش مع الثوار.. جايه توقفه هو ورجاله.. وتتهمه بمحاولته الإنقلاب العسكري على الحكومة المؤقتة.
أثناء القبض عليه.. ولما بيقولهم أنه بينفذ تعليمات "كيرينسكي".. الأخير بينكر كل دا وبيقول أنه ماطلبش من "كورنيلوف" أي شيء.. وبيتهمه أنه بيسعى إلى "ثورة مضادة Counterrevolution ".. وعليه بيودع في السجن بعد أيام من تعيينه وزير دفاع.
مؤرخين كتير بيذكروا أنهم مش فاهمين اللي حصل في الواقعة دي وحصل ليه.. الأسباب والدوافع غير واضحة.. مع ذلك بتتسجل الواقعة دي كواحد من أفشل الانقلابات العسكرية في التاريخ، تحت اسم "قضية كورنيلوف Kornilov Affair".
بينتهز "كيرينسكي" موضوع كورنيلوف دا.. وبيأسس لجنة اسمها "لجنة مقاومة الثورة المضادة Committee for Struggle Against Counterrevolution"
واللجنة دي دورها بسيط جدًا.
أي حد ينتقد تصرفات السادة الثوار يبقى علي طول من فلول القيصر وثورة مضادة.. وتصدر توصيه بالقبض عليه.. وربما إعدامه.
بيفهم ساعتها "كورنيلوف" لعبة البلاشفة بالضبط.. بس بعد فوات الأوان والقبض عليه.. البلاشفة بيتغلغلوا في كل مفاصل الدولة.. وبيمسكوا كل المناصب والإدارات.. وفي 31 أغسطس بيكتسحوا انتخابات اتحاد العمال.. وبتبقى الدولة تحت إيديهم تمامًا.
وفي أكتوبر بتنتهي آخر مراحل ثورة البلاشفة.. أو ثورة أكتوبر.. واللي بيعترض بيعتقل أو يتضرب بالنار خلاص.
وفي نوفمبر، بيهرب "كورنيلوف" من سجنه بحيلة بارعة، وبيتواصل مع الضباط ورجال الجيش اللي لسه لهم ولاء للقيصر أو مش عاجبهم تصرفات البلاشفة أو فهموا اللعبة أو غيره، وبتلتقي أفكاره مع أفكار الجنرال المخضرم "ميخاييل ألكسييف Mikhail Alekseyev" وبيقرروا يأسسوا سوا جيش للقضاء على الثورة البلشفية، سماه "جيش التطوع Volunteer Army".
وهنا روسيا بيبقى فيها 4 جيوش.
الجيش الأبيض، بقيادة "ألكسييف" و"كورنيلوف" والجيش الأحمر اللي أسسه "تروتسكي" رفيق "لينين".. وبقايا جيش الدولة العادي اللي موجود طول عمره.. ولسه راجع من الحرب العالمية ومش مع دول ولا دول.
والقوزاقيين.. الي بيلموا بعض ويأسسوا جيش اسمه "جيش الدون القوزاقي".
ودا سيناريو مالوش غير معنى وحيد أسود.. الحرب الأهلية.
وبيسعى "ألكسييف" للسيطرة على العاصمة.. وبيبدأ الجيش الأبيض يحارب الجيش الأحمر.
ومع مخاوف "لينين" من أن الجيش الأبيض ينجح في استرداد العاصمة، وتحرير القيصر والاستفادة من علاقاته الدولية وارجاع الأمور إلى سابق عهدها، بيتخذ في ليلة 16 يونيو سنة 1918، قرار بإعدام القيصر وأسرته.
كل آل رومانوف.
وفي ليلة 16 يوليو، 1918.. كان القيصر وأسرته اللي في الصورة دول.. بيتناولوا طعام العشاء في هدوء، لما بيدخل عليهم "ياكوف يوروفيسكي Yakov Yurovsky" اللي في الصورة التانية ده، أحد رجال "لينين" والمكلف بعملية الإعدام.. وبيقول لهم أن فتى المطبخ "ليونيد سيدنيف Leonid Sednev" اضطر للانصراف، لأنه لازم يلتقي بأحد أقاربه في المدينة.. وأنه هو اللي حيعتني بيهم بقية الأمسية.
دا بيزعل الأسرة جدا، لأن "ليونيد" كان الصديق الوحيد لولي العهد الصغير "أليكسي Alexei" والوحيد الي بيلعب معاه.. والحقيقة إن "ليونيد" مكانش راح أي مكان.. كان البلاشفة ذبحوه قبلها بساعات.
عند منتصف الليل.. فرقة الإعدام تحت قيادة "ياكوف" بيصحوا الأسرة ويقولوا لهم.. أنهم لازم يسيبوا القصر لمكان آخر حالًا.. وبيصطحبوهم لغرفة في البدروم.. كانت تعليمات "لينين" هي إعدامهم بالسلاح الأبيض.. عشان محدش يسمع صوت طلقات.. لأنه كان مخطط يقول أنه نقل الأسرة لمكان سري.. عشان يتقي غضب أنصار القصر في الشارع.. لكن "ياكوف" الحمار قرر يرتجل.. وأطلق عليهم النار...
ولأن زوجة القيصر كانت متصورة أنهم حيتنقلوا.. فكانت لفت مجوهراتها حول صدر وجذع الصغير "أليكسي".. فالرصاصات مبتقتلوش.. وبيضطر "ياكوف" يذبحه بسونكي بندقية.. وكان عنده 13 سنة.
الرصاصات بتصحي كل خدم القصر.. وبيتعرف أنه تم اغتيال آل رومانوف.
بتدخل روسيا في مرحلة لطيفة للغاية.. هي حرب أهلية بين الجيش الأحمر.. والجيش الأبيض.. وأنصار آل رومانوف.. والثوار اللي مخدوش قطعة من التورتة.. والشعب.. والقوزاقيين.. وكل دا بيضرب في بعضه.
وأثناء الأجواء العاطفية دي بتنفصل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان وأرمينيا عن روسيا.. وبيوقع البلاشفة بالاعتراف باستقلال كل من أوكرانيا وبيلاروسيا ولتوانيا ولاتفيا واستونيا وفنلندا. ودي كانت مرحلة التقسيم الأولى اللي شهدتها روسيا.
بتنتهي الحرب الأهلية الروسية في 16 يونيو سنة 1923 بانتصار البلاشفة بعد دعم مالي وعسكري ومعنوي لا محدود من "ألمانيا".. عدوة روسيا اللدود.. بلغ أكثر من نصف مليار يورو بقيمة عملة النهاردة.
كانت خلاص روسيا مش لاقية تاكل تقريبا.. فقدت حوالي 20 مليون من أبنائها واتشرد واتهجر حوالي 4 ملايين.. وبقى البلاشفة بيحكموها بالحديد والنار.. لدرجة أنهم قرروا للشعب زي موحد وصرفوا له الطعام بحصص موحدة.
بتيجي بعد كده الحرب العالمية الثانية اللي اتكلمنا عنها.. وذكرنا الرئيس الجديد لروسيا اللي مسكها من بعد "لينين" وأطاح بالحكومة.. لما اتكلمنا عن هزيمة "هتلر".
"ستالين".
وبعد الحرب العالمية الثانية بنمر بفترة هدوء نسبي، بندخل بعدها في مرحلة جديدة، اسمها مرحلة الحرب الباردة.. ودي برضه ماتوقفتش فيها حرب العقول.. وحنسمع لأول مرة فيها مصطلح جديد اسمه "جلاديو".
والموضوع دا نتكلم عنه لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
----------------
(المنشورات السابقة أول تعليق)