حرب العقول باختصار هي عملية "قرصنة" للعقل.. إزاي عقلك "يتركب" ويبقى ألعوبة في إيد اللي ركبه.. فيبدأ يدمر نفسه بنفسه، ويدمر صاحبه معه.

قبل ما نسترسل في الموضوع، نسأل سؤال عارض؛ للشباب اللي شايف إن الأيقونات الثورية نقية طاهرة.. هو فين صاحبك اللي قال لك "شركات حفر قناة السويس هربت والمعدات غرقت" و"الميسترال اتباعت لروسيا بدولار" و "منسوب النيل انخفض وفي يوليو 2016 مش حنلاقي مياه نشرب عشان السيسي باع النيل"؟

اختفوا ومحدش منهم فكر يعتذر ويصحح الخطأ.. صح؟

ضحك عليك بمعلومة خطأ.. وهو عارف أنها خطأ واتفرج عليك وأنت بتصدقها وتتداولها وهو ميت من الضحك عليك في أعماقه. متخيل منظره ومنظرك؟

مين عدوك الحقيقي.. اللي بيستغباك ويحولك لأداة لنقل الشائعات الساذجة.. وللا اللي بيصححهالك وعايزك تفكر وتشغل مخك، وأنت مسميه "مطبلاتي".. مين فيهم عدوك؟

فكر على مهلك، وإحنا كنا وصلنا عامة إلى حقبة "الحرب الباردة Cold war".. الحرب الباردة تاريخها قديم.. من بعد الحرب العالمية الأولى.. بين الإمبراطورية الروسية والبريطانية.

في حروب باردة موثقة تاريخيًا قبل دا بكتير، بين المصريين والهكسوس.. بس أول واحد اتكلم عن المصطلح بعد الحرب العالمية الثانية، كان "جورج اورويل George Orwell" في مقال له بعنوان "أنت والقنبلة الذرية You and the Atomic Bomb" اتنشر في 14 أكتوبر سنة 1945.. اتكلم فيه عن شبح السلاح النووي اللي تهديده الدائم بقى مخيم على العالم.

الحرب الباردة.. وصراع سياسي ساخن بين الولايات المتحدة مع الكتلة الغربية من جهة.. والاتحاد السوفيتي من جهة.. سباق تسليح، استخبارات وتجسس.. سباق في التطوير والبحث العلمي ومعارك اقتصادية مش بتنتهي.

اللي فيه العالم النهاردة مش "حرب باردة" وحسب زي ما ممكن تتخيل.. هو مزيج من الحرب الباردة والحرب بالوكالة والحرب المباشرة.. حاجة كده كابوسية معفنة بتتسجل تاريخيًا للمرة الأولى.

تحت سقف الكونجرس، بالتحديد في 12 مارس، سنة 1947، بيعلن الرئيس الأمريكي "هاري ترومان Harry S. Truman" صاحب قرار قصف اليابان بالقنابل الذرية.. عن مبدأ جديد، دخل التاريخ وعلم السياسة تحت اسم "مبدأ ترومان Truman Doctrine".

ومبدأ ترومان بيقول أنه "يجب على الولايات المتحدة أن تتخذ ما تستطيع من سبل لوقف أي عدوان على مصالحها، مباشر أو غير مباشر، مع تقديم الدعم المالي والسياسي والعسكري لأي دولة ديموقراطية، ضد أي تهديد خارجي أو داخلي، من أعداء الديموقراطية".

وبموجب المبدأ اللطيف دا فككت أمريكا الصومال ودمرت أفغانستان واحتلت العراق وقصفت سوريا واليمن ونص كوكب الأرض من 1947 لحد النهاردة.

وفي نقطة تانية مهمة...

أمريكا بموجب المبدأ دا بتدعم أي "ميليشيات" في أي مكان في العالم، بتتخذ الديموقراطية ستار لعملياتها نحو أي سلطة مش على هوى الولايات المتحدة.

وبتتدخل أمريكا في الحرب الأهلية الصينية في نفس العام.

وفي 4 إبريل سنة 1949 بيظهر للوجود حلف جديد لدول الكتلة الغربية. حلف شمال الأطلنطي.. اللي نعرفه كلنا باسم "حلف الناتو NATO".

وعشان يرد السوفيت، بيعملوا اتصالاتهم ومباحثاتهم وبيقدموا دعمهم لدول الكتلة الشرقية زي بلغاريا وبولندا ورومانيا وغيرهم، وبيتأسس حلف مقابل اسمه "حلف وارسو Warsaw Pact".

وبتنشب أزمة بين الأتراك واليونانيين حول المضائق البحرية، بتتطور لأزمة بين الأتراك والسوفيت، فأمريكا بتقدم للأتراك دعم مالي لا محدود، وبتزودهم بحاملة الطائرات الأمريكية "فرانكلين روزفلت aircraft carrier Franklin D. Roosevelt".

وفي كوريا، كانت شبه الجزيرة الكورية، متقسمة لقسمين.. قسم شمالي تحت النفوذ السوفيتي.. وقسم جنوبي تابع للأمم المتحدة، وفي الواقع كان تحت النفوذ الأمريكي.. ومع الإنفاق الأمريكي بلا حدود لتسليح شعب الجنوب، بيتحرك أهل الشمال ويهاجموا الجنوبيين، وهنا بتنشب الحرب الكورية.. وبتتدخل فيها الصين وروسيا واليابان.

وبات من الواضح أن الولايات المتحدة بقت محتاجة تتدخل برجالها المدربين على الأرض، بعمليات معينة، من دون ما حد يقدر يمسك عليها أي شيء. وفي اللحظة دي بتنشأ فكرة جديدة، بتوضع قيد التنفيذ تحت اسم "العملية جلاديو Operation Gladio".

والمثير أن "العملية جلاديو" كانت سوفيتية الأصل، ابتكرها السوفيت للمقاومة ضد النازيين وفلولهم.. وبعدين اقتبستها الولايات المتحدة، وبقت عمليا تحت إدارة حلف الناتو، بإشراف المخابرات المركزية والبريطانية.

إيه بقى العملية جلاديو دي؟ باختصار.. فرق مدربة من رجال العمليات الخاصة والمخابرات والمرتزقة.. مستترين تحت اسماء وهويات مدنية.. ينفذوا عمليات إرهابية في دول الكتلة الشرقية، عشان تأليب الشعوب ضد أنظمتها اللي مش عارفة تحميها.

وكان لها هدف آخر.

كان نفس المرتزقة المدربين دول بيهاجموا دول الكتلة الغربية نفسها.

يعني ممكن انجلترا توجه فرقة من فرق الجلاديو، إنها تعمل عملية إرهابية في قلب لندن نفسها، وتسيب خلفها إشارات وأدلة معينة، تشير بأصابع الاتهام للكتلة الشرقية.

وبكده الشعوب الغربية تخاف من المد الشيوعي وتقاومه قدر الإمكان. ودا اللي حصل فعلا واتحولت الدول الشيوعية لبعبع.. العالم بيسعى لإسقاطها بفارغ الصبر.. وبيقف ضدها على طول الخط.. حتى لو كانت ضحية أو مظلومة.

أحد رجال الجلاديو السابقين كشف النقاب عن الفكرة دي في كتاب صدر مؤخرًا، حنحطه مع المراجع في الآخر.. قال فيه نصًا:

"كان علينا مهاجمة مدنيين، لا نستثني النساء ولا الأطفال.. ويجب أن يكونوا ممن لا علاقة لهم بالسياسة. وكان هدفنا هو إثارة هلع الشعوب ودفعها إلى اللجوء لحكوماتها طلبًا للحماية.. في مواجهة مدّ الإرهاب الذي لفقناه للدول اليسارية".

بموجب العملية "جلاديو" بقت بتحصل حوادث كتير شبيهة بـ"حادث نيوزيلاندا" الأخير.

يعني مرتزق الجلاديو ممكن ينفذ عملية في لندن.. ويطلع على الملأ لو اتقبض عليه يتوعد بريطانيا نفسها.. بينما هو أحد رجالها...!

والمثير أن رجل الجلاديو لو اتقبض عليه.. مع تدريبه واحترافيته.. بيفضل الموت عن أنه يعترف أو يديلك معلومة واحدة.. حتى لو ضربته وعذبته ومزقته إربًًا.

شيء أشبه بحصان طروادة.. بس مختلف عنه في انه قد يكون تحت سيطرة المدينة اللي بيغزوها طيلة الوقت وبيتحرك بأمر حكومتها.. ضد شعبها.

من خصائص فرق الجلاديو إنك بتلاقي العميل منهم بيمثل دوره بسذاجة.. هو مقاتل أصلا مش فنان مسرحي.. فبيتصرف زي الشرير في الأفلام العربي القديمة.. نظام.. "هاهاها أيوه انا قاتل شرير.. والموت لتركيا".. حاجات من العبيطة دي.. مابتحصلش من شخص طبيعي أو غير طبيعي.. حتى لو مجرم.. لكن بتأثر على الناس الخائفة المستثارة.. وبتبقى مدخل لهزيمتها في حرب العقول.

لاحظ أن النهاردة أمريكا وانجلترا وشلتهم تركيا وقطر وإلخ.. بيهبلوا في العالم أجمع وبتأييد من شعوبهم.. تحت شعار "الحرب على الإرهاب".. بينما قادة الإرهاب قاعدين في لندن وأنقرة والدوحة!

بتستمر الجلاديو في عملياتها، لحد ما بتتحل وتتوقف في يوليو من العام 1990.. فيما عدا دولة وحيدة، رفضت حلها وقررت الاحتفاظ بها وأبقت على الفرق الخاصة دي ومولتها ودفعتلها رواتب مستمرة، للعمل بها وقت اللزوم.

الدولة دي هي تركيا.

افتكر كده الأخ بتاع نيوزيلاندا دا سافر تركيا ليه عدة مرات.. واربط دا بعمليته اللي مالهاش أي معنى.. وتهديده المزعوم لتركيا.. وقل لي.. شايف أي اختلاف بين العملية دي وعمليات الجلاديو؟

نرجع لموضوعنا، في 17 مارس من العام 1960، لما كادت الحرب الباردة دي تتحول لحرب عالمية ثالثة.. مع كل التوترات اللي قريتها في السطور السابقة، وقشة أخيرة كادت أن تقصم ظهر البعير.. بيوافق عليها الرئيس الأمريكي "أيزنهاور Dwight David Eisenhower".. اسمها "العملية زاباتا Operation Zapata".

والعملية دي نتكلم عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

----------------------------

(المنشورات السابقة أول تعليق مع خريطة لدول حلف الناتو)