أقوى سلاح أنت بتمتلكه ومش حتمتلك زيه طول حياتك ومفيش سلاح أقوى ولا أفضل منه ظهر على وجه الأرض عبر التاريخ.. هو عقلك.
رغم تلك الملحوظة اللي ماظنش حد يحب يجادل فيها؛ وذات صباح.. و تحديدا بين الأعوام 2011 - 2012؛ استيقظنا كلنا على شيء غريب.
رجال الأمن فجأة بقى اسمهم "ميليشيا".. والميليشيا المسلحة اللي مش عارفين طلعت منين اسمهم "جيش".. "جيش حر".. على اعتبار أن دي جمعية خيرية لهواة تربية دود القزّ.. ممكن أي حد يلم شوية ناس ويشكلوها مع بعض.. ونعترف بيها عادي.
واحد بيكسر سجن ويهرّب اللي فيه.. اللي هم طبعًا مش موسيقيين ورواد فضاء وأساتذة فلسفة.. شوية تجار بودرة وسفاحين وخاطفي أطفال ومغتصبين.. واللي بيهربهم دا "بطل" و"بيحب البلد وخايف عليها...!
وبعدين شفنا واحد بيقتحم قسم شرطة ويسرق سلاح ويطلق النار على رجال الأمن ويحرق مدرعة بمن فيها وهو بيهتف "سلمية"..!
سلمية؟ هو في كلام جديد نزل.. وللا تعريفات الكلمات اختلفت فجأة؟
لسه مافقناش من الصدمة، لما علم الدولة المصرية داسته الأقدام واترفع مكانه علم الإخوان وتنظيم القاعدة وصور بن لادن.. وفجأة لقينا إن الديموقراطية هي أن واحد يقل أدبه عليك.. ولو اعترضت يرميك بقنبلة مولوتوف.. وإن الضابط اللي بيدافع عن قسم الشرطة، دا كده بلطجي.. وإن اللي بيحاول يحرق القسم "ثائر سلمي"...
في خلل مش مفهوم.. ازاي عقول الناس دي اخترقت واتخلطت فيها المفاهيم للدرجة دي؟
والحقيقة أن حرب العقول علينا بدأت قبل 2011 بكتير. من يوم ما سمينا كتائب الملا عمر الإرهابية وهي بتدمر أفغانستان بـ"المجاهدين".
من يوم ما سمحنا إن الجاسوس البريطاني (حسن البنا) يبقى اسمه (الإمام الشهيد حسن البنا).. والمختل عقليًا (سيد قطب) ينتزع لقب "الشهيد الحي" من الصحابي طلحة بن عبيد الله.
ويوم ما سمحنا لـ"كشك" يقل أدبه على أم كلثوم. ويوم ما اكتشفنا أن لبسنا حرام وموسيقانا حرام.. وكأن الإسلام نزل فجأة في الثمانينات.
سمحنا بحاجات كتير.. بس اسوأها كان في 2007.. لما برزت السوشيال ميديا على الساحة.. وأهملناها تمامًا.. وتسيدها الإرهابيين وفصائلهم ومؤيديهم.
ولأن وقود أي ثورة.. هو الشباب.. فالسوشيال ميديا كانت هي أهم منصة تقدر منها تشن عليهم حرب العقول.
بدأ اللعب في العقول رويدًا رويدًا.. بالراحة وبهدوء.. من أول منشورات النسر اللي بيوصل لسن السبعين "فيتخذ قرارا صعبًا فيحطم منقاره ويتنف ريشه" مرورًا بمنشورات "ريا وسكينة مكانوش قتلة.. دول أبطال".. وانتهاء بمنشورات: "إذا أمطرت السماء حرية فتح العبيد المظلات".
بكل دا مهما بلغت تفاهته.. اتعلمنا نتلقى بس.. مانطلبش دليل.. بس بنتلقى سم في هيئة بوست إنساني ومعلومة أنيقة.. تخلينا منسألش عن مصدر للمعلومة.. شككنا في كل مفاهيمنا الراسخة.. شككنا في فطرتنا نفسها.
باختصار.. بدأ مشروع تحويل المتلقي من بني آدم إلى مجرد حمار.
وبدأ الخصم ينفذ خطته العسكرية.. أيوه "العسكرية".. الشطارة النهاردة مش في إنك تحارب بقوات جيشك.. إطلاقًا.
الشطارة أنك متحاربش أساسًا.
من بعيد.. تحول خصمك لمتخلف متناقض جاهل فاقد للعقل.. وتعمل فنجان قهوة وتشعل سيجار فاخر، وتستمتع بمشاهدته وهو بيدمر نفسه بنفسه.
وفجأة خرجت على السوشيال ميديا حسابات مجهولة.. شخص لا له اسم مفهوم ولا صورة.. "الثائر الحق".. "ثائر ولكن".. وحاطط صورة جيفارا.. ويقعد يناقشك في خزعبلات عن "الثورة الفرنسية اللي نجحت" وعن اضطهاد الإخوان وظلم الحكومات لهم.. وعن الحاكم اللي بيضطهد الإسلام.
شخص مش عارف اسمه ولا شايف له صورة.. تضمن أنه مش حساب من دولة معادية؟ طبعًا لا. بس العقول ضعفت.. واستسلمت.
وفجأة راحوا عاملين لنا فعالية جديدة.. "كلنا خالد سعيد".. باعتبار أنه شاب بريء لقى مصرعه في قسم شرطة.. ولما تسأل "اشمعنى خالد سعيد بالذات" محدش يرد عليك.. مش طبقًا لكلامك في عندك آلاف المظلومين اللي زيه؟ اشمعنى اخترته هو؟
مفيش رد.. عشان في الحقيقة مفيش رد غير أن "ساعة الصفر حانت".. ولازم نمسك في حد.. أي حد نعمله محارب للظلم ونحوله لرمز.
بعدما فكك الرموز في أعماقنا بالتدريج.. وبقى عبد الناصر حرامي.. وأم كلثوم شاذة.. والسادات جاسوس، وإلخ.. قدم لك هو رمز جديد. والرمز مكانش المرحوم "خالد سعيد" نفسه.. كان صاحب الفعالية.. اللي أطلق الصرخة ضد الظلم في عيون الناس.. مدير مكتب جوجل في الشرق الأوسط.. الأخ "وائل" .
طبعا أنت خلاص.. كنت مستعد تقبل الرمز والبطل دا أيًا كان هو مين.. لو جابولك عربجي حنطور، حطوه مكان "وائل غنيم" ولعب نفس دوره.. كنت حتطالب به رئيس جمهورية.. صدقني.
من طبيعة البشر أنها بتبحث دايما عن رمز وأيقونة ومنقذ ومخلص.. لاحظ دا حتى في العقائد.. أهل السنة مستنيين (المهدي).. والشيعة مستنيين الإمام اللي مختفي في سرداب.. والمسيحيين والمسلمين معًا مستنيين عودة المسيح.. والهندوس مستنيين ظهور "شيفا".. وكل فئة منتظرة ساعة قدوم بطلها، وبترجو ظهور مخلصها.
في وقت تملك فيه الفقر والضعف والشقاء من الناس.. وتشككت في كل شيء واختلطت مفاهيمها.. حيقبلوا أي بطل.
لما بتضعف الأنفس لأي سبب.. بتنهار أسوار عقولها.. وتبقى مستعدة تصدق أي شيء.. أي شيء يبان فيه بصيص أمل. افتكر في أسوأ لحظات توترك وأنت بتقرا باب "الأبراج" في الجرنال.. وبتفرح جدا لو لقيت حاجة تثير تفاؤلك.. وافتكر لما بتمر بأي أزمة إزاي بتتصور إن كل حلم هو "رؤيا" بقرب الفرج.
لاحظ دايمًا إن معظم اللي بيقرا الفنجان ويخلي حد يشوف له الكف ويفتح له الكوتشينة بيبقي غالباً في أزمة.. لأنه لما بتضعف النفوس بتنهار أسوار عقولها وتستلم لأي خزعبلات. وبدل ما صاحب الأزمة يبحث عن حلول ومخرج لأزمته.. بيضيع الوقت ويدمر نفسه حرفيًا.
لاحظ الطالب الفاشل اللي مذاكرش وساب ورقة الإجابة فاضية.. لما بيتدروش ويقعد يصلي ويدعي أن ربنا ينجحه.. مع إن اللي بيعمله دا عمليًا خزعبلات.. ضد قوانين الله وسننه في أرضه من الأساس.. بس هو في حالة ضعف ورعب.. ففقد التمييز بين الخطأ والصواب.
افتكر في الحلقة اللي فاتت.. إزاي "فاسيلي زايتسف" بخمس رصاصات.. اتحول لبطل للاتحاد السوفيتي.. اللي شعبه كان خايف مرعوب من النازيين.
وبينما الدولة بتحاول تسيطر على الأوضاع.. وتهدي الشارع اللي بيغلي تحت نير حكم فاشل تالف فاسد منتهي الصلاحية.. وشعب اتهزم في حرب العقول وامتلأت رأسه بمفاهيم مغلوطة لعبت على أوتار غضبه المشتعل.. وبينما الدولة بتسعى في محاولة مخاطبة الناس عبر الإعلام.. مكانش حد بقى بيشوفه خلاص.
في سلاح جديد "قاتل" نزل على الساحة.. والدولة ماتعرفش عنه أي شيء.. اسمه "مواقع التواصل".
بيتم الحشد عبر السوشيال ميديا، وبينزل الناس الشوارع بناء على دعوة "البطل" المزعوم...
آلاف الناس اللي فعلا حاسة بالظلم والقهر.. بتنزل الميدان.. وسط آلاف الشباب اللي اتغسلت أمخاخهم.. وبقى متصور أن دخل قناة السويس لو اتوزع على الشعب لمدة سنة يحول كل مواطن لملياردير.. مع قادة المشهد اللي استغلوا الظلم الواقع على كل دول.. ونزلوا بأجندتهم الخاصة.
وكان للإخوان بطل مختلف وأيقونة خاصة مأعلنوش عنها.. والسلفيين زيهم.. بس بيقرروا يستغلوا الحشد (إلى حين).
بيقف قادة الإخوان - ظاهريًا - على الحياد شوية.. وبيعلنوا انهم ضد النزول والتظاهر.. بينما في الحقيقة هم كانوا أدوا الأمر لشباب الجماعة بالنزول فعليا من أول لحظة.. مع تعليمات بالتصعيد.. لكن حافظوا علي "شعرة معاوية" مع نظام (مبارك) عشان يتجنبوا العقاب، لو حصل انه انتصر وسيطر على الشارع.
والغريب أن دا كاد أنه يحدث بالفعل.
بدأت الناس تتأثر بالخطاب العاطفي اللي القاه مبارك.. مع حزمة القرارات اللي اتخذها.. من إقالة (نظيف) وحكومته.. وتعيين نائب.. ووقف جلسات مجلس الشعب والشورى لحين الفصل في الطعون.. ووعود بحزمة من الإصلاحات الناس تحس بآثارها خلال ست شهور.
وكادت الناس أنها ترجع والميادين تخلو بالفعل.. لكن بتحصل واقعة ما، هي اللي بتأكد لي لحظتها إن دي مش ثورة عفوية أبدًا.. بالرغم من كم الناس الوطنية العادية، اللي شاركت فيها بحسن نية.
لأ.. دا مدير المشهد مش هم الناس العفوية المظلومة اللي نزلت بقى! المشهد دا بيديره كيان خفي.. فاهم كويس أوي هو بيعمل إيه.. ودارس تاريخ وشاطر في علم النفس.
وبناء على خبراته، وعشان ينقذ خطته.. بيقتبس مدير المشهد دا، واقعة حصلت في روسيا سنة 1917، أثناء الثورة البلشفية.. وبينفذها بالكربون في ميدان التحرير.
والواقعة دي نتكلم عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
----------------
منشورات سابقة:
----------------
1 - http://bit.ly/2tPfbS9
2 - rebrand.ly/37eb4
3 - https://bit.ly/2Caxcie
4 - http://bit.ly/2SWHWX0
5 - http://bit.ly/2TzjHmZ
6 - http://bit.ly/2CmhzV8
7 - http://bit.ly/2UCzTAr
8 - http://bit.ly/2FcuOZc
9 - http://bit.ly/2ugwtrf
10 - http://bit.ly/2W5ykv1