لسه مع الحركة الوهابية وبدايتها واللي وصلت بينا إلي دولة "محمد علي"... غضب وغيظ الدولة العثمانية من "محمد علي"، بعدما أقرت توليه حكم مصر في سنة 1805 غصب عنها.. خلاها تحط خطة وتضمر له شر.. وتحاول عزله في أقرب فرصة بأي ثمن.
في نفس الوقت كان أمير المماليك الموالي للإنجليز "محمد بك الألفي" قرر يهاجم القاهرة، بإيعاز من بريطانيا.. للسيطرة عليها من جديد، وعزلها عن الدولة العثمانية، مقابل امتيازات خاصة يمنحها للانجليز.. وهم يثبتوه في حكم مصر ويحموه بالتالي.
ومن قلب الصعيد بدأ "محمد بك الألفي" يرسل جواسيسه للقاهرة، لمحاولة استمالة رؤساء العساكر وقادة الجند، لخيانة "محمد علي" وفتح بوابات القاهرة، دون ان يعلم هذا الأخير.
ووافق قادة الجند ورؤساء العساكر بالجيش المصري على فتح البوابات لـ"محمد بك الألفي" التابع للإنجليز.. والسماح له بالسيطرة على القاهرة.
وفي أغسطس من العام 1805، في يوم "عيد وفاء النيل"، بيتوجه "محمد بك الألفي" بجيش المماليك إلى القاهرة، التي بدت غافلة غافية.. مش عارفة اللي منتظرها.. مفتوحة الأبواب بلا حرس أو جنود.
وبيدخل "محمد بك الألفي" إلى القاهرة وهو بيمني نفسه بالحكم والسلطة.. ولكن أحلامه بتتبدد، لما بتنقض عليه وعلى رجاله القوات المصرية بغتة بالتعاون مع فرقة "محمد علي" الألبانية، وبيتضح إن قادة الجيش ورؤساء العساكر، أبلغوا "محمد علي" بما حدث مع "الألفي".. واتفقوا مع "محمد علي" على مجاراته في خطته واستدراجه، والقضاء عليه.
ووسط كمين محكم، ومعركة مباغتة غير متكافئة.. بتنسحق قوات المماليك تحت ضربات الجيش المصري.. فبيضطر "محمد بك الألفي" للانسحاب بعدما خسر معظم قواته.. لكن "محمد علي" بيقرر يواصل الهجوم.. وبيستغل الفرصة، فبيطهر منهم الجيزة، وبينسحبوا إلي قلب الصعيد.
وهنا بيحصل شيء غريب.
بدل الدولة العثمانية ما تكافيء "محمد علي"، بتصدر فرمان بعزله عن حكم مصر.. وتوليته حكم ولاية "سالونيك Thessaloniki" اليونانية.
بيتلكأ "محمد علي" في تنفيذ القرار.. وبيلجأ للمشايخ والأشراف.. فبيرفعوا عريضة بقيادة السيّد "عمر مكرم" - نقيب الأشراف - للسلطان بأنهم عايزين "محمد علي".. ودا حيساعد على الاستقرار ودحر المماليك.
بيوافق السلطان على مضض.. بشرط أن "محمد علي" يؤدي له 4000 كيس سنويا كجزية.. ويبعت ابنه ابراهيم للآستانة رهن.. لحد ما يسددوا الدفعة الأولى.
وبيصدر فرمان جديد بتثبيت "محمد علي" على حكم مصر، سنة 1806.
لكن في الأثناء دي "محمد بك الألفي" بيدور دورة واسعة.. ويتسلل للشمال ويبدأ خطة للسيطرة على مدينة دمنهور.. اللي أهلها دافعوا عنها في استماتة.. فمعرفش يدخلها واضطر يحاصرها.
بيوصل الخبر "لمحمد علي" فبيبعت له فرقة من الجيش، بتلتقي بالمماليك في الرحمانية في أواخر شهر يوليو من العام نفسه، 1806.. وللمرة التانية بيتهزم "الألفي" وينسحب إلى منوف.
وبمجرد عودة فرقة الجيش إلى القاهرة.. بيرجع "الألفي" يحاصر دمنهور!
هنا بيدرك "محمد علي" أن استراتيجية حرب العصابات والكر والفر دي حتنهكه جدًا.. وخصوصًا انه معندوش جيش.. مكانش في "جيش مصري" تقريبًا.. كان مفكك منهار.. عنده بس "بقايا جيش".. لسه بيحاول يبنيه.. فبيسيب حامية تحمي دمنهور وبيسيب "الألفي" محاصرها ومش عارف يدخلها.
الاستراتيجية دي اتنفذت كتير عبر التاريخ.. نفذها الرومان مع "هانيبال القرطاجي".. ونفذها أهل النوبة مع "قمبيز".. وروسيا ضد "نابوليون".. عايز تحاصر المدينة؟ اتفضل خليك قاعد انت وعساكرك في الطل.. الشمس تشويكم بالنهار والتلج يجمدكم بالليل.. وأحنا نايمين في الدفء.. عندنا جوا أراضينا أكلنا ومياهنا ومواردنا.. وأنت مؤنك بتقل وجنودك بتمرض وبتتعب من النوم في الخلاء.
وفي كل مرة اتطبقت الاستراتيجية دي.. نجحت...
بالفعل بيبدأ جنود "الألفي" يتذمروا ويتمردوا.. فبيضطر يفك الحصار مرغمًا وينسحب للصعيد.. وأثناء عودته.. بتوصله أخبار بوفاة أمير المماليك الآخر وحليفه "عثمان بك البرديسي"، ومع طول الحصار ومشقته وطول الرحلة بعده والأخبار المهببة اللي نازلة ترف على دماغه، بيتوفى "الألفي بك" نفسه.. وبيبلغ الخبرين "محمد علي".
بيلاقي "محمد علي" أنها فرصة ذهبية للقضاء على المماليك، فبينطلق من القاهرة على رأس جيش.. وبيبدأ يحرر المدن في طريقه من المماليك لحد ما بيشتبك معاهم في أسيوط ويحررها هي الأخرى.
وكانت إنجلترا لسه مبلغهاش خبر موت "الألفي" ولا "البرديسي".. هي بس بلغها أخبار المعارك.. ولقت حلفائها المماليك بينهاروا، فبتقرر تهرع لنجدتهم.. وفي مطلع العام 1807 بتحرك أسطولها صوب مصر، بقيادة رجل عسكري بارع للغاية، سبق له وشارك في حملة "رأس رجاء الصالح" وحاصر "جبل طارق".
الراجل ده هو الجنرال "ألكسندر ماكنزي فريزر Alexander Mackenzie Fraser".. اللي بيجرد أسطول هائل، وينطلق للإسكندرية بغية الاحتلال، فيما يعرف في التاريخ البريطاني باسم "حملة الإسكندرية 1807 - The Alexandria expedition of 1807".. اللي في تاريخنا مدونة باسم "حملة فريزر Fraser expedition".
بيوصل الخبر لأهل الإسكندرية، فبيبدأوا يتسلحوا للمقاومة، في انتظار الإنجليز.. ومحافظ الأسكندرية العثماني "أمين آغا" بيعمل لهم مكان يخزنوا فيه أسلحتهم.. لحين ما يوصل الإنجليز وتبدأ ساعة الهجوم.
وبتوصل السفن الإنجليزية لشاطيء العجمي في 17 مارس سنة 1807.. وكان بانتظارهم المحافظ التركي "آمين آغا".. اللي بيأمر حامية الأسكندرية العثمانية بوضع أسلحتها.. وبيحتفي بالانجليز ويسلمهم المدينة ويدلهم على مخازن السلاح والذخيرة الخاصة برجال المقاومة!
وبتسقط الإسكندرية دون مقاومة.. ودون أن تجد وقت تبتلع فيه الخيانة وتجنح للقتال.
وبعد أيام.. بحلول 21 مارس، كانت انجلترا حطت ايديها على الإسكندرية بالكامل.. ودي كانت ضربة قوية لـ"محمد علي".. اللي أصبح محاصر من الشمال بالإنجليز وفي الجنوب من المماليك.
وهنا بيقرر "محمد علي" يحط خطة جديدة.. للخروج من بين المطرقة والسندان.
والخطة دي نتكلم عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية..
----------------
منشورات سابقة.
---------------
1 - http://bit.ly/30anGpF
2 - http://bit.ly/2Q7e6zv
3 - http://bit.ly/2VVkcrX
4 - http://bit.ly/2WdncAb