الكلام صحيح.. لكن دي مش صورة "عمرو طلبة" أو "موشى زكي رافي" أو العميل ١٠٠١.
الحقيقة ان دي صورة رجل من رجال المقاومة الفلسطينية المتعاونين مع مصر وقتها .
اسمه "علي حسن سلامة".. وصورته استخدمها بهيم ما على يوتيوب باعتباره "عمرو طلبة" ولخبط الناس.
ولكن "علي" نفسه.. له قصص حافلة ضد إسرائيل.
ففي ٧ يناير سنة ١٩٧٢، رن جرس التليفون الأرضي في منزل السيد "محمود الهمشري".. رجل المقاومة الفلسطينية في باريس.
ومكانش يعرف ان المكالمة دي.. ثمنها غالي جدا.
ثمنها حياته نفسها.
"محمود" كان صاحي بالفعل وتناول قهوته.. وعلى وشك النزول.. لأن وراه اعمال هامة للغاية.. بما انه أول سفير.. لمنظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا.
لكن اللي خلاه يرجع من عند باب منزله ويقرر الرد على التليفون.. هو اللي حصل في الليلة السابقة.
في الليلة دي.. اتصل به صحفي إيطالي.. وكلمه في حماس عن أنه مؤمن بأحقية الفلسطينيين في أراضيهم.. وعايز يعمل معاه مقابلة صحفية خاصة.
ولأن "محمود الهمشري" رغم كونه دبلوماسي لكنه كان رجل مقاومة عتيد.. وحريص للغاية.. فطلب ان يكون اللقاء في مقر منظمة التحرير الفلسطينية.. في قلب باريس.
ووافق الصحفي.. واتفقوا على الساعة السابعة مساء.
وراح "محمود" للمقر وانتظر الصحفي.
انتظره طويلا.
لكن الصحفي ماظهرش أبدا.
ولا حتى اتصل يعتذر.
ورجع "محمود" لمنزله في حيرة حقيقية.. وهو بيسأل نفسه.. ليه الصحفي المجهول دا عمل كده
وبينسى الأمر برمته.. وبينام في هدوء.. وبيصحى ويتناول إفطار سريع مرتجل.. ويشرب قهوته.. ويتوجه للباب.
وبيرن جرس الهاتف.
وبيقرر "محمود" يرد زي ما قلنا.. وبيتوجه للتليفون.. وبتمتد يده للسماعة.
وساعتها بيلاحظ بغتة ان خشب الارضية تحت ترابيزة التليفون مطلي بطلاء حديث.. بنفس لون الارضية لدرجة انه كان ممكن ميبانش ابدا.. لولا ضوء الشمس اللي تسلل من شباك قريب.
وان سلك الهاتف مش واصل للحيطة.. زي المعتاد.
دا نازل لتحت خشب الارضية...!!
وبتقفز الحقيقة إلى عقله بغتة.
لقاء الصحفي المزعوم دا مكانش الا كذبة كبيرة.
وسيلة لضمان انه يبتعد عن بيته لوقت كافي.
وقت يكفي لتسلل خبراء.. يقوموا بمهمة محددة.. أثناء غيابه.
وبيفهم "محمود" الأمر كله.
لكن عقله كان أصدر الأمر بالفعل لقبضته وعضلات ذراعه.. ووصل لنقطة اللاعودة.. وسرت في جسده قشعريرة باردة مخيفة.. وهو بيرفع سماعة الهاتف.
ودوى الانفجار.
وأطلق جهاز الموساد ضحكة ساخرة.
واتشطب على اسم "محمود الهمشري" في أحد ملفات الموساد.
ملف بيحمل اسم عملية خاصة للغاية.
عملية غضب الله.
والعجيب ان العملية دي بدأت في البداية من اجل رجل واحد.
رجل اسمه " علي حسن سلامة".. اللي في الصورة دا.
رجل مقاومة حقيقي.. أبا عن جد.. مش من أرباب الفضائيات والفنادق.. مقاوم من أهل فلسطين.. والده كان أحد القادة اللي حملوا السلاح.. وتقدموا الصفوف وأصيبوا.. في حرب ١٩٤٨.
بعدما خلص دراسته الثانوية انتقل للقاهرة والدراسة.. ودرس التجارة بالفعل.. وبسبب أيديولوجيته.. لفت نظر المخابرات المصرية.. كعنصر مقاومة ممتاز.
وبدأت المخابرات المصرية تدريبه.. بمباركة المقاومة الفلسطينية.
خد بالك العصر دا كانت المقاومة مقاومة بجد.. لا مأجورة ولا ممحونة.. وعارفين صديقهم من عدوهم.
وبيتدرب "علي" في القاهرة. ومنها بينطلق لفلسطين وينقل خبراته لشباب المقاومة هناك ويرجع القاهرة مرة تانية.. وهكذا.
دا خلا له شعبية هائلة وسط شباب فلسطين.. ورجال المقاومة.. وكان وطني.. ووقف في صف مصر وقاتل في سيناء على الأرض وقت العدوان الثلاثي.
خد بالك كمان مرة.
وقتها مكانش انتشر معاتيه العصر ولا نخب الدواب اللي بتشوفهم النهاردة.. وكانت المقاومة شرف والخيانة جريمة.. والجاسوس بيتعدم.. مابيدخلش البرلمان ولا المجلس القومي للمرأة.. ومكانش الارهابي "أصل بقى كويس وابننا" ولا في مسؤولين بهايم بتاخد القرارات دي.
كان الصح صح والخطأ خطأ.
والحقيقة... لها وجه واحد.
والخير بين. والشر بين.
أيام الرجالة اللي بجد.
رجال البحرية "جول جمال" و"نخلة سكاف" السوريين.. رفضوا امر القيادة السورية وأمر الرئيس "جمال عبد الناصر" بالانسحاب.
وماتوا دفاعا عن مصر.. في قلب المياه الإقليمية المصرية.. وقت العدوان الثلاثي.
والمذيع السوري "عبد الهادي بكار" لما اتضربت أبراج البث المصرية هتف في إذاعة سوريا: من دمشق.. هنا القاهرة.
المهم ان "علي حسن" خلص تدريبه في القاهرة.. واطلقته القاهرة لموسكو.. وهناك كمل تدريب.
وبيرجع " علي" إلى القاهرة ومنها للبنان.. وبينقل خبراته لرجال المقاومة هناك.. ومنها للأردن.. وبيعمل الشيء نفسه.
وبيتجوز "علي" من عائلة المفتي الأردنية.. ودي عيلة أردنية شريفة.. معروفة بوطنيتها وشرف رجالها.. ولكن للأسف خرجت منها الجاسوسة "أمينة المفتي" اللي اهدروا دمها.. وحكينا عنها هنا من قبل.
وفي الأردن بيحصل شيء غريب لمنظمة التحرير.
بسبب هجمات المقاومة الفلسطينية من الأردن على اسرائيل طوال الوقت.. بتهاجم إسرائيل الأردن.. فهاجم الملك "حسين" المنظمة.. وبدأ في التضييق عليها.. فبتثور عليه.. ويمرق افرادها.. ويتعاملوا كدولة داخل الدولة... وحملوا السلاح ضد الاردنيين.
وبينزل يواجهها الجيش الأردني.
وبتشتعل حرب أهلية.. تفاصيلها تستحق مقال مستقل.. تحت اسم "أحداث أيلول الأسود".
وبتتدخل القاهرة وبيروت لتهدئة الأوضاع... لكن "علي" كان تحول لعنصر مارق Rogue. ماشي بدماغه خلاص.
لازال مقاوم.. لازال شريف.. بيحارب إسرائيل وبس.. لكن مبقالوش كبير وبدأ يتصرف لوحده بلا تنسيق.
وبالتالي.. بدأ يغلط.
ودا الخطأ اللي حيجر سلسلة من الأحداث.. ويبدأ مرحلة النهاية.
المهم.. بتنتهي الأحداث دي بانتصار الأردن وانسحاب المنظمة من هناك.. وتمركزها في لبنان.
لكن بسبب الاحداث دي بيبدأ "علي" ورجال المقاومة منظمة جديدة.. سموها منظمة أيلول الأسود.. لأنها اتشكلت على إثر أحداث شهر أيلول أو سبتمبر سنة ١٩٧٠.
وبيقرروا ان المنظمة دي تقدر تقوم بعمليات.. دون ما إسرائيل تلقي باللوم على منظمة التحرير.. وقائدها الراحل "ياسر عرفات".
وبيبدأ " علي" السفر لأوروبا.. وتتبع عناصر الموساد فيها.. وبيبعت لهم طرود مفخخة في هولندا وبلغاريا والمجر وانجلترا وفرنسا.
وبتنجح عملياته نجاح مبهر.
وبيجن جنون الموساد.
وبيحاول يتخلص من "علي".. بلا جدوى.
وبيخطط "علي" لعملية كبيرة.. وبيلتقي في بلغاريا بالمقاومين "فخري العمري" و"صلاح مصباح" و"سعيد السبع".. وبيخططوا لعملية كبرى.. عام ١٩٧٢.
عملية حيعرفها العالم باسم "عملية ميونخ".
بيقرروا يحتجزوا ١١ لاعب إسرائيلي في دورة الألعاب الأوليمبية في ميونخ.. ويطلبوا مقابل الافراج عنهم.. الافراج عن ما يقرب من ٢٤٠ أسير مصري وعربي وفلسطيني ولبناني.. في سجون إسرائيل.. و..
وياباني واحد.
"كوزو أوكاموتو".
العصر دا كان حافل بالأحداث فعلا. يمكن أكتر من دلوقتي.
و"كوزو أوكاموتو" دا رجل ياباني.. وأحد اعضاء الجيش الأحمر الياباني.. والجيش دا كان على علاقة وطيدة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.. ومؤمنين بالقضية.. وضد وجود إسرائيل.
ودول اشتركوا مع المقاومة في "عملية مطار اللد".
ودا هجوم نفذه ثلاثة أعضاء من الجيش الأحمر الياباني بالتعاون مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في مايو.. ١٩٧٢.. وهاجموا مطار اللد (مطار بن جوريون الدولي حالياً) بالقرب من تل أبيب.. وقتلوا ٢٧ إسرائيلي.. وأصابوا ٧٩ آخرين.
واتلقب "كوزو أوكاموتو" من رجال المقاومة بلقب "أحمد الياباني" واتقبض عليه في هجوم المطار.
ودلوقتي بيطلبوا تحريره.. مع عملية ميونخ.
وبيرفض "علي" العملية في شدة.
كان شريف زي ما قلنا ورفض يهاجم رياضيين مدنيين.. حتى لو كانوا إسرائيليين.
ولكن "فخري العمري" قدم له ما يفيد انهم كلهم جنود.. في الجيش الإسرائيلي.. وبعضهم في الخدمة وآخرين على قوة الاحتياط.. ودا كان صحيح.
وبيوافق "علي" على العملية.. وبيشتغل فيها بايده.. وبيلبس رجال المقاومة لبس رياضيين.. ويتسللوا للفندق..
وبينجحوا وياخدوا الإسرائيليين رهاين.
وبيحاصر البوليس الألماني الفندق.
وبيجن جنون "جولدامائير" مع الموقف.. وبتعلن في الكنيست انها مش حترضخ لطلبات المقاومة.. وانها قررت تصفي الرياضيين.
الرياضيين الإسرائيليين!
الموقف دا حيسبب فضيحة لإسرائيل لاحقا.. لكن "علي" ورجال المقاومة.. بينفذوا خدعة مبتكرة.. وبيبدلوا ملايسهم واقنعة رؤوسهم السوداء.. مع الرياضيين.. وبيدفعوهم دفعا.. امام مناظير القناصة الألمان...
وراح القناصة الألمان يقتنصوا الرهائن واحدا تلو الاخر دون ان يدروا.. واقتنصوا معاهم شرطي ألماني.
وقدروا يقتلوا بعض رجال المقاومة.
لكن البقية هربوا.
وبتقرر "جولدامائير" في غضب تطلق العملية اللي بدأت بيها حكايتنا.
"عملية غضب الله".
عملية بتسعى لاغتيال رجال منظمة التحرير.. وعلى رأسهم "علي حسن سلامة".
وبنرجع لأول مشهد بدأنا به قصتنا.
الموساد.. بينجح نجاح مبهر.. في خداع "محمود الهمشري".. وأبعدوه عن منزله.
ثم نجحوا في دخول منزل "محمود الهمشري".. وفخخوا تليفونه.. وبيفهم دا في اللحظة الأخيرة و...
وبتدوي سرينة سيارات الشرطة والاسعاف في فرنسا.. وهي بتحمل جسد "الهمشري".. الجريح الممزق للمستشفى.
للأسف نجح الموساد في العملية وكان نجاحه ساحق.. وقضى "الهمشري" في المستشفى سنة كاملة بين الغيبوبة واليقظة حتى وفاته.. في يناير ١٩٧٣.
وبينطلق الموساد لاغتيال "سعيد السبع" في طرابلس.. لكن "سعيد" بيتشكك في جاره الألماني.. وبيراقبه في حذر واهتمام.. لحد ما بيدرك انه عميل للموساد.. وبيبلغ السلطات اللبنانية.
وبيتحرك على إثر ذلك رجل مكتب مكافحة التجسس، بالمخابرات اللبنانية، المقدم "عصام أبو زكي".. وبينقض على عميل الموساد في كمين ويسقطه.. ويقبض على شبكته كلها.
ولكن الموساد ما بيهتمش.. وبيواصل مطاردة "علي" في إصرار.
وبينتقل " علي" لأوروبا.. وبينطلق خلفه الموساد...
وهناك.. بيضللهم "علي" المدرب جيدا.
وبيفقدوا كل أثر له.
ولكن بغتة بتجيلهم معلومات عن وجوده في النرويج.. وبيسافروا وينتبعوه ويطلقوا عليه النار.
وبيسقط هدفهم صريعا.
لكنهم بيدركوا في هلع.. انهم قتلوا رجل آخر بريء من المغرب.. اسمه "أحمد بوشيخي".. كتبنا عنه هنا من قبل. لا له علاقة بالمخابرات ولا المقاومة.
وبيواصل " علي" نشاطه.. وبيغتال بعض ضباط الموساد في أوروبا.. من بينهم "تسادوك اوفير ".. ضابط الموساد وملحق السفارة الإسرائيلية في بروكسل.. برصاصة مباشرة.. من مدى قريب.
وبيكشف الكثير من عملاء الموساد للسلطات في العالم العربي.. ولبنان تحديدا.
وبيرد الموساد بدوره باغتيال رجال المقاومة.. واحدا تلو الآخر.
عدا "علي".
" علي" بيفر منهم في كل مرة.. ويفلت
وبيبدأ الموساد في حنق وحدة.. يشير لاصابع الاتهام في معاونة "علي" للمخابرات المصرية واللبنانية.
ودا كان على الارجح صحيح.. لكن مصر ولبنان التزموا الصمت في برود.. وتجاهلوا الاتهامات الإسرائيلية تماما.
وبيستعين الموساد بالمخابرات البريطانية.
وبيدرس الانجليز ملف "علي" جيدا.
وبيكتشفوا ثغرة.
خطيرة.
ان "علي" كان مولع بالنساء.. وضعيف امامهن.. ودي سقطة خطيرة.. دفعته للزواج من "جورجينا رزق" ملكة جمال لبنان والكون.. في ذلك الوقت.
زواجه من "جورجينا" مكانش هو السقطة.. لكن انبهاره بها.. جعل حياته روتينية إلى حد ما.. وأفقده حذره.. وبقى خط سيره واضح رتيب متكرر.
وأجرت عميلة المخابرات الإنجليزية "إريكا تشامبرز " شقة في بناية مقابلة لشقته في بيروت.. وعبر منظار مقرب.. حفظت تحركاته عن ظهر قلب.
وفي ٢٢ يناير.. سنة ١٩٧٩.. بينزل "علي" يركب سيارته.. و"إريكا" في النافذة بتبتسم.. ثم بترفع يدها بجهاز تحكم.. وتضغط زر خاص.. بتنفجر على إثره سيارة "علي".. انفجار هائل مروع.. قتل لفوره خمسة من المارة واصاب ١٨ شخص.. وحول السيارة الى شظايا. واحرق جسد "علي".. ومزقه إربا.
والعجيب انه مماتش.
فضل يقاوم كعادته حال حياته لساعة ونصف.. قبلما يموت في مستشفى ببيروت.. بعدها بساعة ونصف.. في تمام الرابعة والنصف عصرا.
وبيندفن بمقابر الشهداء.
لحد النهاردة الموساد بيمقت اسم "علي حسن سلامة" بجنون.
حتى انهم مابيذكروهوش باسمه.
بيذكروه بلقب خاص.. بيشير اليه في ملفاتهم.. مش كمقاوم طبعا.. بل كسفاح من وجهة نظرهم.. آذاهم كثيرا.
لقب "الأمير الأحمر".
#awareness_against_terrorism #awareness