دلوقتي الجاسوس دا بيحلق بطائرة مقاتلة من طراز "ميج ٢١".. وبيعبر المجال الجوي العراقي.. وبينطلق بسرعة، نحو المجال الجوي السوري.
وبعدين بيعتدل بغتة وينحرف بالمقاتلة.. ويخترق المجال الجوي الأردني.. وبيحاول يعبره بسرعة كبيرة نحو هدفه.
إسرائيل.
ولو نجح ووصل لهناك.. بالسر اللي بيحمله.. مصر وسوريا يخسروا الحرب.. وإسرائيل تحتل أراضيهم.
وبيسمع بغتة عبر اللاسلكي، صوت صارم بيأمره بالهبوط فورا.. وإلا تم إسقاطه.
وعن يمينه ويساره ومن خلفه، بيحلق ثلاثة من المقاتلات الاعتراضية، من طراز "هنتر".
مقاتلات سلاح الجو الأردني.
وبيرتفع الطيار بغتة بطائرته، وبتلوح الحدود الاردنية الإسرائيلية في الافق، وبيندفع خلفه قائد التشكيل الأردني، واصبعه بيقفز نحو زر اطلاق الصواريخ.
ولكن المعركة الجوية دي.. كان لها بداية.
الجاسوس هو "منير جميل حبيب روفا" نقيب طيار، في سلاح الجو العراقي.
من أصول تركية، جده هاجر من جنوب شرق تركيا تحديدا.. وكانت أسرته من الأسر النازحة اللي ضمها العراق كلاجئين، بعد الحرب العالمية الأولى.
القصة بتبدأ في قمة الحرب الباردة، بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، ومحاولة كل منهما التفوق على الآخر في التحالفات والاستخبارات والتسليح.
وبيبدأ الموساد في مشاركة المخابرات الأمريكية في السباق دا، وبينفذوا عمليات اغتيال واسقاط أنظمة مشتركة، في معظم انحاء العالم...
العمليات دي شملت تغيير الانظمة واسقاط حكومات في جواتيمالا والكونغو وقبرص وأندونيسيا وإيران، وتصفية رؤساء الدول والشخصيات المعارضة للسياسة الأميركية في بلاد كتير.. زي اغتيال رئيس الدومينيكان والرئيس الفيتنامي وحتى الرئيس الأمريكي "جون كينيدي" نفسه.
وفي الآن نفسه، في المعسكر الآخر، كانت مصر وسوريا والعراق بيتتموا صفقة في غاية الاهمية.
صفقة مع الاتحاد السوفيتي، لتزويدهم بطائرات "ميج ٢١".
والطيارة دي كانت من درر التقنية الجوية وقتها.
خفيفة وأسرع من الصوت، ودروعها قوية في الوقت نفسه.
والتقنيات اللي فيها كانت متطورة جدا.. وحتى أبعادها وقياساتها كانت غريبة ومفهمهاش المهندسين والخبراء الامريكيين.
وقرروا ان لو الدول العربية اتسلحت بالميج ٢١.. فدا يمنحها اليد العليا في السماء.. والتفوق الجوي على إسرائيل.
لكن الصفقة بتتم بالفعل، سنة ١٩٦١...
وبتدخل "ميج ٢١" الخدمة في مصر والعراق وسوريا.. رسميا.
وكان شرط السوفيت ان مفيش اي خبير اجنبي يقرب من الطيارة.. عشان متتسربش التكنولوجيا.
وأن الصيانة عند الضرورة ينفذها خبراء سوفيت.. مرسلين من قبل المخابرات السوفيتية مباشرة.
وبيحط خبراء الموساد خطة جريئة، لاعتراض اي طائرة "ميج ٢١"، تحلق بها اي دولة من الدول الثلاثة.. واختطافها..
لكن المخابرات الأمريكية بترفض خطة الموساد.
لأن اولا.. اسرائيل كلها مفيهاش طائرة تضاهي الميج ٢١.. ولا في قدراتها ولا سرعتها.
وثانيا.. لان مهارة وبراعة طيارين إسرائيل كانت متدنية للغاية.. مقارنة بالطيارين العرب.
وهنا، في العام ١٩٦٥، بيحط خبراء المخابرات الامريكية بالاشتراك مع الموساد، خطة جديدة.
خطة يقدروا يحصلوا بيها على الجوهرة الجوية المقاتلة "ميج ٢١".
حتى أن العملية سموها "عملية الجوهرة Operation: Diamond".
والعملية كانت اكثر جرأة وذكاء، من الخطة اللي طرحها الموساد.
كانت انهم يجندوا طيار.. من إحدى الدول الثلاث.. يطير بمقاتلة "ميج ٢١".. ويسلمها في تل أبيب.
العملية دي فوق انها حتمنحهم تقنيات "ميج ٢١" وشفراتها.. فهي حتسبب احباط عنيف، للشعوب العربية...
وحترد الاعتبار للموساد، بعدما اتفضح خلال السنوات السابقة واتهان اهانات بالغة من جهاز المخابرات المصري والسوري والعراقي، في مصر وسوريا والعراق وسويسرا وروما وباريس.
حتى انهيار وسقوط عميلهم الأثير "إيلي كوهين".
وبيقع الاختيار على العراق.
وتحديدا على أربعة من طيارين سرب "ميج ٢١".
النقيب العراقي "شاكر محمود يوسف"، وكان معارض حاد للحكومة.. وبينتقد الاوضاع علانية.. لكن مع اقترابهم منه وتحرياتهم عنه.. اكتشفوا انه وطني للغاية.. وولائه لبلده وحسب.
ودا مع حدته واسلوبه العنيف.. رفض عرضهم مباشرة وأهانهم.. مما دفعهم لقتله مباشرة.
والملازم "حامد الضاحي".. ودا كان لطيف بشوش هاديء.. لكنه كان أيضا متدينا للغاية، وبيصلي الوقت في وقته.. ويصوم يومي الاثنين والخميس.. ودا قلقهم منه قليلا.. نظرا لانه حيعتبر إسرائيل عدو من منطلق ديني ووطني معا.
والنقيب "محمد غلوب".. ودا كان رجل قومي الفكر.. ذكي هاديء مراوغ كالثعلب. ودا يناسب عمل الجاسوسية للغاية.
أما الاخير.. فكان النقيب الطيار "منير روفا".
وبيقع الاختيار عليه بالفعل.. كهدف أول.
"منير" كان فاقد للحس الوطني تحاه العراق اصلا.. بيتباهى طول الوقت بأصوله التركية، وعابث بيحب الشراب والنساء.
وبعد الاختيار.. بيعرض الجيش الأمريكي على العراق دورة تدريبية خاصة للطيارين.. والدورة دي طبعا كان وراها المخابرات الأمريكية.
وبتوافق السلطات العراقية.. لانها فرصة يطلع رجالها على ما وصل اليه الامريكيين من علوم وتقنيات عسكرية.. ويحتكوا بالمجتمع الامريكي.. ويعرفوا العدو اكثر.
وفي الولايات المتحدة، بيتلقف رجل الموساد عراقي الأصل "عزرا ناجي زلخا" النقيب "منير" وبيتقرب منه ويصاحبه.. وبينتهي "منير" في شقة "عزرا" وفي احضانه عميلة مخابرات انجليزية.. معروفة للعرب.
وبيواجهوا "منير" بالصور.. ولو متعاونش.. حيقدموا صوره للعراقيين.. اللي حيعدموه باعتباره جاسوس لانجلترا.. اللي بتتجسس بالفعل وتتآمر وتحاول تستعيد نفوذها في الشرق.
وكان من الممكن ان "منير" يرجع العراق ويحكي اللي حصل بالضبط للمخابرات العراقية.. وهم يتصرفوا.
لكن شيء ما في اعماقه، كان اميل للخيانة.
بعد شد وجذب بيتفاوض على المقابل والثمن ويطلب تأمين اسرته.. وبيوافق الموساد على كل طلباته بلا تردد.
وبيفضل بس على "منير" أنه يؤدي دوره.
وبعد تجنيد "منير" بيحاولوا تجنيد زمايله.. لكن "شاكر" بيثور في شدة.. لما بيصارحه "عزرا".. وبينهال عليه ضربا ويفقده الوعي لدقايق.. وبيقلع حزامه ويدور الضرب به في عميلة مخابرات امريكية كانت معاه.
ولكن الاغماءة مابتطولش.. وبيفوق "عزرا".. وينتزع مسدسه، ويطلق النار على "شاكر".. ويرديه.. وبيسقط "شاكر" شهيد.
لكن "حامد ضاحي" المتدين دا، بيوافق لما بيعرضوا عليه يشتغل جاسوس ويسلم الميج ٢١.. واول ما بيوصل الفندق.. بيرفع سماعة هاتف غرفته.. ويتصل بالعراق فورا.. ويبلغ قياداته بالأمر ويخبرهم أنه تظاهر بالموافقة.
وبيطلبوا منه يكمل في خداعهم ويرجع للعراق على وجه السرعة والمخابرات العراقية تقول له يتصرف ازاي.. ويكملوا خداع الامريكيين والإسرائيليين..
لكن للأسف.. الامريكيين كانوا بيتنصتوا على تليفون غرفته بالفندق.. وعرفوا انه بيخدعهم.
واستدرجوه إلى كمين و... وقتلوه.
اما الثعلب الهاديء "محمد غلوب"، فدا كان أكثر حرصا.. وتظاهر بالموافقة على الخيانة.. وبعدها فورا بلغ قيادته في بغداد برضه.. لكن من هاتف عمومي.
ونجح بالفعل في خداع الامريكيين والفرار من الولايات المتحدة إلى باريس.. وحاول منها يوصل العراق.
وطاردوه وضللهم واتنكر وخدعهم عشرات المرات... كأنه "جيمس بوند" حقيقي.. في رحلته نحو وطنه.
ولكنه أثناء فراره المثير.. اللي تفاصيله تستحق كتاب كامل.. ارتكب خطأ قاتلا.. جعل عناصر المخابرات الأمريكية ترصده في محطة قطار.. ويركبوا القطار خلفه.
وقتلوه بأنهم رموه من القطار المسرع في فرنسا.. وهو في طريقه للمطار.
والمثير ان رجل المخابرات المصري ونجم المجتمع الإسرائيلي "جاك بيتون".. او "رأفت الهجان".. كان عرف بالخطة.. وبعتها كاملة للمخابرات المصرية، اللي ارسلتها من فورها للرئيس "جمال عبد الناصر".. وبعتها فورا بدوره مع مبعوث خاص من القاهرة، للرئيس العراقي "عبد السلام عارف".
والعجيب ان الرئيس العراقي أحال الامر بالفعل للمخابرات العراقية، لكنها اجرت تحريات سريعة مرتجلة.. خلصت فيها دون تمحيص الامر، لان مفيش اي دليل على خيانة او تجسس "منير" لصالح الموساد.
ودا لأن المخابرات العراقية وقتها كانت مستنفرة مشغولة باحباط مؤامرة هائلة، من المخابرات الأمريكية، بتهدف لاغتيال "عبد السلام عارف" نفسه.
المؤامرة دي حتحبطها المخابرات العراقية فعلا.. لكن حتتبعها خطة بديلة.. حتنجح فيها المخابرات الامريكية في اغتيال "عارف" فعلا.. سنة ١٩٦٦.
وفي الوقت نفسه كان الموساد بينفذ الجزء الخاص به من الاتفاق.. فنقلوا أسرة "منير" من بغداد إلى البصرة.. ومنها للحدود العراقية الايرانية.
ومن هناك بتاخدهم مروحية إلى تل أبيب.. لفيللا خاصة.. كل طلباتهم فيها مجابة.
وبيسيبوا للنقيب "منير" حرية اختيار موعد التنفيذ، وقتما تسمح الظروف.
والعجيب ان قائد "منير" كان لازال بيتشكك فيه منذ التحريات اللي تمت حوله.. خاصة انه الوحيد من طيارين الميج الاربعة، اللي رجع حي من أمريكا.. وانه فجأة بقى عصبي متوتر للغاية.
لكنه مبيلاقيش رغم مراقبته له اي دليل على خيانته او انه جاسوس.
وعبر الايام بيفتر شكه في "منير".. ويتلاشى.
وذات صباح باكر، من اواخر العام ١٩٦٦، بيستيقظ الطيارين في "قاعدة الرشيد الجوية" ببغداد.. للقيام بمناورة وتدريب عادي.
وقرر "منير" انه مش حيفوت الفرصة دي.. مهما كان الثمن.
وعلى ارض القاعدة.. بتدور محركات الطائرات.. وينطلق التشكيل للسماء.. بيضم طائرة "ميج ٢١" وحيدة.. بيقودها "منير".. بعد اغتيال بقية الطيارين.. المدربين على الاقلاع بها.
ومع الاقلاع.. وبعد دقايق.. أول حاجة بيلاحظها قائده.. ان "منير" انفصل عن تشكيل السرب.. واندفع لارتفاع اعلى بكتير.. وبعدين انطلق كالصاروخ، نحو الحدود السورية.
وبيهتف فيه قائده في غضب انه يرجع للتشكيل.. لكن "منير" مابيردش عليه.
وفي هلع، بيفهم القائد بغتة كل شيء.
وبيسترجع ذهنه في ثانية واحدة، كل الاحداث.
ولأن في الوقت دا كان في تحالف بين الدول الثلاثة، بيتصل قائده فورا، بقادة سلاح الجو السوري، ويرجوهم يتصدوا للميج ٢١.
لكنه مع غمرة انفعاله نسي ان "منير" سامعه وسمع تعليماته عبر اللاسلكي.. فانحنى "منير" بالميج من فوره واعتدل بمحاذاة الحدود السورية، منطلقا نحو الأردن.
وبيتصل قائده بقيادة سلاح الجو الأردني اللي بيطلق على الفور مقاتلاته الاعتراضية؛ لايقاف الميج ٢١.
وبنرجع للمشهد إللي بدأت به القصة.
"منير" بيحلق على ارتفاع منخفض للغاية.. متفاديا الرادارات والدفاعات الجوية الأردنية، وثلاثة من مقاتلات سلاح الجو الملكي الأردني، بتحاول اعتراضه.
وفي الافق بتبدو للخائن "منير" الحدود الإسرائيلية.
وبيصرخ القائد العراقي في اللاسلكي في جنون، وقد حسم قراره، وبقى هدفه انهم يسقطوا الميج ٢١.. بأي ثمن.
لكن الميج ٢١ كانت فعلا جوهرة السماء وقتها.. ومقاتلات "هنتر" الإنجليزية، اللي بيستعملها الجيش الأردني.. مش ند لها بأي حال من الاحوال.
وبيقفز اصبع الطيار الأردني لزر اطلاق الصواريخ.. لكن "منير" بيطلق العنان لمحرك الميج ٢١.
وبيشعر الطيارين الأردنيين بموجة تفريغ عاتية، مع فرقعة هائلة، لما اخترقت الميج ٢١ حاجز الصوت.. و...
واختفت.
الميج ٢١ انطلقت كالرصاصة.. وعبرت منطقة البحر الميت...
ثم عبرت المجال الجوي الإسرائيلي في ثوان.
وفي إسرائيل دوت صافرات الإنذار، باعتباره هجوم عراقي.. وانطلق الطيارين نحو مقاتلاتهم.
وكإجراء تلقائي.. اتبلغ الحدث لرئيس الوزراء ووزير الدفاع ومدير الموساد.
وكان الاخير في فراشه، مع شروق الشمس.. فلما اتصلوا به.. مافهمش لثواني ميج ٢١ ايه وفي ايه ومين دول.
ولما أفاق.. اصابه الهلع.. وطلب عدم اسقاط الطائرة لانها عملية بالغة الاهمية للموساد.
وفي الوقت نفسه كانت المقاتلات الإسرائيلية بتحاصر الميج ٢١ وفي قلبها "منير".. اللي أبطأ سرعته.. وطار وسط السرب الإسرائيلي في استسلام.
ولكن قائد السرب الإسرائيلي اتصور انها خدعة منه.. وقرر انهم يطلقوا عليه النيران وينسفوه.
ولكن بغتة.. بتوصل تعليمات وزير الدفاع بنفسه.. ومعاها.. بيتعالى فجاة صوت قائد السرب "موردخاي هود" عبر اللاسلكي، بيأمر رجاله بوقف اطلاق النار.. واصطحاب الميج ٢١.. للهبوط.
وبتفوز إسرائيل بالميج ٢١.. سليمة.. كاملة.. مع طيار اتدرب على التحليق والقتال بها.. بواسطة صانعيها نفسهم.
الحدث دا كان له أبلغ الأثر بعدها بشهور، في حرب ١٩٦٧.. أن الميج ٢١ في مصر وسوريا، يتشوشر عليها من القاذفات الإسرائيلية وهي على الارض.. ويتأخر اقلاعها.. وتتقصف في مكانها.. قبلما يلحق السوفيت يبعتوا تقنيات محدثة لها.
والاغرب ان "جاك بيتون" كان بعت ميعاد هجوم ١٩٦٧ برضه، للمخابرات المصرية.. واللي حولته من فورها للراحل "جمال عبد الناصر".
لكن الرئيس "جمال" وقتها لما أحال الملف للمشير "عبد الحكيم عامر".. "عامر" قال له ان كله تمام وانه مستعد وكل شيء زي الفل.
وكانت الحقيقة غير ذلك.
مرتاحش "منير" وأسرته في إسرائيل وطلبوا يهاجروا اوروبا.. ونفذ لهم الموساد طلبهم.
وعاش "منير" مع اسرته مبسوط وثري.. وبعد فترة خلصت فلوسه وطلب من الموساد غيرها.
لكنهم تجاهلوه تماما.
وأدرك ان خلاص دوره انتهي واهميته تلاشت.
وبعدها هاجر كندا واشتغل في مهنة عادية.. وعاش هناك.
لكن المخابرات العراقية كانت له بالمرصاد.
مانسوش ابدا اللي حصل، ومات "منير" في شقته بأزمة قلبية في أواخر التسعينات.. قيل دون مصادر كافية، انه اصيب بها بعدما زاره رجل عراقي مجهول.. حقنه بكمية كبيرة من البوتاسيوم، بعد صراع محدود، وركب الطائرة في اليوم نفسه إلى اوروبا.. ومنها إلى بغداد.
واتقفل للأبد ملف الخائن "منير حبيب روفا".
#awareness_against_terrorism #awareness