مع احتلال الإنجليز للإسكندرية، وخيانة محافظها التركي "أمين آغا".. بيتسلل اسمه للوعي الجمعي السكندري كنوع من السباب.. اسم أو كلمة "آغا" في اسكندرية بتتحول إلى سبة.. معناها "قواد".. لحد يومنا هذا.

بينسحب رجال المقاومة السكندريين إلى رأس التين.. ومن هناك بيبدأوا نوع من حرب العصابات ضد الإنجليز.. بتكون الهزيمة فيها من نصيب رجال المقاومة.. وعددهم كان نحو 300 رجل.. أمام فرق المشاة المسلحة المجهزة اللي دفع بيها "فريزر" برًا.. وكانت تقدر بـ1000 جندي.. "الجبرتي" ذكر في يوميات شهر محرم سنة 1222، عن تاريخ معركة الإسكندرية 1807، ورود أنباء من الإسكندرية بوقوع قتال عنيف، أحرق فيه أهل الإسكندرية مركبين من المراكب الإنجليزية.

وكان رد الإنجليز قاسي عنيف.. "وضرب بالمدافع الهائلة من البحر وهدم جانب من البرج الكبير وكذلك الابراج الصغار". وعامة "الجبرتي" في تأريخه للفترة دي أصابته حيرة كبيرة وارتباك هائل.. فناقض كلامه وكتب الخبر وعكسه.. وبرر دا بأنه:

"كانت الشائعات الباطلة ترسل الى القاهرة فيتناقلها الناس كما تروج الأخبار الكاذبة اثناء الحروب، ثم لا تلبث أن ينكشف بطلانها، واستمر الأمر في هذا الخلط القبلي والبحري عدة أيام.. ولم يأت من الاسكندرية ساعة؛ ولا خبر صحيح".

لكن الحقيقة أن المقاومة السكندرية رغم الخيانة، كانت شرسة للغاية، ودا أقلق الإنجليز بالفعل.. ووترهم.. وكاد يتسبب في هزيمتهم.. لولا ظهرت في الأفق البارجة "رويال جورج HMS Royal George" بقيادة الأدميرال، سير "جون دوكوورث Sir John Duckworth"، وما تقوده من سفن وما تحمله من جنود.. ودا رجح كفة المعركة.

بتسقط المقاومة ويتقبض على معظم رجالها كأسرى حرب بينما بيفر قائدها لمكان غير معلوم.. وبيقرر "فريزر" في خطته لهزيمة "محمد علي".. السيطرة على الدلتا وفرعي النيل، عشان يمنع أن أي امدادات توصل له إلى القاهرة.

وكان الهدف الأول هو المدينة المصرية "روزيتّا Rosetta".. اللي احنا نعرفها باسم "رشيد".

بيصدر "فريزر" أوامره، وبيتحرك حوالي 1600 جندي بريطاني نحو الدلتا. في نفس الوقت اللي بيصل فيه إلى محافظ رشيد، "علي بك السلانكلي"، مبعوث خاص، بيحمل رسالة بالغة الأهمية والخطورة.

وكان المبعوث دا هو قائد المقاومة السكندرية نفسه.. اللي بيبلغ "السلانكلي" أن الإنجليز متوجهة عشان تحتل رشيد و الرحمانية، فبيتخذ "علي السلانكلي" قراره بالتصدي للإنجليز.. وبيطلب دعم الشريف، الشيخ "حسن كريت"، وبيتفقوا على أن يقود "السلانكلي" الحامية، بينما يقود الشريف "كريت" الأهالي.

تقدم الإنجليز سبب ذعر لأهالي رشيد البسطاء، وفكر كتير منهم في الهرب.. بس "السلانكلي" بيتخذ قرار، فبيدفع كل المراكب المصرية من أمام شاطيء النيل برشيد إلى البر الشرقي المقابل بمركز مطوبس.. وبكده بيبقى مفيش قدامهم خيار إلا المواجهة.

وكانت خطة "علي بك السلانكلي" هي نفس الخطة اللي نفذها "محمد علي" ضد قوات المماليك في القاهرة.

استدراج الإنجليز لدخول المدينة دون مقاومة.. وبعدين الانقضاض عليهم...

وفي 31 مارس، 1807، بتتقدم القوات الإنجليزية لمدينة رشيد، اللي بدت هادئة خاوية، وكأن الأهالي اختبأوا في بيوتهم لما عرفوا بوصول القوات الإنجليزية.. ولما بدأ الجنود يسترخوا ويستريحوا ويضعوا عتادهم.. بينطلق الآذان للصلاة في غير موعده، من مسجد "سيدي زغلول".. ودي كانت الإشارة المتفق عليها بين "السلانكلي" و"كريت".

بتنقض حامية رشيد بلا سابق إنذار مع الأهالي على الجنود.. اللي بيتفاجوا بالهجوم الساحق، ومبيعرفوش يصدوه، فبيحملوا جرحاهم وينسحبوا مرة تانية للإسكندرية.

بيرسل "علي بك السلانكلي" الأسرى ورؤوس القتلى إلى القاهرة وبيتعمل احتفال كبير.. بيرفع من معنويات الناس للحد الأقصى.

بس المدينة كانت مهمة للغاية، عشان يعرف "فريزر" يحتل القاهرة.. فلما بيبلغه الخبر.. بيبعت لها قوة أخرى من 2500 جندي مجهزين في العام نفسه، في 3 إبريل.. وهنا.. بيعرف "محمد علي" بالأخبار.. وبيقرر يقفل جبهة الصعيد.. فبيعمل هدنة مع المماليك.. بيرفضوها في البداية.. لكن أهل الصعيد بتبدأ تتكلم وتقول انهم في الحالة دي خونة، تابعين للإنجليز.. فبيقبلوا هدنة "محمد علي".. اللي بينطلق عائدًا للشمال.

للأسف مكانش الوقت في صالحه؛ لأن القوات الإنجليزية بتضرب حصار على رشيد في 7 إبريل، وبتبدأ في قصفها بالمدفعية.. وبتنجح في احتلال قرية "الحمّاد"، لتطويق رشيد، ومنع وصول الإمدادات للمدينة.

ومع القصف المتواصل والحصار وقلة المؤن، كادت رشيد أنها تسقط بالفعل، لولا أنه في 20 إبريل من العام نفسه.. بيتبدى لأهل رشيد في الأفق، غبار سنابك خيول الجيش المصري بقيادة "محمد علي".. بقوة قوامها 2000 فارس و5000 جندي من المشاة، بكامل عدتهم وعتادهم.

وهنا بتضطر القوة المحاصرة لرشيد إنها تنسحب.. وبتبعت رسول إنجليزي خاص، إلي قائد القوة اللي احتلت "قرية الحماد" تأمره بالانسحاب...

ولكن الرسول دا مابيوصلش إلى هدفه أبدًا.. يقال أنه قتل في رحلته.. وبالتالي بتفضل قوة "الحماد" معتقدة أن القوات الإنجليزية منتصرة.

ودا كان له نتائج غير متوقعة.. نتكلم عنها لاحقًا...

ويبقى للحديث بقية.

----------------

منشورات سابقة.

---------------

(الصورة لطابية رشيد، أو "حصن جوليان Fort Julien".. وهي حصن على الضفة الغربية لفرع رشيد على بُعد كيلومترين من مدينة رشيد).

1 - http://bit.ly/30anGpF

2 - http://bit.ly/2Q7e6zv

3 - http://bit.ly/2VVkcrX

4 - http://bit.ly/2WdncAb

5 - http://bit.ly/2HzZSo7