لما كتبت عن "محمد بن عبد الوهاب" مؤسس الوهابية.. عميل بريطانيا.. ثار علي ناس.. وقرروا إني كفرت.. ويمكن أشرع في تأسيس عقيدة جديدة قريب، بتدعو لعبادة السحالي مثلا.
النهاردة نتناول وثيقة ظهرت في القرن الثامن عشر. كتبها جاسوس بريطاني شهير.
جاسوس قدر يتوغل ويعيش في الشرق الأوسط ويكون له دور في تحريك الأحداث فيه لأكتر من 30 سنة.
الجاسوس دا اسمه "همفر Hempher".
الوثيقة ظهرت بعد وفاة "محمد بن عبد الوهاب" مباشرة.. اسمها "مذكرات السيد همفر، جاسوس بريطانيا الموفد للشرق الأوسط Memoirs of Mr. Hempher, The British Spy to the Middle East".
المذكرات دي في ناس كتير زعموا أنها مزيفة.. وأنها "فبركها" أعداء "محمد عبد الوهاب" - اللي معظمهم كان بيفك الخط بالعافية في شبه الجزيرة - باللغة الإنجليزية.
لكن لسوء حظهم خرجت وثائق بتؤكدها.. مش آخرها كتاب المؤرخ العثماني "أيوب صبري باشا Ayyub Sabri Pasha".. اللي كتب صراحة سنة 1890، عن تعاون صريح بين "محمد بن عبد الوهاب"، وجاسوس بريطاني اسمه (همفر)، في كتابه "نشأة وانتشار الحركة الوهابية The Beginning and Spread of Wahhabism".. وذكر بمنتهى الوضوح، خطة "همفر" و"عبد الوهاب".. لتأسيس دين جديد يشبه الإسلام في شكله وتعاليمه.. لأغراض سياسية.
رغم ذلك في ناس خرجت تقول "أن بريطانيا كذابة.. وإن ايوب صبري باشا" بيفتري على "عبد الوهاب".
وبعدين ظهر كتاب آخر.
كتاب الإمام السني الحنبلي، القاضي "سليمان بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي النجدي الحنبلي".
شقيق "محمد عبد الوهاب" نفسه!
الأخ القاضي الحنبلي.. اللي قضى بأن أخوه مبتدع دجال بيألف دين جديد، رد عليه في كتاب اسمه "الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية".. اتهم فيه شقيقة صراحة بتأليف دين جديد لغرض ما.. وهو أول من سمى الحركة دي "بالوهابية" على الإطلاق.
نرجع للأخ "همفر" اللي تحسس بقدميه الرمال في الشرق الأوسط لأول مرة.. لما أرسلته وزارة المستعمرات عام 1710 إلى تركيا، مقر الدولة العثمانية.. أو زي ما أوروبا كانت مسمياها؛ "الرجل المريض".
اللقب ذاته، دونه "همفر" في مذكراته.. وذكر أن بريطانيا كانت شايفة أن الدولة العثمانية "رجل مريض" بالفعل.. وحيلفظ أنفاسه الأخيرة في أقل من قرن.
بيقول "همفر": "بعد سفر مرهق طويل، وصلت إلى الآستانة، ومعي مهمة محددة، أن أدرس هؤلاء القوم دراسة وافية، وأتعرف مواطن قوتهم وضعفهم.. ولم أكن وحيدًا.. كان هناك تسعة من الرفاق، انطلقنا إلى أماكن مختلفة".
منهم واحد بالمناسبة جه مصر.. جاسوس بريطاني برضه.. واندس وسط أهلها.. بس الراجل دا لا باشر مهمته ولا رجع إلى لندن على الإطلاق.. "همفر" بيقول عنه أنهم عرفوا فيما بعد؛ أنه سحرته امرأة مصرية فاتنة، فأشهر إسلامه وتزوجها وبقى جوارها في مصر للأبد.
كان في برضه منهم واحد آخر انطلق إلى روسيا ومرجعش تاني .. ودا بالذات سبب قلق بالغ لإدارة المستعمرات.. لأن الجاسوس دا كان روسي الأصل.. وفضلوا طول الوقت خايفين لا يكون كان جاسوس عليهم مكلف من الروس أصلًا.. وإخلاصه طول الوقت كان لروسيا.. واستقر فيها لما أوفدوه إليها، وانتهت مهمته.
أما عن "همفر" نفسه، فمحطته الأولى كانت الآستانة: "وصلت إلى هناك وسميت نفسي محمدًا.. وأول ما توجهت كان إلى مسجد جامع؛ وهو مكان يباشر فيه المسلمون عباداتهم وبعض من اجتماعاتهم.. وهالني ما رأيت من النظام والنظافة والطاعة.. والتقيت هناك بعالم دين مسن اسمه (أحمد أفندم)، قدم لي مأوى وغذاء وأوجد لي عملًا، دون أن يسألني ولا مرة عن أصلي ونسبي ".
"وكانت مهمتي تقتضي أن أقدم تقريرًا شهريًا إلي وزارة المستعمرات عن عملي في الآستانة الذي لا يتجاوز انغماسي وسط القوم وتعلم لغتهم وعاداتهم، أرسله مع عميل تابع للوزارة يلقاني في مكان وزمان تم تحديدهما سلفًا. على أن أعود بعد عامين إلى لندن للتعليمات الجديدة".
بيخلصوا السنتين وكان "همفر" اتعلم لغة، وعرف قبس لا بأس به من العلوم الشرعية.. فبتجيله تعليمات يتوجه للبصرة.. بيروح يندس وسطهم فترة كذلك وبيرجع لندن..وبيفضل ستة اشهر فيها.. بيذكر فيها موقف أنه حكى لرئيسه عن ذهوله من الاختلافات الطائفية والمذهبية بين القوم.. وقال له نصًا: "لو أنهم أصحاب عقول يفهمون معنى الحياة لتركوا النزاع ووحدوا كلمتهم".. ورئيسه قال له في هدوء: "إياك أن تذكر لهم مثل هذا".
بيرجع "همفر" مرة تانية إلى العراق. وبيشتغل في عمل بسيط يقتات منه ويعينه على المظهر اللي رسمته له وزارة المستعمرات كطالب علم.
المهم فبيشتغل عند نجار من (خراسان) اسمه "عبد الرضا".. بيتعلم هناك اللغة الفارسية وبيندمج مع "عبد الرضا" وأصحابه، وحواراتهم السياسية.. خاصة وأنهم كانوا ناقمين على حكومتهم وبيكرهوا الخليفة في الآستانة.
وكان "همفر" و"عبد الرضا" واصدقاء الأخير بيتجمعوا في المحل.. يكيلوا النقد والحوار الكاره للحكومة طول الوقت.. وكانوا اطمنوا لـ"همفر" وحسبوه من أذربيجان.. بسبب كونه أشقر.. خاصة مع إجادته للتركية.. وخصوصًا إن أهل أذربيجان كانوا كارهين للخليفة في الآستانة.
كانوا بيدردشوا.. ويسكتوا لو دخل عليهم أي غريب أو زبون.. لحد ما دخل عليهم مرة شاب.. بدا لـ"همفر" انه يحمل هيئة طلبة العلم.. وصفه بأنه نحيل متوتر للغاية عصبي المزاج، فسكت "همفر" عن الكلام بس "عبد الرضا" طمنه أن الشاب معاهم.. وله نفس فكرهم الناقم على الحكومة العثمانية.
الشاب بيبدأ يتكلم مع "عبد الرضا".. وبيفهم منه "همفر" أنه جه العراق فعلا للدراسة.. وأنه على المذهب الحنبلي.. والحتة دي أثارت دهشة "همرفر" في شدة، لأن "عبد الرضا" كان شيعي.. والحنابلة من أهل السنة.. لكنه تجاوزها سريعًا وهو بيتفحص الشاب ويستمع لآرائه.. وانبهر لأن الشاب بيتكلم عربي وتركي وفارسي.
والشاب دا كان اسمه "محمد بن عبد الوهاب".. ومع استرساله في الحوار.. "همفر" بيلاحظ شيء خطير.. بيقرر على أساسه يتخذ قرار أكثر خطورة.
والقرار دا نتكلم عنه لاحقًا...
ويبقى للحديث بقية.