كتب الجاسوس البريطاني "همفر" عن علاقته بالشيخ "محمد بن عبد الوهاب" قائلًا:

"لقد خلبت (صفية) لب الشيخ، وصار مفتونًا بها.. وتذوق حلاوة مخالفة أوامر الشريعة تحت غطاء الاجتهاد والاستقلال في الرأي والحرية، وفي اليوم الثالث من المتعة أجريت معه حوارا طويلا عن (عدم تحريم الخمر)، واستدليت بأحاديث زيفتها، وبقول بعض من الأحناف وروايات عن عمر، وقلت له؛ لو كانت الخمر حرامًا لعاقب عليها رسول الله.. وهو ما لم يحدث.. وفي النهاية اقتنع أن الخمر إذا لم تذهب العقل بما يلهي عن الصلاة أو ذكر الله فلا ضير فيها".

وأثناء غياب "محمد بن عبد الوهاب" للدرس، بيتوجه "همفر" إلى بيت صفية ويخبرها بما جرى.. بيطلب منها انها تحاول تشربه خمر الليلة دي.. وبيدوّن:

"وقد حدث، وأخبرتني (صفية) أنها سقته الخمر حتى الثمالة وأتاها عدة مرات في تلك الليلة.. وقد رأيت أنا آثار الضعف والنحول عليه صباحًا.. فأيقنت أنني و(صفية) قد استولينا عليه استيلاءً كاملًا".

وبدأت وزارة المستعمرات خطتها، وبيبدأ "همفر" في حث "محمد بن عبد الوهاب" على تدوين فقهه الجديد، بعدما أقنعه أنه "مجدد الدين".. وكان لإدارة المستعمرات مباديء معينة دفعت "همفر" إلى توجيه محمد بن عبد الوهاب" إليها في فقهه.. مثل تكفير كل المسلمين وإباحة قتلهم وبيعهم في أسواق النخاسة، وهدم الأضرحة وما تحويها من مساجد، باعتبارها آثار وثنية، والسعي لخلع طاعة الخليفة والخروج عليه، ونشر الفوضى قدر الإمكان بمبدأ "الهدم من أجل البناء" ونشر التشدد كوسيلة للسيطرة وإرهاب المخالفين.

وتدريجيًا بتتشكل الدعوة ويصبح لها مريدين وأتباع.

المهم أن "عبد الوهاب" بايعاز من "همفر" بيترك البصرة.. وينتقل إلى بغداد.. بيقعد فيها شوية ويكون شوية أتباع.. وبعدين ينتقل إلى همدان يوعمل فيها نفس الموضوع، ثم رحل إلى أصفهان، وبعدين رجع على بلده.. وهناك.. التقى به "همفر".. وقدم له مبلغ مالي كبير.. ودابة يركبها.. وبعدين فارقه بعدما تم تجنيده بالكامل.. وبدأت مهمة "عبد الوهاب" منفردًا.. بدعم مباشر من إدارة المستعمرات.

واختفى "محمد بن عبد الوهاب" عن الناس في عزلة بلغت 8 شهور.. وبعدين خرج على الناس بدعوته.. فاستنكرها البعض.. وايدها البعض.. واللي التفوا حواليه وصدقوه من ضعاف العقول وذوي المصالح، كانوا هم النواة الأولى لجيشه.

وبيقول "همفر":

"وقد بدأت الفتنة بأن أعلن أن جميع المسلمين أصبحوا كفارا ومرتدين عن الإسلام وأن عليه قتالهم كما يجاهد المشركين".

وخرج له بعض من فقهاء عصره وجادلهم وغلبوه.. لكن المفتي الحنبلي بمكة المكرمة.. الشيخ "محمد بن عبد الله بن حميد"؛ في كتابه "السحب الوابلة" ببيقول:

"فإنه - أي محمد بن عبد الوهاب - كان إذا باينه أحد - أي ناقشه - وردّ عليه ولم يقدر على قتله مجاهرة، يرسل إليه من يغتاله في فراشه أو في السوق ليلًا.. لقوله بتكفير من خالفه واستحلاله قتله".

وكانت إدارة المستعمرات نجحت في تقريب "محمد بن سعود" أمير الدرعية إلى جانبها.. وبدأ يدعم "محمد بن عبد الوهاب".. وبيبقى رجال "محمد بن سعود" أنصار لـ"محمد عبد الوهاب" يقدر يقاتل بهم.. واشترط "محمد عبد الوهاب" عليه أنه:

"أنت كبيرهم وشريفهم، أريد منك عهداً على أنك تجاهد في هذا الدين، والرياسة والإمامة فيك وفي ذريتك بعدك، وأنّ المشيخة والخلافة في الدين فيّ وفي آلي من بعدي أبداً".

ودي ذكرها "حسن بن جمال بن أحمد الريكي" في كتابه "لمع الشهاب في سيرة بن عبد الوهاب".

وبالمقابل.. اشترط "محمد بن سعود" على "عبد الوهاب شرطين.. أولهم أن لا يرجع عنه إن نصرهم الله ومكنهم.. وثانيهم.. أن لا يمنعه من الخراج الذي فرضه على أهل الدرعية وقت الثمار.

وكانت إدارة المستعمرات بتهدف من دا لتمزيق الدولة العثمانية "الرجل المريض" أكتر والتعجيل بهلاكه.. ومع تكوين الجيش الوهابي.. إدارة المستعمرات في خبث.. بتروح للدولة العثمانية وتحذرها منه، بأنه عايز يسيطر على الحجاز.. وما فيه من أماكن مقدسة.. ودا يزعزع مكانة الدولة العثمانية في العالم الإسلامي!

أخو "محمد بن عبد الوهاب" كان قاضي من أئمة الحنابلة اسمه "سليمان بن عبد الوهاب".. كتب وقتها كتاب اسمه "الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية".. ووصل الأمر بهم إلى حد المواجهة بالسلاح. في كتابه فند دعوة الوهابية بالكامل.. واتهمها بالضلال والإبتداع وتأليف دين جديد وارتكاب الكبائر والجرائم والويلات في سبيل دا.. لأغراض سياسية.

طبعًا ولا فرق معاهم.. واستمرت الغارات علي القبائل والقوافل والقرى.. وشوية شوية الجيش الوهابي بيكبر.. كان "محمد بن عبد الوهاب" خلف تلات أولاد.. "عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب"، و"علي بن محمد بن عبد الوهاب"، و"حسين بن محمد بن عبد الوهاب".. بيموت هو نفسه سنة 1206 هجرية.. 1791 ميلادية.. وبيكمل الأولاد المسيرة لنشر مذهب الشيخ "همفر".

إدارة المستعمرات بتدعمهم بمال وسلاح وتحركاتهم بتثير حفيظة أمراء الحجاز للغاية.. وبيتحرك لهم حاكم مكة والمدينة.. شريف مكة، الأمير "غالب بن مساعد" على رأس جيش.. لكن جيشه بيقع في كمين محكم في نجد.. وبيتهزم ويرجع للحجاز.

مابيهداش الوهابيين مع هزيمة الشريف "غالب".. فبيزحفوا على مكة المكرمة نفسها وبيدخلوها في 9 محرم 1208 هجرية، 1793 ميلادية؛ وبيدخلوا المدينة المنورة بعدها بعامين.. وبيقول الجبرتي عن تلك الموقعة:

"لما استولى الوهابيون على المدينة المنورة هدموا القباب التي فيها وفي ينبع ومنها قبة أئمة البقيع بالمدينة، وحملوا الناس على ما حملوه عليه في مكة وأخذوا جميع ذخائر الحجرة النبوية وجواهرها حتى أنهم حصلوا على أربع سحاحير من الجواهر.. المملاة بالماس والياقوت.. العظيمة القدر".

وبينهزم أمراء السعودية اللي مكانش فيهم حد بريطاني ولا مشرك.. وبيقتلهم الوهابيين بدون أن يطرف لهم جفن.. باعتبار ان دا "جهاد"، واحدًا تلو الآخر.. وامتدت الحركة الوهابية إلى الخليج العربي وصنعاء وبلاد الشام.

وبتضعف الدولة العثمانية في شدة.. خاصة مع فقدانها السيطرة على الأماكن المقدسة.. وما كانت تدفع به في قلوب العرب والمسلمين من هيبة وتوقير تجاهها.. وبعدين بيلتفت الوهابيين إلي مصر.. سنة 1805.

لكن في السنة دي بيحصل في مصر أمر غريب، وبيجي رجل كان مقدر له أنه يغير مسار الأحداث.. الراجل اللي في الصورة دا.

والرجل دا نتكلم عنه لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

----------------

منشورات سابقة.

---------------

1 - http://bit.ly/30anGpF

2 - http://bit.ly/2Q7e6zv