مصر - 1801.
بيفشل الهدف العسكري للحملة الفرنسية على مصر، واللي كان في حقيقته، هو منع انجلترا من الوصول للهند، والسيطرة على طرق التجارة العالمية، بإعادة حفر قناة "سيزوستريس"؛ اللي كان الخليفة "أبو جعفر المنصور" قام بردمها تماماً في السويس، منعاً لأي إمدادات من مصر إلى أهالي مكة والمدينة، الثائرين ضد الحكم العباسي.
وفي العام نفسه، 1801، مع انسحاب الفرنسيين، والضغط الإنجليزي والحراك والتوتر اللي طال الموانيء المصرية؛ بتدفع الدولة العثمانية بكتيبة من الجنود الألبانيين بحرًا.. وكان رئيس الكتيبة دي هو ابن حاكم "كافالا Kavala" اليونانية.. اللي احنا بنسميها "قولة".
وبمجرد ما بتوصل الكتيبة إلى ميناء أبو قير بالإسكندرية في ربيع سنة 1801، بيقرر قائدها أنه يرجع منفردًا وبيولي مساعده عليها.
وكان مساعده شاب شجاع ناجح طموح للغاية من أهل كافالا.. له أصل ألباني.. اسمه "محمد علي".
بينزل "محمد علي" ورجاله وبيفاجأ أن الأوضاع في مصر مضطربة للغاية، لأنه مع انسحاب الفرنسيين، وانشغال الدولة العثمانية بالزحف على بلاد الشام، بيبدأ المماليك يفكروا في الرجوع.. لكن بيحصل بينهم انقسام حاد، بيؤدي لوجود جيشين منهم ضد بعض.. جيش في صف الدولة العثمانية بقيادة "إبراهيم بك الكبير"، وجيش آخر، في صف الإنجليز "بقيادة محمد بك الألفي".
حرب أهلية.
الطرفين كانوا في اقتتال أهلي حاد عنيف، ومؤامرات وكمائن واغتيالات لبعض طول الوقت.. وساعد على دا أن انجلترا بتوقع معاهدة مع فرنسا بتنتهي بها عداوتهم مؤقتًا، اسمها "معاهدة أميان Treaty of Amiens" وبموجبها بتنسحب انجلترا هي الأخرى من مصر.
"محمد علي" بيسيب كل دا وبيأمر رجاله بالاندماج وسط الشعب، فبتبدأ كتيبته تساعد الضعيف، وتهرع لحاجة أمرأة مسنة.. وتدور مع الأهالي على أطفال مفقودة وتردها لذويها.. ودا بيكسبه حب المصريين في فترة وجيزة.. كان خلالها بيتودد ويتقرب لرجال الأزهر وكبار العلماء.. ويحضر دروسهم ومجالسهم ويصلي خلفهم.. ودا أكسبه ودهم بالتالي.
وفي الوقت نفسه كانت بعض من رجال كتيبته بيأدوا المهمة اللي كلفهم بيها.. فبيوقعوا بين فصيلي المماليك المتناحرين باستمرار.. ويزود الخلاف بينهم أكثر وأكثر.. ودا مخلاش طرف فيهم عارف يستأثر بالسلطة.. لحد ما في مارس 1804.. الدولة العثمانية بتبعت "أحمد خورشيد باشا" ذو الأصل الجورجي، يبقى والي على مصر ويسيطر على الأوضاع فيها.
أول ما بيوصل "خورشيد" بيقلق من "محمد علي" وحب الناس له من أعلى طبقاتهم إلى أدناها.. فبيقرر يبعته الصعيد هو وفرقته يحاربوا المماليك.. وبيطلب من الدولة العثمانية تمده بجيش يتيح له السيطرة على الأمور.. وفعلا بتبعت له المطلوب.
لكن الجيش العثماني المرتزق أول ما بيوصل للقاهرة.. بيبدأ يعيث فيها فسادًا.. ويبلطج.. ويسرقوا الناس بالإكراه تحت تهديد السلاح.. وياخدوا من المحلات والأسواق ما شاؤوا بدون ما يدفعوا.. وبيخلوا بيوت من أصحابها بالقوة ويسكنوها.. وبيتطور الأمر أكتر.. وبيعتدوا على حرمات النساء.. فبينطلق العلماء وكبار أهل مصر، على رأسهم "الشيخ الشرقاوي" والسيد "عمر مكرم" من الجامع الأزهر إلى "خورشيد"، وبيطالبوه في غضب بكبح قواته اللعينة.
"خورشيد" بيصدر فرمان للقوات دي بالفعل أنها تترك مصر وترجع تركيا فورًا.. لكنهم بيرفضوا طاعة أوامره.. وبيقتحموا ويسرقوا بيت المال حتى آخر مليم.
الناس بتثور ثورة عارمة، وبيبدأوا حرب عصابات مع قوات "خورشيد" في الشوارع.. وبيتوجه "عمر مكرم" مع المئات.. ويحاصروا بيت "محمد علي".. اللي بيخرج إليهم.. فبيقولوله أن "خورشيد" ظالم.. وأنهم عزلوه من الولاية.. فبيسألهم في براءة: "طيب انا مش عارف..عايزين مين بداله يا جماعة؟" فبيردوا: "لا نرضى إلا بك". فبيقول لهم: "وما أراده أهل مصر.. يكون".
بيحملوه إلى دار المحكمة، وبيبايعوه بالفعل يكون والي مصر.. وبيقدم له الشيخ الشرقاوي ملابس وعباءة.. وبيبعتوا لخورشيد باشا انهم عزلوه.. وعينوا "محمد علي" بداله.. طبعًا بيثور "خورشيد".. وبيقول لهم غاضبًا: "إني مولي من طرف السلطان فلا أعزل بأمر الرعاع ولا أنزل من القلعة إلا بأمر من السلطنة".
وبيدخل الساحة طرفان جديدان في حلبة الصراع.. "خورشيد" وقواته ضد "محمد علي" المدعوم من الشارع.
بتعرف الدولة العثمانية ببيعة الشعب لمحمد علي.. وبتخشى من ثورة إذا اعترضت الأمر.. فبتقرر سحب "خورشيد باشا".. وبتصدر فرمان في 9 يوليو من العام نفسه بتعيين "محمد علي" والي على مصر بصفة مؤقتة.. وبيغادر "خورشيد" مصر بعدها بأيام.. عام 1805 متوجهاً إلى القصيص.
الموقف دا غريب لأنه فيه الكثير من العفوية.. ورغم ذلك كان مقدر أنه بسببه يتغير التاريخ ويعاد تشكيل خريطة العالم.
وبيصبح "محمد علي" والي مصر.. رغم عن أنف الدولة العثمانية الفاشلة.. اللي مابيعجبهاش اللي حصل.. وبتضمر لـ"محمد علي" خطة تعزله بيها عن حكم مصر.. بتنفذها فورًا في العالم التالي.
العام 1806.
والخطة دي نتكلم عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
----------------
منشورات سابقة.
---------------
1 - http://bit.ly/30anGpF
2 - http://bit.ly/2Q7e6zv
3 - http://bit.ly/2VVkcrX