حرب "محمد علي" مع الوهابية كانت اضطرارية في البداية.. لأن "محمد علي" مكانش عايز يحارب.. كان عايز يتفرغ لبناء الاقتصاد والجيش.. مش حنتكلم طبعًا عن قصص المزارع والسواقي والمصانع.. كل دا معروف عن "محمد علي".. وحافظه أي طفل في الصف الخامس الإبتدائي.

الحركة الوهابية بدأت على إيد "محمد بن عبد الوهاب".. وهي تقريبًا كلها ابتداع من أولها لآخرها... لما تتكلم عن أي كتاب من فقهاء عصر "عبد الوهاب" رد عليه.. أنصار الوهابية حيردوا عليك بدون أي دليل أو سند ويقولولك: "دا مرجع مزيف".. حتى كتاب شقيقه الإمام القاضي الحنبلي "سليمان".. بينكروه.

الدولة العثمانية استشعرت خطورة الوهابيين على نفوذها.. فراسلت الولاة لحربها.. ومن بينهم كان "محمد علي".. اللي بيرد له أمر مباشر من السلطان "مصطفى الرابع بن عبد الحميد" سنة 1807.. فبيتحجج شوية بمشاكل الجبهة الداخلية ويطنش الأمر العثماني.

بيمر وقت طويل.. وشفنا إزاي قطعه صراع المماليك على السلطة ونهايتهم بمذبحة القلعة سنة 1811.. وكان "محمد علي" بدأ يفكر بطريقة مختلفة.. فكان شايف إنه لو حارب الوهابية فدي فرصة ذهبية له أنه يبسط نفوذه على الحجاز.. ودا أمر عظيم.. مفاتيح الكعبة.. قبلة العالم الإسلامي.. رهبة واحترام وهيبة وسلطان.

بيفوق "محمد علي" من قرف المماليك.. وبيفاجأ بأن الوهابية بدأت توصل مصر.. مش عسكريًا لسه.. بس بنعومة.. بدأت تتسلل للعامة عن طريق مبعوثيها اللي بيندسوا وسط الناس.. وبعدين بدأت دعواهم تأثر على شيوخ الأزهر نفسه.

والحقيقة أن "عبد الوهاب" لو كان توجه بفقهه اللي علمهوله الشيخ "همفر" للناس مكانش حد مشي وراه.. لكنه بإيعاز من إنجلترا بدأ يحيي تراث كاد أن يندثر .. تراث لولا إحياء الوهابية له.. كان زمانه انتهى وراح في طي النسيان.

تراث "تقي الدين ابن تيمية الحراني".

وعشان نمسك الوهابية ونتكلم عنها وعن حروبها كويس.. لازم نقف للحظات عند االراجل دا.

ففي الإسلام لا يحل قتل النفس إلا لأسباب تعد على الأصابع.. زي النفس بالنفس.. وقطع الطريق أو الإرهاب والخروج على الدولة.. وما إلى ذلك.

ولكن في فتاوى "بن تيمية" في شيء مختلف تمامًا.. فقد وردت كلمات زي "حلال الدم" 22 مرة ، و "فإن تاب وإلا قُتل" 100 مرة ، و "يُقتل" 849 مرة، و "تضرب عنقه" 41 مرة...!

وانطلق "ابن تيمية" يكفر في فتاويه بلا حساب.. فوردت في مجموع الفتاوي كلمات زي "كافر مرتد" 29 مرة.. و "كافر" 917 مرة.. لدرجة إن السلطان استدعاه إلى مصر سنة 705 هجرية، وعُقد له مجلس بالقلعة من قضاة المذاهب الأربعة.. وناظروه.. وأصدروا حكمهم عليه بأنه جاهل مبتدع.. وصدر حكم بسجنه بناء على ذلك.

وتوسط البعض للإفراج عن "ابن تيمية".. وجيء بالقاضي "بدر الدين بن جماعة أبو عبد الله الكناني الحموي".. قاضي مصر والشام.. ودا اللي كان بيلقب بالفعل بـ"شيخ الإسلام".. واستمع إلى كلام "بن تيمية" وفتاويه.. ثم قرر الإفراج عنه بشرط أن يمتنع عن الفتوى للأبد.. وبيرفض ابن تيمية وبيفضل في السجن.

بيتوسط له الأمير "حسام الدين مهنا" أمير "تدمر".. فبيفرجوا عنه بعد سنة ونص.. مع وعد أنه يمتنع عن الفتوى.

ولكن بمجرد خروجه من السجن.. بدأ "ابن تيمية" يتمشى في الأسواق والمساجد ويفتي ويتكلم.. وشرع في تكفير الصوفية.. فاشتكاه بعضهم وعلى رأسهم الفقيه المالكي "ابن عطاء الله السكندري" عند السلطان.. فاستدعاه وعقد له مجلس في دار العدل .. وفيه قال الفقهاء أنه "رجل مجنون".. وخيره القاضي بين 3 أمور.. إما يرجع بلده "دمشق".. أو يقعد في الإسكندرية.. بس يقعد مؤدب ساكت.. أو يتحبس.. فاختار أنه يرجع دمشق.

ماقعدش في دمشق كتير.. ورجع منها على إسكندرية.. وبدأ برضه يفتي.. لحد ما اتهدد بالحبس من جديد ففرّ إلى دمشق يفتي هناك.

والعجيب إن دمشق نفسها.. موطنه.. ماستحملتوش كام شهر.. فتصدى له القاضي "شمس الدين بن مسلم الحنبلي" وناظره.. وفاز عليه.. ونصحه يتوقف عن الفتوى.. فوافق "ابن تيمية" على مضض.

لكن مفيش كام يوم ورجع تاني للفتوى قائلا "لا يسعني كتمان العلم!".. وبعدين راح مكفر "ابن سينا" نفسه.. وقال عنه:

"إنما أخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية"...!

فصدر أمر من السلطان نفسه بمنعه من الفتوى.

رفض "ابن تيمية" طاعة الأمر.. وفضل يفتي.. فصدر أمر جديد من السلطان بيأكد على منعه من الفتوى.. ولما لم يمتثل.. اتعقدت له برضه محاكمة على المذاهب الأربعة.. وناظروه.. وصدر قرار بحبسه.. وفضل في السجن حتى وفاته سنة 728 هـ .

من فتاوى ابن تيمية إنك إذا وقفت في المسجد وقلت بصوت مسموع "نويت أصلي صلاة كذا".. تستتاب وإلا تقتل! مجموع الفتاوى (ج 22 صـ236)‏، واللي يصطاد ثعبان ويأكله يستتاب وإلا يقتل .. مجموع الفتاوى..(3 - 51).. ومن يتأخر عن الصلاة لعمل أو صيد أو غيره يستتاب وإلا يقتل.. مجموع الفتاوى..(5 - 80)‏.. وعشرات الفتاوى الشبيهة.

علشان كده اتحاكم واتسجن.. واتسجن معاه تلميذه ابن القيم الجوزية سنة 726 هجرية.

طبعًا المنشور دا حيبقى "حرب على الإسلام".. مع إن مش أنا اللي حبست "ابن تيمية" في سجن القلعة وقلت عليه مجنون مبتدع ضال.. حبسه فقهاء عصره.

بس برضه.. حابقى "علماني كافر" و "من أتباع إسلام البحيري".. اللي مابحبوش ولا باتابعه بالمناسبة.. رغم إن دي وقائع مثبتة كتبها فقهاء زي "ابن كثير".. مش من تأليفي.

دا تراث ابن تيمية اللي أحياه الوهابية وشرعوا في تطبيقه بالسيف.. النهاردة بالمناسبة معظم فتاوى داعش مستندة للتراث ده.

أما حرب "محمد علي" على الجماعة الرهيبة دي، فمكانتش سهلة زي ما اتصور في البداية...

والحرب دي نتكلم عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

---------

منشورات سابقة:

---------

1 - http://bit.ly/30anGpF

2 - http://bit.ly/2Q7e6zv

3 - http://bit.ly/2VVkcrX

4 - http://bit.ly/2WdncAb

5 - http://bit.ly/2HzZSo7

6 - http://bit.ly/2MeJZHO

7 - http://bit.ly/30Y8tZo

8 - http://bit.ly/2K6yBMd

9 - http://bit.ly/2FczAXt

10 - http://bit.ly/2F176PY