إذا كان "عبد الوهاب" أحيا اتراث "بن تيمية".. ليه نجح "عبد الوهاب" وكوّن جيش هائل.. بينما فشل "بن تيمية"؟ السؤال دا مهم جدًا ومحوري في الأحداث.. وإجابته ببساطة هو إن "بن تيمية" بدأ حركته في بيئة حضرية.. ثلاثي الحضارة في المربع دا.. وموطن آلاف الفقهاء والعلماء.. مصر والشام والعراق.. بينما بدأ "عبد الوهاب" دعوته في منطقة بدوية.. وسط ناس بسيطة على الفطرة.. قدر يضحك عليها بسهولة.
"عبد الوهاب" كان تحالف مع "الأمير محمد بن سعود بن محمد آل مقرن".. ومنحه الأخير رجال وجيش.. بالإضافة لأتباع ودراويش "عبد الوهاب" نفسه.. كونوا قوة لا بأس بها.. حاربوا أمراء السعودية.. وبدأوا ينتصروا عليهم واحدًا تلو الآخر.. هزموا حاكم المدينة.. واتحرك لهم شريف مكة، الأمير "غالب بن مساعد" على رأس جيش.. لكن جيشه ,وقع في كمين محكم في نجد.. واتهزم ورجع للحجاز.
بيزحفوا على مكة المكرمة نفسها وبيدخلوها في 9 محرم 1208 هجرية، 1793 ميلادية؛ وبيدخلوا المدينة المنورة بعدها بعامين.. وبيقول الجبرتي عن تلك الموقعة:
"لما استولى الوهابيون على المدينة المنورة هدموا القباب التي فيها وفي ينبع ومنها قبة أئمة البقيع بالمدينة، وحملوا الناس على ما حملوه عليه في مكة وأخذوا جميع ذخائر الحجرة النبوية وجواهرها حتى أنهم حصلوا على أربع سحاحير من الجواهر.. المملاة بالماس والياقوت.. العظيمة القدر".
هدموا كل الآثار اللي قابلتهم.. هدموا قبة السيدة "خديجة" رضي الله عنها، وقبة خاصة في موطن ميلاد الرسول ﷺ.. وسرقوا ما أمكن من الحلي والجواهر.
للأسف "محمد علي" مقابلش "عبد الوهاب" قط وإلا كان عمله قصرية زرع حرفيًا.. "عبد الوهاب" مات سنة 1791.. بينما بدأ "محمد علي يتحرك ضد الحركة الوهابية بعدها.. كان أولاد "عبد الوهاب".. "حسين وإبراهيم وعبدالله وعلي وعبد العزيز" بيكملوا المسيرة.
في أواخر العام 1810، بيبعت "محمد علي" ابنه "أحمد طوسون باشا" لقتال الوهابيين.. وبيتحرك الأسطول المصري من ميناء السويس.. وبتلتقي قوات الحركة الوهابية بالأسطول المصري في ميناء "ينبع".. وبيقضي على الوهابيين فيها ويحتلها.. ويهرب أميرها الوهابي "جابر بن جباره العياشي" إلى المدينة المنورة.. وبعدها بيتقدم أحمد طوسون" إلى "بدر".. وكان معد له كمين محكم هو قواته.. بس بينجو منه وينتصر.. وبيقتل أمير قحطان الوهابي "هادي بن قرملة".
بيعسكر "طوسون باشا" برجاله في ينبع.. وكانوا 4000 جندي مصري.. وهنا الدولة العثمانية بتبعت لـ"محمد علي" مدد من القوات العثمانية.. فبيغلط غلطة عمره ويقبله ويبعتهم لأحمد طوسون.
وفي يناير من العام 1812، بيتحرك "أحمد طوسون بـ8000 جندي، نصهم من الأتراك، إلى "وادي الصفرا".. فبيخرج له الأمير "عبد الله بن سعود" بعشرة آلاف جندي.
وكان "عبد الله بن سعود" كان استغل وجود "طوسون" في "ينبع".. وحفر خندق كبير في "وادي الصفرا".. أخفى فيه نصف فرسانه، بينما الباقين انتظروا "أحمد طوسون" فوق الجبل بقيادة "عثمان بن عبد الرحمن المضايفي".
ولما وصل "أحمد طوسون" إلى وادي الصفرا.. بدا الجو هاديء تمامًا.. فبدأ يعسكر هناك.. وبمجرد ما نصب خيامه ووضع الجنود أسلحتهم.. هاجمه "عبد الله بن سعود" من قلب الخندق من الميمنة.. ودي كانت الجهة اللي فيها القوات التركية.. اللي بدأت تنسحب وتفر.. وعملت ارتباك هائل ودمرت المعسكر وماعرفتش تكون تشكيل.. بينما في نفس الوقت.. بتلتحم القوات المصرية مع "عثمان المضايفي" المندفع من فوق الجبل مع فرسانه.. تحت غطاء من السهام.
بيصدر "طوسون" أمر بالانسحاب.. وبينسحب مع التشكيل المصري فعلًا.. بينما التشكيل التركي اللي كان في حالة فوضى مروعة.. بيقتنص الوهابيين معظمه.. ماعدا بضع مئات.. بيرجعوا مع "أحمد طوسون" إلى ينبع.
ومن ينبع، بيرسل "طوسون" لـ"محمد علي" يحكي له اللي حصل ويطلب مزيد من الجنود.. ولما بتحاول الدولة العثمانية ترسل المزيد.. محمد علي بيرد عليها بلطف وأدب وقرف أنه "متشكرين.. احنا حنتصرف".. فبيبعت لطوسون المدد اللي طلبه من القاهرة..
وكان "أحمد طوسون" ثعلب زي أبوه.. فأثناء تحصنه بينبع.. بيغري أمراء القبائل من حوله، بين ينبع والمدينة المنورة.. بالمال والهدايا.. وبيضمهم لصفه.. وبيعيد ترتيب قواته.
وكان الوهابيين فضلوا معسكرين في "وادي الصفراء".. متصورين أنهم بكده حيمنعوا تقدم "أحمد طوسون".. لكنهم بيفاجأوا به بيهاجمهم بغتة، ويدحر قواتهم.. ويتقدم ويحتل المدينة المنورة.. وبعدها الطائف وبعدهم مكة المكرمة.
وذات صباح.. بيوصل لـ"محمد علي" في القاهرة مبعوث خاص، بيحمل رسالة بالغة الأهمية من ابنه "أحمد طوسون".
وكانت الرسالة دي هي مفاتيح الكعبة المشرفة.
ودا كان نصر عظيم.. ارتاح له "محمد علي".. اللي عقله كان بيشتغل طوال الوقت.. بعدما رصد جبن وغباء الجنود العثمانيين.. وتسببهم في هزيمة "وادي الصفرا" اللي أحنقته.. وزاد من حنقه إصرار الآستانة على أنه يبعت لها مفاتيح الكعبة.. فبيبعتها على مضض.. خوفًا من أن الآستانة تحس بما يعتمل في أعماقه وما يضمره نحوها.
وبدأت تتبلور في ذهن "محمد علي" خطة جديدة رهيبة.. لو نجح فيها، يبقى فاز بكل شيء.. ولو فشل.. يبقى سقط إلى الهاوية.
ولكن الخطة دي كانت محتاجة أنه يبسط سيطرته علي الحجاز بالكامل أولًا.
وبيتقدم "طوسون" إلى تَرَبة والحناكية.. لكن الوهابيين كانوا حصنوهم كويس.. فمعرفش يدخلهم.. فبيعود أدراجه ويفكر في خطة جديدة.
لكن في اللحظة دي بيوصل المدد من القوات الإنجليزية للوهابيين.. والمدد كان عتاد وسلاح و.. وخطة.
ولأول مرة من بدء المعركة.. بيقوم الوهابيين بحركة عسكرية ذكية بخلاف المواجهات المباشرة.. بيقطعوا طرق المواصلات بين مكة والمدينة.
وبيتوقف الحج.. وبتتوقف القوافل.
والقوافل دي وسط الصحراء تعني الحياة نفسها.. تعني الأكل والدواء والمياه...
وبيبدأ جنود "أحمد طوسون" يصيبهم الضعف والإعياء من قلة الطعام والمياه.. وبينتشر بينهم المرض.. فبيبعت "أحمد طوسون" مرة تانية إلى والده يطلب العون.
وبيدرك "محمد علي" أن العبط اللي بيحصل دا بيعيق أحلامه وطموحاته، فبيتحرك بنفسه على رأس جيش في 26 أغسطس سنة 1812 وبيغادر القاهرة ويوصل إلى جدة.. ومنها إلى مكة.. وبيأدي فريضة الحج.. وبعدها بيهاجم على الفور.. لكن مع اندفاعه الغير مستند إلى خطة.. بيفشل في التقدم السريع اللي كان بيطمح له.. لكن بيحتل القنفذة .
ولكن الوهابيين بيبرزوا بغتة بخطة ذكية جديدة.. ونوع من أنواع الحروب مكانش مألوف ولا معروف لكثيرين في العصر ده.
حرب العصابات.
مناوشات وهجوم متفرق طول الوقت.. بينهك "محمد علي" في شدة.. فبيضطر ينسحب من القنفدة.. وبيبدأ يواجه حروب العصابات اللي مش فاهمها ولا متعود عليها دي.. وبتستنزف جنوده وموارده.. لحد ما بيتوفي عدوه "سعود بن عبد العزيز" في 27 أبريل سنة 1814.. وبيخلفه "عبد الله بن سعود".. ودا رغم كونه وهابي الفكر.. بس كان شريف في حربه، ورفض يتعامل مع الإنجليز.. وقرر يحط الخطط العسكرية بنفسه.. ومع قلة خبرته.. بينتهز "محمد علي" الفرصة.. وبيتحرك مع "أحمد طوسون" في آن واحد.. فبيسيطر على "بسل" وتربة والقنفدة.. وبيسيطر "طوسون" على نجد.
ولكن فجأة بيحصل شيء قاتل.. كاد أنه ينهي طموحات وأحلام "محمد علي" وينتزعه من عرش مصر.. وربما ينهي حياته نفسها...
فأثناء حربه مع الوهابيين.. بتجتمع فرقة من العثمانيين والأرناؤوط (وهو في الأصل اسم يطلق على سكان ألبانيا).. وبيقرروا يخلعوا "محمد علي" ويحتلوا عرش مصر.
وبينسحب "محمد علي" من شبه الجزيرة.. ويرجع مصر، وبيحارب المتمردين ويقضي عليهم بالفعل.. لكن بتقابله مشكلة جديدة.. وهو أن "أحمد طوسون" مبقاش عارف يحقق الانتشار المطلوب بالقوات اللي عنده.. وفي الوقت نفسه كان الوهابيين جمعوا شتات أنفسهم وبيهاجموه في نجد ومكة والمدينة.
وكان "طوسون باشا" قد أصيب في آخر معاركه.. وبدأ يكتنفه المرض.. فبيبعت "محمد علي" يستدعيه.. وبيجتمع "محمد علي" بابنه "إبراهيم باشا".. ويدرسوا الموقف سويًا.. وبيشرح له "محمد علي".. إنه حيتولى القيادة بدل "أحمد طوسون".. وبيشرح له خطة جديدة.. لو قدر "إبراهيم" ينفذها صح.. تقضي علي الحركة دي للأبد...
والخطة دي نتكلم عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
---------
منشورات سابقة:
---------
1 - http://bit.ly/30anGpF
2 - http://bit.ly/2Q7e6zv
3 - http://bit.ly/2VVkcrX
4 - http://bit.ly/2WdncAb
5 - http://bit.ly/2HzZSo7
6 - http://bit.ly/2MeJZHO
7 - http://bit.ly/30Y8tZo
8 - http://bit.ly/2K6yBMd
9 - http://bit.ly/2FczAXt
10 - http://bit.ly/2F176PY
11 - http://bit.ly/2K8A2de