إتكلمنا سوا عن أجيال الحروب الثلاثة، ووصلنا لـ"حرب الجيل الرابع 4GW" و شفنا ازاي بتمسح الخطوط الفاصلة بين الفضائل و النواقض.. و تخلط التعريفات، بحيث مايعرفش المرء الفرق بين الوطن و الدين، و لا المدني و المقاتل، و لا الحقيقة و الشائعة.. و إزاي الحرب النفسية عن طريق الإعلام هي الركيزة الأساسية فيها، بنسبة تكاد تصل لـ80%.. بينما حرب العصابات بتمثل الباقي..
الكلام دا في أول مرجع للي يحب يراجعه...
- حروب الجيل الرابع ليها عدة خصائص.. من ضمنها إنها: 1 - مرهقة و طويلة المدى لأي دولة.. 2 - بتستعمل تكتيك الإرهاب (خد بالك الإرهاب تكتيك.. مش فكر) ؛ 3 - المقاتلين اللي بيحاربوا الدول فيها مالهمش قيادة.. و ماتعرفش مين تبع إيه.. زي ما شفنا في سوريا و ليبيا كمثال.. خمسين لواء و خمسين فصيل إرهابي و ماتعرفش مين تبع التاني.. 4 - بتستعمل الميديا بقوة.. 5 - بتهاجم مدنيين مالهمش علاقة بالأطراف المتحاربة.. زي ما بنشوف انهم ساعات بيزرعوا قنبلة في قطار أو طائرة.. خد بالك دا مش وسائل نقل عسكرية دي وسائل بيركبها كل الناس.. حتى المؤيدين ليهم..
عشان كده الإرهابي عنصر قوي مهم في حرب الجيل الرابع.. لأنه مبيعملش وزن لحياة أي حد.. حتى مؤيديه.. بعكس الدولة اللي بتسعى للحفاظ علي أرواح الأبرياء طوال الوقت...
أما الأهم و الأخطر فهي إنها: 6 - بتهاجم ثقافة المجتمع بشكل مباشر...
- إزاي بتهاجم ثقافة المجتمع مباشرة؟ تعال نشوف مع بعض.. و نقارن.. و انت تعرف لوحدك و حتلاقي أمثلة بتيجي في راسك لوحدها...
سنة 750 ميلادية تقريبا؛ رجل الدين و العالم الجليل "الخليل بن أحمد الفراهيدي Al-Khalil ibn Ahmad" اللي أعرب القرآن الكريم ووضع علم العروض و اتتلمذ "سيبويه" علي إيديه، دخل في مناظرة مع أستاذه "عمرو بن العلاء".. مناظرة في علم النحو و قواعد اللغة..
المناظرة كانت قوية للغاية.. حامية و الحماس متملك الجميع.. المتناظرين و الحضور..
و بعدين وصلوا سوا لآخر سؤال في المناظرة.. سأله أستاذه عن مسألة نحوية، كان قتلها بحثا مع تلاميذه قبلها بيوم و عارف إجابتها كويس أوي.. لو "الخليل بن أحمد" جاوب السؤال دا.. يفوز علي أستاذه...
و لدهشة الحضور، ووسط ذهولهم.. رد الخليل بإنه مش عارف الإجابة..
ربح "عمرو بن العلاء" المناظرة، و خرج الخليل مهزوم.. فلما سألوه الناس ليه مجاوبش علي السؤال و فاز بالمناظرة.. كان رد الخليل إن "عمرو بن العلاء" أستاذه، علمه و علم الناس فوق الستين سنة.. و في الآخر و هو بيناظره فاق من الحماس.. و أدرك إنه لو فاز عليه حايضيع حرمته و يهز صورته أمام الجميع.. ففضل إنه يخسر...
الحقيقة إن هي دي ثقافة مجتماعتنا بالضبط.. احترام الكبير و توقيره.. و في الحديث الشريف "ليس منا من لم يوقر كبيرنا".. اتربينا علي ده طول عمرنا...
قارن التفكير دا باللي بيحصل النهاردة، بشاب اختلطت في ذهنه المفاهيم.. و انقلبت عنده الحقائق و اتبدلت ثقافته.. لدرجة إنه بيقول علي أبوه "جيل عرّة فاشل" و بيشهر بيه في كل وقت، لمجرد إنه مختلف معاه سياسيا.. أو مش متوافقين علي مرشح معين..
قارن التفكير دا بواحد ناشر صورة أمه و هي واقفة في طوابير لجان الإنتخابات و بيتمنى لها الموت.. عشان شايف إن موتها هو السبيل لأنه هو يعيش...
قارنت؟ شفت حرب الجيل الرابع ممكن تعمل إيه؟ ممكن تعمل كتير جدا.. ممكن تفكك المجتمع حتى علي مستوى الأسرة و تحولك لحيوان متعطش للدم.. مابتفكرش غير في الدم و الموت و الخراب.. و شفنا بعنينا.. اللي بيقتل أمه و يدبح أبوه.. من أجل الخلافة الأمريكية...
بتسمع دا و تشوفه كل يوم بالفعل.. بتلاقي الشاب المحترم ابن الناس.. بيقولك بالحرف: "بكرة تقوم ثورة جياع و تعرفوا إن كلامي صح"..
يعني هو بيتمنى يشوف أبوه و أمه و أخته و عمته و جدته بيموتوا من المجاعة و بيتقاتلوا علي الرغيف و بيتحولوا لهياكل عظمية غائرة العيون من فرط المسغبة.. عشان "نعرف إن رأيه صح"...
تعال ناخد أمثلة تانية علي الهجوم الضاري علي ثقافة المجتمع.. المرة دي انا حسألك و أنت مش حتلاقي إجابة منطقية..
"ليه رُفع علم القاعدة و الإخوان في مصر؛ و الأحواز في تونس؛ و الإنتداب الفرنسي في سوريا؛ و علم (ما قبل الجمهورية) في ليبيا؟"
ايه علاقة دا بالثورة علي النظام الحاكم؟ في خلل برضه و خلط بين كلمات زي "دولة".. "نظام".. "حكومة".. "وطن" و "رئيس".. التعاريف دي اختلطت و بقت كلها واحد.. لدرجة إن شاب ثائر يروح يأيد و ينضم لدولة تانية في حربها علي وطنه، لمجرد إنه مش عاجبه رئيس الدولة...
ليه اتغير العلم؟ العلم ايه علاقته؟
مفيش إجابة.. صح؟
الحقيقة مفيش أي علاقة بين تغيير النظام.. و استبدال علم البلد اللي موجود بقاله عشرات السنين و بتتعاقب عليه الأنظمة و الحكومات.. بس هدف تبديل العلم في الحقيقة هو "تغيير كل شيء على الأرض و في بنية المجتمع..."
يعني مش بس علي مستوى القيادات، اللي بسوء إدارتها اتسببت في خلل في العدالة الإجتماعية أو تفشي للفساد أو الإهمال أو تقييد الحريات.. لا.. "على مستوى المجتمع"..
الشباب النضيف اللي نزل في يناير متصور إنه بيدفع بلده للأمام و رفع علم مصر.. دا لازم ينتهي و ينقرض.. لازم "يكره الوطن" و يحرق العلم.. لازم تفكيره يتغير...
المستهدف مش النظام مطلقا.. ماهي الدول اللي بتدعم التغيير و الثورات و الديموقراطية.. عاشت مع الأنظمة دي سنين طويلة.. اكتشفوا فجأة يعني إن مفيش ديموقراطية؟
المطلوب هو ضرب كافة عوامل صمود المجتمع و تلاحمه و انتاج مجتمع جديد.. متقسم و متفرق.. قايم علي الفتنة و المذهبية و الطائفية كشريعة و قانون...
المستهدف هو تدمير كيان الدولة القائمة بكامله و اعادة انتاجه بصيغة تتوافق مع مصلحة اللي مسلط عليك حرب الجيل الرابع.. فقط.. راجع تدمير الآثار و التراث في العراق و سوريا.. و أتأكد بنفسك من صحة كلامي.. أنت سايب الثورة و الخلافة و رايح تكسر تماثيل طوب؟ يا ترى ليه؟
تدمير ثقافي شامل.. تجريف.. بيغير ثقافتك عشان يهيأك تتقبل اللي هو عايزه...
يعني لو من مصلحة اللي بيحاربك إنه يشيل ديكتاتور.. و يجيبلك ديكتاتور بدقن.. حيغيرلك بنية المجتمع بالكامل عشان تتأهب لتقبل الفكرة دي.. و يبقي المجتمع كله متطرف متشدد.. و يبدأ ينشر لك الأفكار التكفيرية.. و تفاجأ علي الشاشات العالمية للبي بي سي و السي إن إن بـ"القرضاوي".. و "العريفي" و غيرهم.. و هم بيبثوالك فكر متطرف..
الفكر دا هدفه يهيأك لتقبل فكرة إن تحكمك جماعة إرهابية متطرفة، ماهو خلاص بقى.. فكركم بقى واحد..
الخطة دي نجحت في أفغانستان بالفعل.. لما أمريكا عملتها في روسيا هناك.. و اعتلى الإرهابيين المنابر.. و افتتحوا آلاف المدارس اللي بتدرس فكرهم المتطرف.. فطلع أجيال كاملة زيهم.. متقبلين فكرة وجودهم و بيسمعوا كلامهم...
و اتغيرت ثقافة المجتمع...
و انهار...
الموت و الدم و الإرهاب و الكآبة و الكراهية تبقى ثقافة.. و ساعتها تتقبل تماما منظر طفل صغير متفخخ.. زي الصورة دي.. و هو المطلوب...
يبقي قتلة الأطفال "مجاهدين" و اللي بيحاربهم "قاتل و سفاح"..
أفغانستان نموذج لدولة نجحت فيها حرب الجيل الرابع "تغيير ثقافة المجتمع + حرب العصابات".. زي ما قلنا قبل كده.. حروب الجيل الرابع قديمة مش حديثة.. بس اللي اتكلم عنها بشكل ممنهج لأول مرة كان الأمريكي "ويليام ليند" سنة 1989...
من التجريف الثقافي اللي عملوه عندنا إن معظم الناس النهاردة مش حابة تقرا.. القراءة بقت "شيء منفر"...
يعني الناس بقت عايزة الدعابة و الكوميك الخفيفة.. و معلومات من طراز "هل تعلم إن السحلية لها ذيل".. و بكده يتصور إنه بقى مثقف..
عشان أنت لو قريت و تعمقت.. حتوصل لحاجات كتير ترفع مستوى ثقافتك و حياتك و تخليك قادر علي التصدي له.. و بالتالي خطته تفشل..
بالمناسبة صفحات الكوميكس الخفيفة، نموذج إعلامي مباشر لحروب الجيل الرابع.. لاحظ إنه نادرا لو قالك نكتة عادية.. زي النكت اللي بنتبادلها يوميا.. لأ نكته كلها سياسية.. بتسخر من المجتمع نفسه و فكرة الدولة و السلطات و الحكومات..
ممكن صفحة الكوميكس تسخر من الرئيس السيسي.. بس تسخر من "حازم أبو إسماعيل" لأ.. ممكن تسخر من عالم زي الدكتور "محمد العريان".. بس تسخر من فضيحة "مصطفي النجار" الشهيرة في المكالمة المسربة مع "ابن القرضاوي" لأ..
و خد دي بقى.. ممكن تسخر من "دونالد ترامب".. بس الست العفيفة "هيلاري كلينتون".. "لأ"...
خدت بالك من دي؟
عرفت مين بيشغل الناس دي كأداة إعلامية في حروب الجيل الرابع؟
في رابع مرجع من البوست دا حتلاقي "باسم يوسف" و هو بيقول في فيديو.. إنه "مايصحش السخرية من أردوغان طالما بيتضايق.. و مش مفروض أردوغان يرد علي اللي بيسخروا منه"..
"باسم" اللي صدر السخرية علي إنها حق مشروع من أي حد و مش من حقك تتضايق و دي حرية.. خايف علي مشاعر "أردوغان" و شايف إنه معذور و من حقه يتضايق.. دا نموذج للمفاهيم لما تختلط و الحقائق لما تتقلب...
اتكلمنا المنشور اللي فات عن دور السي إن إن في التلاعب بالعقول.. و نظرية "تأثير السي إن إن CNN effect".. الجزيرة في العلوم السياسية مصنفة زيها بالضبط.. و علماء السياسة و الإقتصاد مصنفينها على إنها بتعمل بالتوازي مع السي إن إن؛ لخلط الحقائق و بث الشائعات و التأثير علي العقول و المجتمعات بالكذب.. و أطلقوا علي دورها دا.. "تأثير الجزيرة Al Jazeera effect"..
لو مش مصدقني إرجع لخامس و سابع مرجع.. أو حتى دور بنفسك...
بالمناسبة أول من روج لداعش و شهرها و قدمها للعالم.. كانت قناة الجزيرة في 9 إبريل سنة 2013، في رسالة صوتية بثها التنظيم نفسه علي القناة ...
من أهم الأدوار اللي بتمارسها الجزيرة و سي إن إن و باقي جوقة حرب الجيل الرابع.. هي إنها "بتركز لك جدا علي السلبيات".. بتجيب من عندك الفساد أو الرشوة أو الإهمال أو غيرهم.. و تسلط عليهم الضوء و تكبرهم.. و توهمك إنك الوحيد الي بتعاني من دا.. مش كل العالم بيعاني منه..
الدكتور "جورج فريدمان Dr. George Friedman" في كتابه "ما وراء حرب الجيل الرابع Beyond Fourth Generation Warfare" بيقول لنا إنه في سبيل تحقيق دا.. لازم عدوك يهاجم أي إنجاز أو محاولة للتطور و التقدم بتعملها.. و لازم يسفه من مشاريعك القومية باستمرار بالإضافة إلي إنه يوهمك إنها بتخسر أو مالهاش أي جدوي..
دا اللي عملوه بالضبط مع كل مشروع قومي الدولة عملته.. من أول قناة السويس الجديدة، اللي بيسفهوا منها طول الوقت.. و بعدين يقنعك إنها بلا جدوي و بتخسر.. زي مشروع مساكن العشوائيات.. اللي ملقاش حاجة يقولها عنه فقالك إن الملاعب قريبة جدا من المباني..
المهم الإنجاز يتسفه و خلاص.. و تحس طول الوقت إنك فاشل سيء ضعيف.. تحس بالضغط و العجز و الفشل.. فتبدأ تتجه لحد بيوعدك بالجنة و الحوريات و النعيم.. تسمع له في رحلة البحث عن ذاتك اللي سرقوها منك.. و تنضم له..
دا الهدف...
أنت لو بقيت متفائل متحمس و اشتغلت.. تبقى فشلت الحرب.. و هو مش عايز دا مطلقا.. عايز يستمر و يكمل معاك.. لحد ما تنهار و تقع و تبقى طائفي.. كاره لوطنك و لنفسك و للحياة...
"الشيطان يعدكم الفقر".. كلمة قالها ربنا سبحانه و تعالى عن شياطين الإنس و الجن.. اللي بيعدوا الناس بالفقر و الضياع و "ثورة الجياع" و للأسف في بيعد الناس بالفقر.. و هو متصور - بسبب خلط المفاهيم في ذهنه - إنه بيدافع عن الدين...
و إن شاء الله المرة القادمة يكون لحديثنا ختام...
-------------
مراجع:
-------------
1 - https://goo.gl/hAAtYn
- https://goo.gl/T5N4NS
- https://goo.gl/uAodph
- https://goo.gl/kys7kn
- https://goo.gl/Q1MN4D
- https://goo.gl/lcSjh9
- https://goo.gl/mym53A
2 - Beyond Fourth Generation Warfare, Dr. George Friedman, Stratfor Forecasting, p. 1, July 17, 2007..
3 - Ghanshyam. S. Katoch, Fourth Generation War: Paradigm For Change...
4 - https://goo.gl/P5oGgz
5 - William Lafi Youmans, Al Jazeera Effect...
6 - Schmitt, John F. " Command and (Out of) Control The Military Implications of Complexity Theory"..
7 - "The 'al-Jazeera Effect': - The Washington Institute for Near East Policy"... https://goo.gl/SnbDey
8 - Colonel Thomas X. Hammes, 'Four Generations of Warfare' in The Sling and The Stone: On War in the 21st Century, St. Paul, MN. 2006, p 293....