بتقول الرواية أن سيدنا "علي" رضي الله عنه، كان عارف زعماء العصبة اللي قتلت "عثمان".. ورأى الانتظار لأنهم شبه احتلوا المدينة بالسلاح وانتشروا وتوغلوا فيها.. وكان من الخطر قتالهم لساعتهم لأن دا حيريق دماء أبرياء ومدنيين كتير.. ففضل الإنتظار لحد ما تستتب الأمور، ويملك مقاليد الدولة.. ويضع خطة للقصاص منهم.

ولأن قادة الخوارج عارفين أن "علي" حيقتص منهم عاجلًا أم آجلًا.. بمجرد ما تستقر له الأمور، فكانوا اتخذوا قرار أن الأمور ما تستقرش قط.. ولما انتقل الإمام إلى العراق، تسللوا خلسة إلى هناك.. بمبدأ "لا فرار من الأسد إلا إلى عرينه".

أحسن القصص بتروي أن "السيدة عائشة" رضي الله عنها كانت راجعة من أداء فريضة الحج، فأثناء عودتها بتلتقي بجيش من بضع وعشرين ألف مقاتل، على رأسهم "طلحة بن عبيد الله" و"الزبير بن العوام".. المصادر السنيّة بتناقض بعضها هنا، وبتقول "مكانوش خارجين للقتال.. دول كانوا خارجين يحثوا الإمام (علي) على القصاص".

رايحين يحثوه بـ25 ألف واحد؟ المصادر السنية والمصادر الشيعية في نقطة الفتنة الكبرى وخلاف "علي" رضي الله عنه و"معاوية"، قلبوا الموضوع إلى هوى مش تأريخ.. وكل واحد في مواطن كتير قرر يألف تاريخ على مزاجه.. ويبرر لطرف على مزاجه.. وممكن تلاقي في المصدرين.. أنهم بيرفضوا روايات معينة عشان صحابي معين في المتن.. وهم بيقدحوا في روايات الصحابي ده.. وبعدين يستندوا لروايات أخرى بتدعم معتقدهم فيها نفس الصحابي في المتن! ممكن تلاقي في المصادر السنية أحاديث نبوية بتدعم رأي معين منقولة عن "ابن عباس" رضي الله عنه كراوي أول للحديث.. وبعدين تتقصى الأمر فتلاقي "ابن عباس" في وقت الرواية دي كان عنده سنة ونص.. تلاقي روايات شيعية عن بطولات "الحسن" رضي الله عنه، وإزاي تصدي لمائة رجل مسلح وإلخ، وبعدين تلاقي أن الحسن وقت الرواية دي كان عنده ست سنين... شيء مؤسف جدًا.. ووقع العوام زيي وزيكم في حيرة.. وشككهم في كتير.. ربنا ثبتنا وقدرنا نتقصى ونوصل للحقيقة إلى حد ما.. بس في غيرنا.. العبط دا نفره من الدين تمامًا.

تقصي المرحلة دي تاريخيًا كان صعب جدًا ومرهق.. لكن الحقيقة.. أن "طلحة" و"الزبير" خرجوا للقتال.. وكان هدفهم قتال قتلة "عثمان" وتطهير المدينة منهم.. مش قتال "علي".. ولما التقوا السيدة "عائشة" نصحتهم أن القصاص بالطريقة دي.. ممكن يتطور ويقتتل فئتين من المؤمنين الأبرياء.. وطال الجدل.. فقالت لهم أنها حتيجي معاهم علشان لو وقع المحظور ودا حصل.. وبما لها من سلطة أدبية كأم للمؤمنين.. تصلح بين الفئتين.. وبتنصحهم بالتوجه إلى العراق وجمع الكلمة والقوات مع "علي".. ومنها يبدأ الجميع في القضاء على رؤوس الخوارج فيها .. فبيتحركوا بالفعل إلى هناك.

وبيتحرك الجيش الكبير.. وبتوصل الأخبار إلى العراق.. وبينما الجماعة على مشارف البصرة، بيروح واحد من الخوارج اللي هم اسمهم "السبئية" لو تفتكر، لحاكم البصرة "عثمان بن حنيف" وبيقول له أن عائشة جت على رأس جيش تحتل البصرة.. فبيحرك لها هو كمان جيش من 30 الف رجل.. بقيادة "الأشتر النخعي" و "محمد بن أبي بكر".. وبيلتقي الجمعان على مشارف البصرة.

لما أصحاب "عائشة" بيشوفوا "محمد بن أبي بكر" على رأس قواد البصرة بيصابوا بغضب هائل وحنق شديد.. لأنه كان ورد لعلمهم أن كان من مقتحمي منزل "عثمان بن عفان" في نفس الليلة التي قُتل فيها.. وبيتكهرب الجو وتنشأ حالة من التحفز والعداء.. وبيقرر أصحاب "عائشة" أن منعهم من دخول البصرة، دا يعتبر إعلان حرب عليهم.. فبيتقدم "طلحة" و"الزبير" ويخطبوا في الفريقين معًا.. وبيأيد كلامهم أصحابهم.. بينما بيرفضه قوات البصرة.

وهنا قامت السيدة "عائشة" وخطبت في المعسكرين بدورها.. والمرة دي.. أيدها معسكرها ونحو خمس آلاف من قوات البصرة.. انضموا لمعسكرها، فبقى قوام الجيش تحت قيادة "النخعي" و"بن أبي بكر" نحو 30 ألف.. قصادهم 20 الف.. هم كل قوات حاكم البصرة.

بعد خطبة عائشة بيتقدم من قوات البصرة واحد اسمه "حكيم بن جبلة العبدي"، ودا مكانش من الخوارج بس دماغه كانت بعافية شوية.. فقرر يطور الأمر إلى معركة.. فقامت "عائشة" مرة أخرى بدورها إللي خرجت أساسًا من المدينة لأجله.. كف الناس عن القتال.. وكان الأخ "ابن جبلة" بيلهب مشاعر الناس ويدعو للقتال.. فبتصيح فيه السيدة عائشة وتتهمه بالخرق بسلطتها الكاسحة كأم للمؤمنين.. فهنا "حكيم بن جبلة العبدي" راح شاتم السيدة "عائشة".. ولما أنكر عليه الناس سبابه لها.. رفع عليهم سلاحه.

بيتشحن الجوا أكتر، وبيبدأ الفريقين يرموا بعض بالطوب والحجارة.. بيوصل مندوب من "علي بن أبي طالب" نفسه إللي عرف بالأمر، وبيبدأ ينادي في الجموع أنها تتوقف عن التراشق والشجار.. لكن محدش بيسمعه.. وبتحصل فوضى عارمة، مع صياح "ابن جبلة" المستمر بسباب "عائشة"، فبيغلي الدم في عروق "الزبير"، فبينطلق بكتيبة من الفرسان على قوات البصرة، في غارة ناجحة.. بيتقتل فيها "ابن جبلة".

المعركة اللي دارت دي حصلت أمام جمل السيدة "عائشة" وهي مستترة فيه بهودج من حديد.. عشان كده بقى اسمها "موقعة الجمل". المصادر الشيعية مصممة على أنه لولا الواقعة دي.. مكانش حصلت "صفين" فيما بعد بين جيش "علي" وجيش "معاوية".. الحقيقة "صفين" مالهاش علاقة.. "معاوية" في كل الأحوال كان طامع في كرسي الحكم.

العجيب أنه مع مقتل "ابن جبلة"، بيهدأ الطرفين.. وبيتكلم مبعوث "علي" مع "عثمان بن حنيف" فبيقرر يسمح لقوات "طلحة" أصحاب "عائشة" بدخول البصرة بشرط.. أن الجنود دي كلها تبتعد عن المرافق والدور الرسمية العامة.. كبيت المال ودار الإمارة.. غير كده.. يقدروا يقيموا في أي مكان يحبوه.

وفي نفس الوقت كان الإمام "علي" بيتحرك للبصرة عشان يحل الأزمة.. وبيبعت قبله "القعقاع بن عمرو" يشوف الموضوع.. فبيدخل "القعقاع" على "عائشة" ويسلم عليها ويسألها: "أي أماه، ما أقدمك هذا البلد؟ " فبترد عليه وتقول له : "أي بني الإصلاح بين الناس"، وكان "القعقاع" خبير عسكري محنك، فبيدرك أن "عائشة" رضي الله عنهم صادقة ومالهاش نية أصلًا في القتال.. فبيبدأ يسعى للصلح بينها وبين "علي بن أبي طالب".

لما بيتم الصلح.. الجماعة الخوارج مابيعجبهمش القصة دي.. فبيبعتوا منهم رجلين إلى نزل السيدة "عائشة" يقفوا على بابها يشتموها، وكأنهم مبعوثين من الإمام "علي" نفسه.. فبيعرف الإمام "علي" بالأمر.. وبيأمر بتجريدهم من ملابسهم وجلدهم على الملأ.. وبيخطب "علي" في الناس خطبة عن الاعتصام والوحدة والحب والإخاء.. وإلخ.. وبالفعل بيتم الصلح بين الطرفين.. وبيبدأوا الاتفاق والتشاور حول موضوع القصاص من قتلة "عثمان".

ودا كان طبعًا كارثة على الجماعة الخوارج اللي دم عثمان لازال طازجًا في أيديهم.. فبتقرر الجماعة السبئية أن الأمر لازم يتطور أكثر.. فبيلجأوا إلي خطة في غاية الخبث والذكاء.

والخطة دي نتكلم عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

-------------

منشورات سابقة:

-------------

1 - http://bit.ly/2Rm5tBs

2 - http://bit.ly/2RACrOV

3 - http://bit.ly/2NeseJs

4 - http://bit.ly/2XoDruI

5 - http://bit.ly/2IAYulr

6 - http://bit.ly/2IYrjHm

7 - http://bit.ly/2IKnM0s

8 - http://bit.ly/2FBavFz