من أول خطوة وقبل ما نتكلم في فكرة "الخلافة" نفسها.. لازم نعرف إنها - كمعظم الأحكام - مختلف في تفسير معناها والمقصود منها.
البعض قال لنا هي "استخلاف قائد مسلم على الدولة الإسلامية".. والبعض قال "لأ.. لا يشترط أن الدولة تكون إسلامية".. وناس قالت "المهم بيحكم البلاد مسلم.. فيبقى خليفة بشرط.. إنها تمشي بالشريعة الإسلامية".
البعض توسع أوي في مفهومها.. واعتبرها امتداد للنبوة نفسها.. ودا اللي عليه العامة النهاردة.. لو انتقدت أى فعل لأي خليفة من الخلفاء النهاردة الناس بترد عليك باعتبار أن الخليفة امتداد للنبي.. وإن أفعاله مقدسة لا تناقش.. رغم إن دا مش فقه أهل السنة.. دا مذهب بعض فرق الشيعة.. اللي نفس الناس.. بتشتمها طيلة الوقت.
تفسيرات متشعبة.. واجتهادات.. وفرق كتير. وكل فريق له فقهه وأحاديثه اللي بيستند إليها.
محتاجين النهاردة نسافر عبر الزمن إلى العام 632 ميلادية.. يوم الثامن من يونيو.. القرن السابع الميلادي.
يوم وفاة الرسول ﷺ.. "أبو القاسم مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب".
بلبلة هائلة بتحصل بين صفوف الصحابة، بلبلة وتوتر وعصبية وشحن، محدش كان متوقعهم.. لدرجة أن "عمر بن الخطاب" رضي الله، استل سيفه وقال غاضبًا: "والله ما مات رسول الله".
قلائل كانوا متوقعين التوتر دا، منهم "العباس بن عبد المطلب الهاشمي"، عم النبي نفسه.. اللي قبيل وفاته طلب من "علي بن أبي طالب" رضي الله عنهما، أنهم يروحوا للنبي ويسألوه "هل علي بن أبي طالب يستخلفه".. ولكن "علي" بيرفض دا تمامًا وبيرد على العباس "لا أسألها رسول الله"...
يعني هو مايطلبش يتعين حاكم.. ودا على فكرة جزء شديد الأهمية من جوهر الحكم في النظام دا.. إنه الحكم ما بياخدهوش اللي بيطلبه.. اللي عايز يبقى حاكم أو رئيس أو وزير طبقًا لهذا النظام، يتمنع عنه المنصب.. وكان النبي بيقول على الكراسي والمناصب:
"إنا لا نعطي هذا لمن سأله ولا من حرص عليه".
النقطة دي مهمة جدًا علشان حانرجع لها في الآخر.
"أبسط يدك أبايعك.. فيقال عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله، فلا يختلف عليك أحد".. بيكررها العباس للشاب "علي بن أبي طالب" بعد وفاة الرسول ﷺ.. لكن "علي" بيرفض.. في مراجع بتقول إن "علي" رفض لأنه كان متأكد أنه حيكون الحاكم بعد النبي.. وكان العباس عارف إن "علي" شاب عنيد صعب المراس.. فمابيكررش العرض مرة تانية.
والحقيقة إن الشقاق كاد يقع بين المسلمين في اللحظة دي بالذات.
مين يتولى الحكم بعد وفاة النبي ﷺ؟
في الوقت اللي كان آل البيت بيجهزوا جسد النبي ويغسلوه ويكفنوه.. جماعة من الأنصار بيروحوا يجتمعوا في مكان اسمه "سقيفة بني ساعدة".. ودي حتة في الجهة الشمالية الغربية من المسجد النبوي - كانوا متعودين يجتمعوا فيها - عشان يجاوبوا على السؤال دا.. ويختاروا واحد منهم.
قائمة الناس اللي حضرت الاجتماع دا بالكامل مفقودة تاريخيًا.. بس في أسماء معينة نقلتها لنا الروايات من قادة الأنصار.. زي "سعد بن عبادة" و"بشير بن سعد" و"الحباب بن المنذر"...
والظاهر إن الجماعة الأنصار المجتمعين دول.. كانوا ناويين يتفقوا علي حاكم.. ويخرجوا به على الناس يبايعوه وينتهي الموضوع.. وكان الإجتماع شبه سري.. لأن "عمر بن الخطاب" بيعرف به مصادفة.. فبيقرر يحضره.. وبيبعت في طلب رجل آخر.. كان مشهور بأنه شديد القرب من النبي.. وأكثر الناس تصديقًا واتباعًا له.
الصحابي "أبو بكر عبد الله بن أبي قُحافة" اللي احنا نعرفه بأبو بكر الصديق، رضي الله عنه.
والحقيقة إن أبو بكر" كان رجل ذو هيبة.. مش بسبب قوة جسمانية أو أو صفة جسدية خاصة.. الحقيقة أنه كان قصير القامة نحيف، ضئيل الجسد، لكن ذو كاريزما هائلة، ساعده على تنميتها مكانته الخاصة بين الصحابة.
فلما بيصلوا للسقيفة.. بيلاقي الجماعة الأنصار ملمومين على "سعد بن عبادة" وكان رجل ضعيف مريض.. وبيتحاوروا ويتناقشوا حول مين منهم يبايعوه خليفة.. . فلما أراد "عمر" أنه يرد عليهم، "أبو بكر" بيسكته.. وبيقول لهم.. إن قدامهم واحد من اتنين يختاروا منهم.
"عمر بن الخطاب" أو "أبو عبيدة بن الجراح".
كاد الأمر يتطور إلى جدال عنيف، خاصة أن "عمر" مد يده وقتها لـ"أبو عبيدة".. وطلب يبايع "أبو عبيدة" كخليفة.. لكن "أبو عبيدة" رفض، وقال إنه مايقدرش يقبل دا في وجود "أبو بكر الصديق".
بيلتفتوا لأبو بكر الصديق، فالأخير بيطلب من عمر يمد إيده ويبايعه.. ويبقى "عمر" الخليفة.. لكن "عمر" بيرفض وبيطلب أنهم يبايعوا "أبو بكر" نفسه.
"الطبري" بيحكي لنا.. بيبايع "عمر" "أبو بكر".. وبيدور جدال عنيف، وبينهض ناس تانيين يبايعوا "أبو بكر".. وبيحصل تدافع وكاد بعضهم أنهم يدوس في "سعد بن عبادة".. فصاح بعض أصحاب "سعد" عشان يلحقوه.. فبيبدي "عمر" استخفافه بـ"سعد".. فـ"سعد" بيمسك في تلابيب "عمر"، وكاد "عمر" أنه يفتك به، لولا تدخل "أبي بكر" نفسه ولطف الجو المتوتر اللي ممكن يقلب لمجزرة في ثانية واحدة.
وفي نفس اللحظة بيقول "الطبري": "أقبلت أسلم إلى السقيفة تضيق بهم السكك".. وقبيلة "أسلم" دي كانت قببيلة قوية وأعدادها هائلة، لقوها داخلة عليهم لدرجة أن السكك بتضييق من كترهم.. ودول كانوا موالين لأبي بكر الصديق.
بالفعل مع حضورهم بيبايع الناس "أبي بكر".. بعضهم بينقل عن "عمر" بعدها قوله "ما أن رأيت (أسلم) حتى أيقنت بالنصر".. لأن الموضوع كان ممكن يتحول إلى مذبحة.. ولأن الأنصار خافوا من "أسلم".
رغم أن الأنصار خلاص، بيدركوا أن "ابو بكر" هو الخليفة الأول، لكن في محاولة أخيرة بيطلبوا طلب غريب.
بيقولوا لـ"ابو بكر" خلاص.. منكم أمير ومننا أمير...
نعمل مجلس رئاسي يعني!
فـ"أبو بكر" بيرفض دا تمامًا.. وبيقول لهم لأ.. "نحن الأمراء وأنتم الوزراء".
اللحظة دي فارقة للغاية في الموضوع لأن الأمر هنا مبقاش صحابة بيتكلموا "دين".. لأن لو دا "دين" وشرع.. يبقى الكرسي أو المنصب شرعًا لا يحصل عليه من طلبه أو سعى إليه.
في اللحظة دي بالذات.. بنقف عند حاجز الدين.. وننتقل إلي منطقة أخرى.. منطقة "السياسة".
دي "رجال بتتكلم سياسة".
نقطة ومن أول السطر.
في اللحظة الفارقة دي، وبعبارة "ابي بكر الصديق" رضي الله عنه، انفصل الدين الإسلامي عن "تاريخ الدولة الإسلامية" بعد وفاة النبي ﷺ .. التصرفات القادمة في "معظمها" ومش كلها.. معظمها.. سياسة صرفة.
سياسة بتتغير وتتطور طبقًا للظروف ولأي معطيات جديدة.
ولأن الفقهاء ماعرفتش تفصل بين الدين الإسلامي وتاريخ المسلمين بعد وفاة الرسول.. وقعوا في لغط كتير.. فدافعوا عن أخطاء.. وبرروا لقتلة.. وغضوا الطرف عن شرور مروعة.. حصلت في الفترة اللاحقة لوفاة النبي ﷺ.. لأنهم فاهمين أن دا "دين".. وإن الخلافة امتداد للنبوة.
ولما وقعوا في المعضلة دي.. وماعرفوش يخرجوا منها.. بقوا بيخفوا الأمور عن العامة.. ويمنعوهم أصلا من قراءة كلام زي المكتوب دا.. أو التساؤل عن أحداث معينة، بما فيها أحداث "الفتنة الكبرى"، اللي وقعت بين الأعوام 656 و661 ميلادية.
واللي حاول يتعمق من الناس العادية زيي وزيك.. وردوه وقالوله "أن دا دين".. يا إما ألحد وترك لهم الدين برمته، لأنه تصور أن تصرفات كتير من اللي هو قرا عنها ولقاها فيها خديعة أو مخيفة مروعة، تعتبر "دين".. وإما تطرف وتشدد.. لأن تصور أن التصرفات دي.. دين واجب النفاذ.
قليلين فهموا الحقيقة.. دي سياسة مش أكتر.
رجال من القرن السابع الميلادي.. بتلعب سياسة.
المهم أنه بعد السقيفة بيصعد "ابو بكر" على المنبر.. وبيرسل في طلب إثنين من الصحابة بالذات.. لاحظ أنهم مش موجودين وسط الحضور ولا حضروا بيعته.
الاتنين دول كانوا مهمين جدًا.. لأن لو رفضوا البيعة دي.. تقوم حرب.. ابن عم الرسول وابن عمته.. "علي بن أبي طالب".. و"الزبير بن العوام".
بيبعت يستدعيهم وبيحضروا بالفعل.. وبيسألهم "ابو بكر"، إذا ما كانوا مع البيعة، وللا عايزين يشقوا صف المسلمين؟ فبيرد عليه "علي" و"الزبير" بأنهم مش ممانعين.. وبيخاطبوه بلقب "خليفة رسول الله".. وبيبايعوه.
وببيعة "علي" و"الزبير" بيستتب الأمر لأبو بكر.. وبيبقى هو خليفة المسلمين رسميًا.
ولكن مع ذلك بتواجهه مشكلة جديدة، كانت قادرة على تقويض الدولة.. قال البعض أنها كانت سبب في اغتياله فيما بعد.
والمشكلة دي نتكلم عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
---------------
(المراجع مع أخر جزء في الحلقات)
(الصورة من صحراء العلا، السعودية)
---------------