تحت جنح الظلام، وبين منازل الكوفة الهادئة الناعسة التي تغشاها الليل، في ساعة متأخرة قبل الفجر.. وبعدما خلدت الاعصاب المتوترة للراحة وبدأت تستسلم للنوم.. بيتسلل جماعة السبئية، وكانوا نحو 2000 رجل، وفي أعماقهم أمر خططوا له طول الليل.
ابن كثير بيقول في البداية والنهاية: "وبات الناس بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشرّ ليلة، وباتوا يتشاورن، وأجمعوا على أن يثيروا الحرب".. بيبدأ السبئية يتواصلوا مع "القرّاء".. ويحدثوهم عن أن سيدنا "علي" والسيدة "عائشة" اتصالحوا على دم "عثمان" رضي الله عنهم.. وإنهم اتفقوا على مخالفة كتاب الله، وأنه يجب القصاص من قتلة الخليفة مهما كلف الأمر.
شوف التدليس وقلب الحقائق.. قتلة الخليفة بيطالبوا بالقصاص من قتلة الخليفة!
والجماعة القراء دول مجموعة من الناس من عهد النبوة.. من ارتباطهم بقراءة القرآن، جاءت تسميتهم بـ"القُرَّاء"، وكانوا بيسافروا لكل بقاع الدولة، خصوصًا الأماكن اللي دخلها المسلمين حديثًا.. يعلموا القراءة للناس.
الحكاية دي جعلتهم ذوي نفوذ وهيبة وسط المسلمين.. والحقيقة أن بعضهم كانوا ضد "عثمان" وثاروا ضده مع الثائرين.. بس مكانوش "فرقة" موحدة لها قيادة زي الخوارج.. فكنت مثلا تلاقي بعضهم في صف الإمام "عثمان بن عفان" وبعضهم ضده.. في روايات عن مشاركة بعضهم في حصار الخليفة وقتله، في مقابل رفض بعضهم الآخر لذلك.. تلاقي منهم مجموعة في الشام ومجموعة في العراق.
بس أينما حلّوا.. الناس دي كانت مؤثرة.. وكانت بتسمع لها الجموع.. لاحقًا في 3 من القراء دول حيتحولوا إلى قادة للخوارج.. "حصين الطائي"، و"شريح بن أوفى العبسي"، و"حرقوص بن زهير السعدي".. دا مهم جدًا عشان تعرف أن "الخوارج" ممكن يكونوا أهل قرآن وصلاة وصيام ويبدو للجميع متدينين محترمين.. بينما هم العكس تماما في داخلهم.
المهم أن الفرق بتتجمع، والشر بيتلاعب بكل العقول، وملثمين مدثرين، بتهجم السبئية مع جماعة من القراء، كل واحد على أقرب حي له، وبيبدأوا يقتلوا الجميع.. مدنيين.. جنود.. اللي يقابلهم.
وبعدما كانت البلدة خلدت للنوم والراحة واستترت بالسلم، انتشر فيها الفزع، وقفز كل واحد من فراشه غلى سلاحه عشان يحمي أهله.. وصاح صائح في الناس أن الخليفة "علي بن أبي طالب" بيهاجم جيش السيدة "عائشة".. وصاح آخر في المعسكر المضاد.. أن "طلحة" من جيش السيدة "عائشة".. بيعمل انقلاب على الخليفة في الكوفة.
لعبة الخوارج في كل زمن وكل عصر.
وبلا سابق إنذار.. بترجع الأمور للمربع صفر.. وبيتجمع الجيشين من جديد ويقفوا لبعض... ومع أول ضوء للفجر مزق عباءة الظلام.. كان جيش الإمام "علي بن أبي طالب" بيلتحم بجيش السيدة "عائشة" تحت قيادة "طلحة بن عبيد الله" و"الزبير بن العوام".
بتدور معركة عنيفة رهيبة، بيسيل فيها الدم أنهارًا.. وكل طرف متصور أن الآخر غدر به وخانه.. وفي خضم القتال، بيصاب "طلحة" بسهم في رقبته، وبيخرّ قتيلًا.. دا بيعمل ارتباك هائل في وسط الفريقين.. وبيدفع سقوط "طلحة" الجميع لوقف القتال.. لأن "طلحة" كان صديق لسيدنا "علي" وكان بيحبه.. وفي نفس الوقت كان صديق عزيز "للزبير بن العوام".. ودمه بيخلي الجميع يفوقوا وقتيًا ويعرفوا أنهم فتنوا.. وبيأمر "الزبير" بوقف القتال وبيسير للحديث مع "علي" رضي الله عنهم.
بيلتقي "الزبير" بالخليفة.. وقيل أنه ذكره بحديث عن النبي ﷺ قال فيه أن "الزبير" حيقاتل "علي" رضي الله عنه.. وإنه في اللحظة دي حيكون ظالم.. وأن "الزبير" رد عليه: "نعم! لم أذكره إلا في موقفي هذا".. قيل أن الرواية دي ضعيفة للغاية، لأن في رواتها "الأجلح الكندي" والد "عبد الله" ، وهو ضعيف السند.
الموقعة دي أثارت حزن بالغ في سيدنا "علي".. وروي أنه قال عنها "لوددت أني مت قبل هذا بعشرين حجة".. وقيل أنه قال كذلك عدة مرات في ندم شديد: "يا ليتني أطعت عباسًا".. لما "العباس" رضي الله عنه طلب يبايعه بعد وفاة الرسول مباشرة لو تفتكر زي ما ذكرنا في أول حلقات السلسلة دي، دا لأن "علي" رضي الله عنه.. اعتقد وقتها أنه لو كان سمع كلام العباس، مكانش تم اجتماع السقيفة.. ومكانتش السياسة لبست عباءة الدين ومكانتش أتلفت على الناس حياتهم.. ومكانتش حصلت الفتنة دي من الأصل.
المهم بعد لقاءهم أيًا كان اللي دار فيه.. بينصرف "الزبير" وهو مقرر خلاص يتوقف عن القتال، وبيضع سلاحه وينسحب.. وبيفارق جيشه، ويقرر العودة إلى المدينة.
وبيلتقي الإمام "علي" بالسيدة "عائشة".. وبيقول لها "غفر الله لك".. فبترد عليه "ولك.. ما أردت إلا الإصلاح".. فبيهيء لها دار "عبد الله بن خلف".. تقيم فيها.. ودي كانت أعظم دار في البصرة.. وبيزورها ويجلس معها يتحدثان.. وللمرة الأولى بتبايع السيدة "عائشة" الإمام "علي بن أبي طالب" كخليفة للمسلمين.. وبعدها بتبدأ تتحرك كي ترتحل إلى المدينة.. وبيعم السلم مرة ثانية.
وفي أثناء عودة "الزبير" وحيدًا للمدينة.. بينطلق خلفه واحد من الخوارج، اسمه "عمرو بن جرموز السعدي".. بيتتبع أثره ويتربص به.. وأثناء ما "الزبير" قائم يصلي في منطقة "وادي السباع" قرب البصرة.. بينقض عليه "ابن جرموز" ويقتله.. بغية إشعال الحرب من جديد.
روايات كتير بتحكي عن إن "علي" رضي الله عنه اقتص من "ابن جرموز" ده.. وروايات بتقول أنه رفض يقابله وبشره بالنار بس.. وروايات بتقول أن أصحاب "الزبير" فتكوا به.. لكن على أية حال.. الفتنة بتخمد إلى حين.. وبيبدأ الإمام "علي" يتحرك قدمًا في حكم الدولة، وكان بلغته تحركات "معاوية بن أبي سفيان"، وحشده لأهل الشام ضده، بعدما اعتبر نفسه "ولي الدم في مقتل "عثمان.
فبيتخذ قرار بعزل "معاوية".. بيرفضه الأخير.. وبينشر قميص عثمان على المنبر مع كف زوجته "نائلة بنت الفرافصة" المبتور.. وبيبدأ يجمع جيشه.. لكنه بيدرك في مرحلة أن قوات الخليفة تفوقه بمراحل.. فبيبدأ يتطلع ببصره إلى القوات المصرية كي تنضم له في معركته الشخصية.
ولأن المصريين كانوا طيلة عمرهم منحازين لأهل البيت.. فكانوا من مؤيدي وداعمي سيدنا "علي".. وعشان يحاول "معاوية" يستميل الجيش المصري، بيحاول بعدة طرق.. بيفشل فيها جميعًا.. والقصة دي الحديث عنها يطول.
ويبقى للحديث بقية.
-------------
منشورات سابقة:
-------------
1 - http://bit.ly/2Rm5tBs
2 - http://bit.ly/2RACrOV
3 - http://bit.ly/2NeseJs
4 - http://bit.ly/2XoDruI
5 - http://bit.ly/2IAYulr
6 - http://bit.ly/2IYrjHm
7 - http://bit.ly/2IKnM0s
8 - http://bit.ly/2FBavFz
9 - http://bit.ly/2YkwqIt