مع خطبة "عثمان بن عفان" رضي الله عنه في الناس، بتتأثر الوفود، وتنصرف إلى حال سبيلها، وبيستدعي "عثمان" الولاة اللي الناس بتشتكي منهم ويجتمع بهم.. وبيحاول يشوف معاهم حل، يرضي الناس ويهديهم.
لما بيتأخر الحل، بنفضل في شد وجذب.. ووفود رايحة على عثمان ووفد جاية، وفي مرة أثناء عودة وفد المصريين إلى مصر، بيتلقاهم "عبد الله بن أبي سرح"، وبيقتل منهم رجل.. دا طبعًا.. مع شوية تصرفات شبيهة متفرقة.. ما بتساعدش على وأد الفتنة بشيء.
في اللحظة دي بيبدأ الخوارج في الظهور، وتحريض الناس على عزل عثمان وقتله، وإسقاط دولته.. والغريب أن جموع الثائرين استنوا عزل "بن أبي سرح" الأول.. وبعدين بدأوا يميلوا إلى رأي الخوارج.. والعودة، والثورة على "عثمان".
نقدر نقول أن دا أول ظهور للخوارج بشكل منظم على الساحة، متشكلين في جماعة اسمها "السبئية".. نسبة إلى "عبد الله بن سبأ"، اللي اختلفوا حوله طوال الوقت، عما إذا كان يهودي.. أو رجل يدعي الإيمان، أو شخصية وهمية لا وجود لها.
والمرة دي بتحاصر الوفود بيت "عثمان"، وبيخرج إليهم ويخطب فيهم ويستغفر ربنا إذا كان اخطأ.. وبيبكي ويبكي الناس معه، وبينتهي الأمر بعزل "بن أبي السرح"، وتعيين "محمد بن أبي بكر" مكانه، حاكم على مصر، تقبلته وفود المصريين وارتضته.. وانصرفت معاه في قافلة عائدة إلى مصر.
وقبيل عودة الجميع.. كان الخوارج نشطوا في شدة، وراسلوا أهل الكوفة والبصرة والشام، أن عثمان قرر التخلص من كل الثائرين ضده، والمعترضين عليه.. وأثناء عودة الوفد المصري، بقيادة " محمد بن أبي بكر"، فوجئوا برجل يقال أنه "الأعور السلمي"، يركب جملًا، ويسير بمحاذاة القافلة بتاعتهم، وكان مصمم على لفت انتباههم لدرجة أنه بدأ يرميهم بالكلام ويضايقهم.
النقطة دي هامة للغاية، لأن الجماعة توقفوا، وانقضوا على "ابو الأعور"، وقد قرروا أنهم يخلوه اسم على مسمى.. مع إعادة تشكيل ملامحه من جديد.. لكنه مذعورًا بيقولهم أنه مجرد رجل بسيط.. ورسول من "عثمان" إلى حاكم مصر "بن أبي السرح"، بيحمل رسالة بالغة الأهمية والخطورة.
بيفتشوه وينتزعوا منه الرسالة، وكانت مرسلة إلى "السرح" بتأمره بقتل الجميع لما يرجعوا، بما فيهم "محمد بن أبي بكر".
وكانت الرسالة مختومة بخاتم "عثمان بن عفان" نفسه.
وبدا للأعصاب الملتهبة أن "عثمان" خائن بينكث وعده ويخلف عهده. لكن الحقيقة هي أن الرسالة دي كانت مزيفة بالكامل.. دعّم دا أن قوافل وفود الكوفة والبصرة والشام رجعت في نفس اللحظة من الأماكن دي، والتقت بالوفد المصري.. وكانوا على علم من أيام بالموضوع.. برسالة المفروض أنها سرية.. لسه مكتوبة من شوية.
أضف إلى ذلك أن الأخ "أبو الأعور" كان مصمم يلفت لنفسه الانتباه رغم حمله لرسالة بالغة السرية، وعليه، بتنطلق الوفود والحشود الهائلة، عائدة إلى "عثمان بن عفان".
المرة دي كان أنصرف الإمام علي، لكن ترك ولديه "الحسن والحسين" في حراسة عثمان، فببتجمع الحشود وتهتف غاضبة، وبيحاول الخوارج يدفعوهم لاقتحام منزل "عثمان" بأي ثمن.
بيخرج لهم "عثمان"مرة ثانية، وبيطلعوه على الرسالة، فبيبدو عليه حيرة حقيقية.. أولًا هو مكانش عارف مين اللي جاي له أولًا عشان يأمر السرح بقتله.. وثانيًا.. هو كان معاهم من ساعة مجيئهم لحد انصرافهم.. فمتى كتب الرسالة؟ فبيسألوه "هل هذا غلامك" - على الأعور - فبيقول لهم في لهجة قاطعة أنه أيوه من عماله.. لكن انطلق بدون علمه.. فبيقدموله الجمل اللي كان راكبه.. طيب ودا؟.. فقال لهم "عثمان" أنه "أخذه من الدار بغير أمري".. حتى الرسالة، اتكتبت بغير علمي.
مع الحوار العقلاني، بيفكر "محمد بن أبي بكر" بالمنطق شوية.. وبينتبه بالفعل أن الخط في الرسالة أصلًا مش خط "عثمان".. بيقول دا للجموع فبيصيح صائح ان دا خط "مروان بن الحكم".. وبيبدأ دا ينتشر بين الجمع.. بالفعل "مروان" معاه خاتم الخليفة.. يبقى هو.
هنا بقى الناس قالت للإمام "عثمان".. طيب.. ظلمناك وعداك العيب.. أدفع لنا بـ"مروان" نقتله.. وأنت اتنحى عن الخلافة بقى!
طبعًا الخوارج باللعبة دي لا كان هدفهم ظروف أهل مصر والكوفة والبصرة والشام واليمن تتحسن.. ولا يفرق معاهم أصلًا.. هم لهم هدف وحيد بيسعوا إليه طوال الوقت.
الكرسي...
مقعد الحكم والسلطة والنفوذ. من الحاجات الجميلة أوي في الخوارج وحتلاحظها فيهم في كل عصر.. أنه يحرضك على الخروج على الحاكم وإسقاط الدولة.. فلو وصلوا الخوارج للحكم.. ورحت لأصحابهم اللي ثاروا معاك زمان.. وقلتلهم "لأ الحاكم الجديد دا طلع ظالم.. تعالوا نثور ونسقطه".. يردوا عليك: "لأ ما الخروج على الحاكم حرام.. أنت كافر وللا إيه.. فين هيبة الدولة والاستقرار يا كماحة"؟
باختصار الخروج على الحاكم حرام في حالة واحدة.. لو كان منهم.. وإذا التقى الخوارج بالمعارضين السلميين زي ما حصل وقتئذ.. بتلاقي تدريجيًا كله بيتحول إلى "خوارج".. ويصبحوا رفقاء.. ويدفعوا عن بعض ويشيلوا السلاح لصالح بعض.
ما علينا.. بتتصاعد صيحات الخوارج من وسط الناس.. سلمنا "مروان" نقتله.. وكانوا عارفين ان دا مستحيل يحصل.. وبالفعل بيرفض "عثمان" رضي الله عنه.. فبيقولوله "إذن ليس بيننا وبينك إلا السيف".بينزل "عثمان" من الشرفة إلى داره، وبيتحصن فيه.. وكان متصور أن دول ناس عادية أعصابهم حتهدأ بعد قليل.. أو على الأقل.. عايزينه هو بس.. لكن دا مابيحصلش.
طبعًا شفنا كلنا كوكتيل "الثوار + الخوارج" في بلاد كتير حولنا.. وحتى هنا في مصر.. بيوصل البلاد لفين.. بيفضل فريق منهم محاصر داره، وبتنطلق الحشود في المدينة تروع المدنيين المسالمين بالسلاح، مبيلاقيش الإمام "عثمان" اي حل، سوى إنه يرسل إلى "معاوية" في الشام يطلب منه يسعفه وينقذ المدينة بجنود من عنده..لكن المسافة كانت طويلة.. وكان الأوان قد فات.
صراع رهيب بيدور على عتبة بيت "عثمان" بين "الحسن" و"الحسين" و"محمد بن طلحة" و"عبد الله بن الزبير".. لكن اللي قال أن "الكثرة تغلب الشجاعة، كان صادق تمامًا.
في نبوءة عن الرسول ﷺ في حديث شريف، أنه تحدث ذات مرة إلى "عبد الله بن عمر" عن فتنة تحدث بعد وفاته.. وقال له "يُقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوماً".. واشار له إلى رجل مقبل عليهم.. وبيقول "عبد الله": "فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان".
وعليه.. في قلب دار "عثمان بن عفان" وهو منكفيء على مصحفه، بيتقدم منه "محمد بن أبي بكر"، بعدما اقتحموا الدار.. وبيلطم المصحف من بين يديه، ويسقطه أرضًا ويجثم بركبته فوق صدره ويصوب سيفه إلى عنقه.. وبيقول له شامتًا "يا عثمان، ماذا فعل الله بك".. فبيرد عليه عثمان" قائلًا: يا ابن أخي، ما كان أبوك ليرضى منك بهذا الموضع".
مع ذكر "أبي بكر الصديق"، بيرتد "محمد بن أبي بكر" إلى عقله.. ويبدأ يسيطر على نفسه ويشعر بالخزي والخجل والرهبة.. وبيتراجع عن "عثمان" متخاذلًا.. فبينقض رفاقه على "عثمان" بالسيوف.. وبتحاول زوجة الأخير أنها تدفع عنه، وتعترض السيف بيدها العارية، فبيبتر السيف نصف كفها، وبيصيب النصل هدفه، وبيتناثر دم "ذو النورين" على المصحف وعلى وجه "محمد ابن أبي بكر" نفسه.. اللي بيفيق.. ويقف يرمق الجريمة في حيرة ممتزجة بالذهول والرعب.. وقد أدرك أخيرًا فداحة ما تورط فيه.
ولأن الحشد الصغير ووفد الطلبات تحول إلى كارثة.. ومع علمهم أن "معاوية" قد تبلغه بين لحظة وأخرى رسالة "عثمان" اللي بيطلب فيها الدعم.. بتتوجه الحشود إلى الإمام "علي بن أبي طالب".. وفي رأسهم بتتبلور فكرة عجيبة خبيثة.
والفكرة دي نكمل كلام عنها لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
-------------
منشورات سابقة:
-------------
1 - http://bit.ly/2Rm5tBs
2 - http://bit.ly/2RACrOV
3 - http://bit.ly/2NeseJs
4 - http://bit.ly/2XoDruI
5 - http://bit.ly/2IAYulr