بتسري بنا القصة إلى أن الجماعة بعدما قتلوا الإمام "عثمان" بن عفان، رضي الله عنه.. وحسوا بالخطر مع أنباء أنه بعت لـ"معاوية بن أبي سفيان" يطلب نصرة من جند الشام، وبدا أن لو الجنود دول وصلوا، أو أهل المدينة توحدوا ثأرًا للخليفة.. فمش حيفضل منهم واحد على قيد الحياة.. مأزق مروع.. والأكثر روعًا أنهم أيديهم ملوثة بالدم بلا جدال ولا مخرج.
وكان "علي بن أبي طالب" منفرد وقتها بولديه "الحسن" و "الحسين" مع "محمد بن طلحة" رضي الله عنهم.. وطالت يده تلطم "الحسن" وتلكم "الحسين"، بينما يقفان في خزي وتخاذل، كان شايف أنه عار أن يقتل أمير المؤمنين وهما في حراسته، لكن "محمد بن طلحة" بيوضح له أن أعداد المهاجمين كانت كبيرة جدًا.. والكثرة تغلبت عليهم.. ولو أن الخليفة كان سلم للخارجين عليه "مروان بن الحكم".. مكانوش قتلوه وكانت المشكلة اتحلت.
"علي بن أبي طالب" كان عارف كويس أن دا مش صحيح.. الخوارج كان حتقتل "عثمان" على كل حال، بس مفيش وقت للنقاش لأن في نساء في دار "عثمان" لابد لهن من حماية.. فبيتمنطق بسلاحه، وبيتركهم ويخرج إلى دار الخليفة.
وكان الأوان قد فات، لأن الجماعة إياها كانت تركت الدار خاوية، بعدما نهبوا منها كل شيء، حتى ما على النساء.. انتزعوه وسرقوه.. وبقى كبارهم وعقولهم بتودي وتجيب.
إيه المخرج من الكابوس دا؟ يا ترى حيحصل إيه لما يوصل الإمام "علي".. وكان من أكبر الداعمين لشرعية "عثمان".. حيستحملوا غضبه ازاي؟ لاحظ كمان أن أتباعهم لم يتجرأوا على قتل أولاد "علي"، واكتفوا بالتكالب عليهم وإزاحتهم من الطريق.. فما بالك بـ"علي" ورهبته؟
وكالبرق بتلتمع الفكرة في الرؤوس.. مفيش مهرب من "علي بن أبي طالب".. إلا "علي بن أبي طالب" نفسه.. يروحوا له.. ويكلموه عن أن الأمور اتطورت وخرجت من أيديهم والجموع والحشود والرعاع اتحركوا بعقلية القطيع وارتكبوا جريمة.. وبعدين يبايعوه على الخلافة.
الحركة دي كانت خبيثة جدًا.. لأن لو "علي" قبل بيعتهم، يبقوا غسلوا إيديهم من دم "عثمان".. ولو هاجمهم جند الشام المرسلين من "معاوية".. حيبقى والي الشام بيهاجم الخليفة ومن بايعوه.. وبكده يقدروا يهربوا من المأزق، ويتفادوا الموت.
بيلتقوا بـ"علي" وبيطلبوا يبايعوه كخليفة.. فبيرفض في إصرار.. فبيبدأوا يدفعوا عليه أصحابه وعموم الناس، لازم يقبل البيعة وإلا حيحصل شقاق رهيب وحرب أهلية مروعة تهدر فيها الدماء ومحدش عارف مين بيقتل مين.. ولأن الإمام "علي" كان فاهم غرضهم من البيعة، فبيوافق على الخلافة على مضض، بشرط أن البيعة متبقاش منهم ولا بشكل خاص.. تبقى من عموم المسلمين كمان.
بتتم البيعة كما أرد الإمام.. وبيشوف "علي بن أبي طالب" أنه يرجيء التحقيق في قضية قتل "عثمان".. لأن دلوقتي الدنيا ملتهبة متوترة.. المدينة بتموج بخوارج مسلحين.. والنعرات القبلية بدأت تسود.. فبيقرر أنه يبدأ بحزمة من القرارات، أولها عزل كل الولاة الذين عينهم "عثمان" من أهل الثقة، وتعيين ولاة جدد.. وبينقل "علي" مقر الخلافة" إلى الكوفة، عشان يقدر يسيطر على المدينة وجموع الخوارج ويشوف الموقف من بعيد.
قرار تأجيل القصاص من قتلة "عثمان" لم يرض"السيدة عائشة" رضي الله عنها في مكة.. فقررت أنها تسير إلى الإمام "علي" وتطالب بالقصاص من قتلة "عثمان".
وفي الشام، رفض "معاوية بن أبي سفيان" قرار الخليفة الجديد "علي بن أبي طالب" بعزله، ونشر قميص "عثمان" الملوث بالدم على المنبر وجواره الكف المبتور لزوجة هذا الأخير.. وخطب في الناس وحشدهم وتجاوبوا معه، وأعلن نفسه "ولي الدم" بالنسبة لـ"عثمان بن عفان".. وكان حجته في دا أنهم من "بني أمية" زي بعض.. وبيضم "معاوية" قبيلة "بني أمية" إلى معسكره، ويحرضها على أن الدم في عنق قبيلة "بني هاشم".
والحقيقة أن "معاوية" مكانش شاغله في الموضوع إلا الحكم.. والدليل على كده أن "معاوية" اللي اعتبر نفسه ولي الدم، ورفض العزل وجرد جيش وهاجم "علي بن أبي طالب".. سكت عن قتلة "عثمان" وتجاهل الموضوع تمامًا لما وصل للحكم.. كذلك كان "عمرو بن العاص" مستشار "معاوية" المقرب من كبار المعارضين لـ"عثمان" نفسه وهو في الحكم.. وكان معاوية عارف دا.
النهاردة بنسمع جملة "قميص عثمان".. اللي اتسللت لوجدان وعقول الناس من يومها كمثل شعبي، بيدل على كل من يرفع شعاراً لا يؤمن به من أجل أجندة شخصية أو أغراض خاصة.. السبب كان قميص "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، اللي رفعه "معاوية" ملوث بالدم على المنبر في الشام.
وكان قرار تأجيل القصاص قد أغضب كذلك أقارب "عثمان بن عفان".. وأغضب قبيلته واصدقائه والمقربين منه.. وزاد الطين بلة؛ أن الإمام "علي" أعلن أنه حيسترد أي قرش، حصل عليه بعضهم من بيت المال، إذا اتضح له أنه لا سند له.. فبيجمع الناس دول بعضهم.. ويهجروا "علي" ويتوجهوا إلى "معاوية" في الشام.
بيلتف ناس حول الإمام "علي" تؤيده في قراراته، بينما بيغضب آخرين.. خد بالك دا أول تشكيل حقيقي لفرقة "الشيعة".. اللي حتناصر "علي بن أبي طالب" من اللحظة دي.. وكان في فرقة شيعة أخرى في ذات التوقيت.. التاريخ تجاهلها إلا قليلًا.. وماسلطش الضوء عليها.. وكانت دي الناس اللي غضبت من قرارات علي وراحت إلى "معاوية".. وكان اسمهم "شيعة عثمان".
وفي المنتصف بين كل الفرق كان الخوارج.. قتلة "عثمان".. في مصيبة أخرى...
الإمام "علي" وعد بالقصاص من القتلة بمجرد استقرار الأمور واستتباب الأمن. يعني رؤوسهم حتطير.. يبقى لازم الأمور ماتستقرش بأي ثمن.
وبدأت أنصار كل طرف تتجمع، والحركات تتشكل، وانقسمت الأمة لأول مرة إلى فريقين.. فريقين بيطالب بحماية الخليفة الشرعي اللي انعقدت له البيعة، "علي بن أبي طالب".. وفريق مع "معاوية" بيطالب بدم "عثمان".. وللمرة الأولى منذ وفاة الرسول ﷺ بتبدأ بوادر حرب أهلية حقيقية تلوح في الأفق.
بيتكون جيشين.. جيش "على بن أبي طالب" في العراق.. وجيش "معاوية بن أبي سفيان" في الشام.. والحقيقة أن جيش "علي" كان أقوى وفي كفته كبار الصحابة.. وبيحتار "معاوية" وبيفكر في حل.. وبيدرك أن في جيش معين.. لو انضم له.. حيقلب كفة الميزان.. ويبقى هو أقوى بكتير.
والجيش دا كان الجيش المصري.
بتتجه أنظار "معاوية" إلى مصر.. لكن بتقابله عقبة خطيرة.. وهي أن أهل مصر بيناصروا الإمام "علي".
وفي خضم تفكيره، بتبدو له فكرة بيحاول تنفيذها لضم مصر إلى صفه.. وبيبدو لي كذلك أن الحوار النهاردة طال.. فنأجل كلامنا إلى وقت لاحق.
ويبقى للحديث عن الفتنة الكبرى.. بقية.
-------------
منشورات سابقة:
-------------
1 - http://bit.ly/2Rm5tBs
2 - http://bit.ly/2RACrOV
3 - http://bit.ly/2NeseJs
4 - http://bit.ly/2XoDruI
5 - http://bit.ly/2IAYulr
6 - http://bit.ly/2IYrjHm