لو عملنا مقارنة بين "عمر بن الخطاب" و"عثمان بن عفان" رضي الله عنهم.. يظهر لنا نوعين من السياسة.. فـ"عمر" كان رجل صدامي مباشر، قاسي مع موظفيه وولاته، وبيعاملهم بصرامة مفرطة طيلة الوقت.. لدرجة إنه ذات مرة افتتح رسالته المرسلة إلى "عمرو بن العاص" حاكم مصر بقوله:
"من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص بن العاص".. والرسالة خلت "عمرو" يرتجف رهبة. السر كان أن "عمرو" أقام حدّ الجلد على ابن "عمر بن الخطاب" نفسه، سرًا في بيته.. مش علانية قدام جموع المسلمين، بما يخالف شروط الحد.
يعني باختصار سياسة "عمر" كانت الصرامة و"أهل الكفاءة".. أما سياسة "عثمان" فكانت اللين حينًا والشدة حينًا و"أهل الثقة".
القصة بتقول أن "عثمان" كان له عدة أخطاء.. فقبيل رحيل "عمر بن الخطاب"، كان أوصى أنه مايتمش تغيير الولاة لمدة سنة، عشان مايحصلش اضطراب في الدولة.. والتزم "عثمان" بالفترة الزمنية دي فعلًا.. وبعدها عزل الولاة اللي كان معينهم "عمر" وعين بدالهم من بدوا أهل ثقة بالنسبة إليه.
الولاة دول كان منهم إتنين بالذات، جماعة المسلمين بتتعامل معاهم بحذر إلى حد ما، أولهم كان "عبد الله بن سعد بن أبي السرح".. وكان صحابي من كتبة الوحي.. بيكتب الوحي اللي بيمليه عليه الرسول ﷺ.. وله قصة عجيبة، وهو أنه ذات ليلة؛ كان الرسول بيمليه سورة المؤمنون، في وصف خلق الإنسان، فقاطعه "عبد الله" إنبهارًا: "فتبارك الله أحسن الخالقين".. فرد عليه النبي مبتسمًا: "هكذا أنزلت عليّ".
الموقف دا اتكرر مرة أخرى.. فـ"عبد الله بن أبي السرح" قال لنفسه: "لأ دنا كده أبقى نبي أنا كمان أهه وبيوحي إليّ.. لو محمد نبي فعلًا وصادق، فأنا كده يبقى بيوحى إليّ.. ولو كاذب.. فانا بعرف أقول اللي بيقوله".. فارتد.. وافتتن.. وهرب إلى مكة.. ونزلت فيه الآيات "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ".
ولما فتح النبي مكة، كان "عبد الله" من جماعة "الطلقاء".. اللي النبي عفا عنهم.. فوسّط "عثمان بن عفان" عشان النبي يسامحه.. ورجع للإسلام من جديد. سر اختيار "عبد الله" "لـ"عثمان" هو أنه كان مقرب منه وبيثق فيه.. وكان أخوه في الرضاعة.
دا أول واحد.. ودا "عثمان بن عفان" عينه حاكم على مصر.. وأهل مصر مكانش عاجبهم.
أما الثاني، فكان "الوليد بن عقبة بن أبي معيط".. ودا وصفه الله بالفسق.. ونزلت فيه الآية "يَا أَيُّها الَّذِيْنَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإِ فَتَبَيَّنُوا".. السر هو إن النبي عليه الصلاة والسلام كان دعا "بني المصطلق" للإسلام، فقبلوه وعاهده كبيرهم على ذلك.. وأبلغه النبي أنه سيرسل له مندوب يجمع منه الصدقات بعد أيام، يكونوا جهزوها.
وكان جماعة "بني المصطلق" دول أثرياء.. فجمعوا مبلغ هائل بمقاييس الزمن ده.. وخرجوا به على أبواب مدينتهم مستنيين المندوب.. ولأن المبلغ كبير كانوا خارجين بفرسانهم يحموا القافلة دي.
وكان مندوب النبي ﷺ هو "الوليد بن عقبة" نفسه.. إللي أول ما شافهم بفرسانهم، وكان بينهم عداوة سابقة، ارتجف وخاف خوف شديد، وتملك منه الرعب حتى النخاع.. ورجع هاربًا للرسول قائلًا؛ أنهم هاجموه وطردوه ومنعوا عنه الزكاة. فغضب النبي في شدة.. وكاد يتحرك لهم بسرية من الجيش.. لكن من ستر ربنا.. أن هم لما لقوا المندوب اتأخر، هم نفسهم قلقوا.. فتوجهوا إليه.. والتقوا في النهاية.. وسأل النبي كبيرهم بما يعني أنه "أنا بعت لك مندوبي وعملت معاه كذا وكذا"؟
فكبير "بني المصطلق" أعلن له في دهشة.. أنه معاه الصدقات لبيت المال بالفعل.. وجابها بنفسه.. وقال له صادقًا "والذي بعث محمدًا بالحق، ما رأيته.. ولم يأتني".
و"الوليد" دا بقى "عثمان" عينه حاكم الكوفة.
مستشار "عثمان" وكاتبه الخاص كان "مروان بن الحكم بن أبي العاص" مؤسس الدولة الأموية الثانية.. زي ما حنشوف بعدين.. ودا كان عصبي جدًا وحاد مع الناس، ومكانش كتير بيتقبلوه بسهولة. قيل إن النبي سبق ونفاه للطائف؛ والرواية دي مشكوك في صحتها.. لأن "مروان" لحظة تولي "ابو بكر" الخلافة، كان عنده 8 سنين.
المهم مع وجود "الولد" و"بن أبي السرح" ومروان" في الصورة.. قالوا أن "عثمان" خالف رسول الله.. وعين ولاة مش من أهل الكفاءة والتقوى...
دا كان أول مأخذ، أخدوه علي سيدنا "عثمان".. قالك الولاة دول مش عاجبينا.. ومش عايزينهم. بالذات أن "عبد الله بن أبي السرح" مكانش وجه مقبول لشعب مصر، ولعدم قبوله، فكان عنيف معاهم بالتالي.. و"الوليد" زيه في الكوفة.
ثاني حاجة، كانت سياسات "عثمان" المالية.. ودي للأسف مكانتش غلطته.. لأن أي حاكم في الوقت دا في العالم كان بيعمل كده.. هو مشكلته الوحيدة أنه سبقه "عمر بن الخطاب".. فالناس قارنت بينهم لا شعوريًا.. "عمر" كان عدواني شديد القسوة والشراسة فيما يتعلق بالمال العام.. اللي يمد إيده على بيت المال بدون وجه حق في مليم أيام "عمر" كان يقدر يعتبر أنه راح ورا الشمس.. على العكس من ذلك.. "عثمان" سمح لولاته أنهم يقترضوا من بيت المال.. فياخدوا فلوس كل ما يحتاجوا.. ويتركوا بدالها "صك دين".. ويسددوا على مهلهم.
ساعات ممكن والي منهم يعجز عن السداد.. فـ"عثمان" يسدد مكانه من ماله الخاص.. دا أثار حنق ناس كتير، باعتباره امتياز للولاة لا يحق لهم.. وكان "عثمان" أصلًا محل نقد من صحابة معينين ذوي نزعة اشتراكية.. زي "أبو ذر الغفاري" اللي كان شايف إن المفروض ميبقاش في حد غني أصلًا.. ناخد فلوس الأغنياء ونوزعها على الفقراء طول الوقت أولًا بأول.. والحقيقة أنه كان بيمشي في الأسواق ينتقد سياسة "عثمان" المالية علانية.. فنفاه الخليفة إلى الشام عند "معاوية بن أبي سفيان".
أول ما راح الشام، فوجيء بالقصور اللي بناها "معاوية" والفخفخة والثراء اللي هو فيهم.. فبدأ يهاجمه برضه:
"إن كنت بنيتها من مال المسلمين فهي الخيانة، وإن كنت بنيتها من مالك فهذا إسراف".
وبدأ الناس في الشام تلتف حول "أبا ذر" وتسمعه.. فخشي "معاوية" من ثورة أهل الشام عليه.. فبعته مرة تانية لـ"عثمان".. ولما رجع لـ"عثمان"، ظل يطعن في نزاهته وذمته المالية، فنفاه "عثمان" إلى مدينة اسمها "الربذة" شرق المدينة المنورة.. وهناك عاش على الكفاف ومات وهو معدم.. لدرجة أن زوجته مكانتش عارفة تكفنه ولا تدفنه.. لولا مرور حجاج عراقيين بالصدفة.. بيتكفلوا بالأمر.
دا أغضب "عمار بن ياسر" وأقبل على "عثمان" وتشاجر معه.. وكاد ينفيه هو الآخر، وخرج من عنده مهزوم.. ودا أغضب قبيلة "بني مخزوم" أصحاب "عمار".. وانضمت إلي "غفار" قبيلة "أبي ذر" ضد الخليفة "عثمان".
وكان "عثمان" بيهب فلوس وخيرات كتير لقرايبه وحبايبه.. فاتهموه أنه بيختلس الفلوس دي من بيت مال المسلمين.. بينما هو كان بيهبها من حر ماله.. لأنه كان بالفعل رجل ثري.
وكان من المآخذ اللي أخذت عليه كذلك، حكمه في قضية "عبيد الله بن عمر" و"ابي لؤلؤة" و"الهرمزان".. ورفضه إعدام "عبيد الله بن عمر".. فقالك "عثمان بيخالف كتاب الله".
كل الحاجات دي اتجمعت وبدأت تكون حركات معارضة وجماعات وتنظيمات سرية، بدأت تتجمع وتلتقي.. وراحت كرة الثلج تكبر.. في فتنة مخيفة، استمرت لأربع سنين متواصلة.
والتقت الجموع الغاضبة من "مصر" و"الكوفة" و"البصرة" و"الشام" و"صنعاء".. وتوجهت إلى المدينة في العام 656 ميلادية، في حشود حانقة.. متوعدين بثورة عاتية، لو لم تتحقق مطالبهم.
وهناك، بيلتقوا بالإمام "علي" وولديه، وكان قد عرف بقدومهم.. ورغم أنه كان بيختلف مع "عثمان بن عفان" في سياسات كتير.. لكنه كان صموت مش من أهل الفتنة.. وفي حركة تستحق التقدير، بيحط نفسه وولديه في حراسة "عثمان".
الناس دي مكانتش خوارج ولا الخوارج انضمت لهم لسه.. كانت ناس عادية اتعرضت لظلم أو لها مطالب أو فاهمة أمور معينة غلط.. الخوارج كانوا لسه بيتجمعوا في بطء ويشوفوا اللي حتسفر عنه الأحداث.. ومين الجواد الرابح، فيركبوه ويراهنوا عليه.
فالناس دي بما أنها ناس عادية.. لما بتوصل لنزل الخليفة، وتلتقي بـ"علي بن أبي طالب"، بتتهيب ابن عم رسول الله، وبتخجل.. وبتطلب منه يتوسط لهم ويتكلم مع الإمام "عثمان" يستجيب لطلباتهم، دفعًا للظلم.. وبالفعل بيدخل الإمام "علي" إلى "عثمان" رضي الله عنهما.. وبيقنعه.
بيخرج الخليفة "عثمان بن عفان" للحشود الغاضبة.. وبيتحاور معهم ويخطب فيهم.. وبيتوعدهم.. وبعدها بيميل إلى اللين والرفق.. ويبدأ يستمع إليهم.. ويفهمهم ما خفي عليهم.. ويعدهم بالإصلاح.
أما رد فعل الناس.. فيبدو إنها بتقتنع فعلًا بكلام الإمام "عثمان بن عفان".. ويبدو كذلك أن الوقت سرقنا النهاردة والحديث طال.. فنكمل قصتنا لاحقًا..
ويبقى للحديث.. بقية.
-------------
منشورات سابقة:
-------------
1 - http://bit.ly/2Rm5tBs
2 - http://bit.ly/2RACrOV
3 - http://bit.ly/2NeseJs
4 - http://bit.ly/2XoDruI