العام 640 ميلادية.. ومعركة طاحنة جديدة بين الفرس والعرب.. المرة دي على أرض فارس نفسها.

كان المفروض الطرفين بينهم معاهدة وصلح من من قبل التاريخ دا بأربع سنين.. بس ملك الفرس "يزدجرد الثالث".. آخر ملوك الدولة الساسانية.

الأخ "يزدجرد الثالث" بيقرر ينقض المعاهدة.. وبيدفع بواحد من قادته المحترفين اسمه "الهُرمُزان Hormuzan".. بيبدأ يناوش العرب ويعتدي على الأراضي والقوات.. فبيتحرك له "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه، لإسقاط عرش "يزدجرد" والسيطرة على فارس بقى بشكل تام.

وكان من ضمن جيش المسلمين واحد اسمه "البراء بن مالك".. ودا كان أخو الصحابي الشهير "أنس بن مالك" رضي الله عنهما.. وكان شجاع بطريقة أقرب للتهور.. لدرجة أن "عمر بن الخطاب" أعلن مرة صراحة لقادته أنهم مايخلوهوش أبدًا في موضع القيادة.. القائد الصح بيتطلب حكمة وثبات انفعالي معينين.. "لا تستعملوا البراء على جيش، فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم".

بيتقدم جيش المسلمين ويحاصر الفرس وقائدهم "الهرمزان" في عدة حصون.. وكانوا عارفين إنه لو سقط القائد، بيستسلم الجيش.. فبيركزوا أوى على حصن "الهرمزان".. "البراء" كان قارف الفرس جدًا، لأنه كان معروف أنه "لا يأبه لحياته".. بيتقدم ويقاتل ومابيهموش.. لدرجة أنه قيل عنه أنه في مرة، قتل مائة رجل لوحده.

وسط المعركة والمناوشات أسفل الحصن.. بيبرز "الهرمزان" نفسه، حاملًا قوس وسهم.. بيشد وتر القوس ويحكم التصويب.. وبينطلق السهم يشق الهواء بصفير حاد زي الصاروخ.. ويستقر في قلب "البراء" مباشرة.

وبيسقط "البراء" ويلفظ أنفاسه الأخيرة، ومابيعديش وقت طويل، لحد ما بيسقط الحصن نفسه، ويتأسر "الهرمزان".. ويقاد إلى "عمر".

ولأن "الهرمزان" وملكه هم اللي ابتدوا بالغدر ونقضوا المعاهدة.. فالإمام "عمر" بيسأله: "يا هرمزان، كيف رأيت وبال الغدر".. فالهرمزان بيقول له في تردد، أنه خايف يقول السر فعمر يقتله.. فبيديله الأمان لحد ما يتكلم.

قبلما يتكلم طلب جرعة ماء.. فبيأمر له "عمر" بالماء.. وطبعًا هم كانوا عايشين حياة قاسية.. مش زي الهرمزان.. فجابوله قدح فخار كده، بص له وقال لهم "والله لو مت عطشًا لا أشرب من هذا القدح".. فبيأمر له عمر "بقدح يرضيه".. أول ما بيمسكه بيبدأ يرتجف، فلما سأله "عمر" عن سر توتره، فييقول له "الهرمزان" أنه يخشى أن يقتلوه وهو يشرب.

فأمنه "عمر" على حياته حتى يشرب.. فراح "الهرمزان" دالق المياه على الأرض.. وقال لهم "مش أنا حياتي في أمان لحد ما اشرب؟ طب مش شارب"!

طبعًا شيء أقرب "للعب العيال".. وكاد "عمر" أنه يفتك به ساعتها من الغيظ.. بس "انس بن مالك" - أخو "البراء" - بيقول له "هو عنده حق بالفعل.. أنت يا أمير المؤمنين أمنته على حياته لحد ما يشرب.. وهو ماشربش".

فعمر بيقول للهرمزان أنه خدعه.. وأنه مايقبلش أنه ينخدع.. ومش حيسيب "الهرمزان" إلا لو أسلم.. فبيشهر "الهرمزان" إسلامه.

الواقعة دي مهمة جدًا لأن ثمة روايات كثيرة، أن "الهرمزان" اعتنق الإسلام فقط حفاظًا على حياته، بينما ظل في قلبه على دينه وعلى ولائه لبلاد فارس.. دا مايخصناش لأننا مش بنفتش في القلوب ولا نحكم بلا أدلة.. بس الحقيقة أن المسلمين كانوا بينظروا طيلة الوقت للهرمزان بقلق وحذر.

من ضمن الأسرى كان واحد اسمه "فيروز النهاوندي".. كنيته اللي اشتهر بها كانت "ابو لؤلؤة الفارسي".. ودا بقى مجوسي زي ماهو.. وأصبح عبد، واتوزعت الغنائم بعد النصر ووقع من نصيب "المغيرة بن شعبة".. حاكم الكوفة.

وكان "أبو لؤلؤة" نجار ونحات وحداد.. وكان هو واللي زيه من الأسرى ممنوعين من دخول المدينة المنورة، لكن "المغيرة" بيطلب الإذن من "عمر" أنهم يدخلوا "ابو لؤلؤة" لأنه صانع ماهر، ممكن يتعلم منه المسلمين حاجات كتير.. فبيوافق "عمر".

أول ما بيدخل المدينة بيروح يشتكي "المغيرة" لـ"عمر".. وبيقول له أن "المغيرة" بيطلب منه خراج 3 دراهم يوميًا ودا كتير.. فـ"عمر" بيخبره أنه مش كتير على صنعاته وخبراته.. بيتصاعد الدم إلى رأس "أبو لؤلؤة" ويتغاط.. بس "عمر" مابيلاحظش دا.. وبيطلب منه يعمل له "رحى".. طاحونة يعني.

فأبو لؤلؤة بيرد عليه: "لأصنعن لك رحىً يتحدث الناس بها".

العبارة دي حمالة أوجه.. ولها محملين.. منهم "دا أنت حتشوف طحن مشفتهاش قبل كده".. بمعنى الوعيد.

طبعًا "عمر" مكانش ساذج ولا تلميذ.. ففهم التهديد.. بيصرف "أبو لؤلؤة" وبيشرد فبيسأله الصحابة مالك؟ فبيقول لهم "لقد توعدني العلج بالقتل".. و"العلج" هو الرجل الأجنبي الكافر.. وجمعها "علوج".

وليلة 6 نوفمبر من العام 644.. كان الصحابي "عبد الرحمن بن أبي بكر" ماشي في منطقة هادئة.. ففوجيء بالهرمزان وأبو لؤلؤة وواحد اسمه "جفينة"، مجتمعين بيتهامسوا وبيتفرجوا على شيء ما.. فلما برز لهم بغتة وسط الظلام.. ارتبكوا وسقط من أيديهم خنجر عجيب، ماشفش مثله من قبل.

خنجر ذو رأسين، صنعه أبو لؤلؤة نفسه.. بياخدوه وينصرفوا في ارتباك وتوتر.. و"عبد الرحمن بن أبي بكر" مابيهتمش بالقصة، وبينصرف إلى حال سبيله.

بيأذن المؤذن لصلاة الفجر، معلنًا ميلاد 7 نوفمبر من العام نفسه، وبيصطف الناس خلف "عمر بن الخطاب" وبيبدأ يصلي بهم.. وأثناء صلاتهم بيتسلل عبر الصفوف "أبو لؤلؤة" وينهال على "عمر بن الخطاب" طعنًا بست طعنات قاتلة.

بيحصل ارتباك ويخرج الناس من الصلاة، ويحاصروا "ابو لؤلؤة" في ركن المسجد، لكن بيرفع عليهم سلاحه، وبيطعن منهم 13 واحد، بيموت منهم 6 فيما بعد، وبيبدأ في الهرب، فبيخلع "عبد الرحمن بن عوف" عباءته الثقيلة ويرميها عليه.. وبيتكعبل وينقضوا عليه محاولين أسره، لكن "أبو لؤلؤة" بيرفع خنجره، وبيطعن نفسه في قلبه طعنة نافذة، وبيقضي منتحرًا.

لما بيموت بيتكالبوا عليه ينتزعوا خنجره من صدره، ولما بيبدأوا التحقيق في الأمر بعدها.. بيهتف "عبد الرحمن بن أبي بكر" في استنكار وذهول، أنه نفس الخنجر إللى شافه مع أبو لؤلؤة و"جفينة" و"الهرمزان" في الليلة التي قتل "عمر" فيها.

ولأن الصحابة بشر في النهاية مش آلهة.. ناس بتخطيء وتصيب، ومع الإنهيار لموت أبيه، بيعميه الغضب، ويتمكن منه الشيطان.. فبينتزع "عبيد الله بن عمر" سيفه، ويتوجه للهرمزان وجفينة ويقتلهم.. وبعدين بيروح بيت أبو لؤلؤة، وبيلاقي بنته، وكانت طفلة صغيرة، فبيقتلها هي كمان بدون ذنب، في جريمة مروعة.. بتتسبب في مشكلة رهيبة.. حنتكلم عنها قدام شوية.

بيرقد الإمام "عمر" على فراش الموت.. وكان قرر نظام لاختيار الخليفة من بعده، فعمل مجلس شورى من ستة من الصحابة، يكون اجماعهم ملزم.. وكانوا الستة هم "علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله" رضي الله عنهم.. فلو المجلس انقسم في رأيه 3 إلى 3، يحكموا بينهم "عبد الرحمن بن عوف". وبيطلب "عمر" منهم يبدأو الاختيار قبل وفاته.

بيجتمع مجلس الشوري، وبيطلب منهم "عبد الرحمن بن عوف" أنهم يختاروا ثلاثة منهم بس .. فبيبدأ "الزبير": "جعلت أمري إلى علي".. و"سعد" بيختار "عثمان".. واختار "طلحة" صاحبه "عبد الرحمن بن عوف".

بيبدأ "عبد الرحمن" بـ"علي": إن لم أبايعك فأشر عليَّ، فمن ترشح للخلافة؟ فبيقول "علي" في هدوء:"عثمان بن عفان".. وفي النهاية بينحصر الإختيار بين إثنين.

"علي بن أبي طالب" و"عثمان بن عفان".

وهنا.. بيضطر "عبد الرحمن بن عوف" أنه يتجاوز المجلس.. ويبدأ يستقصي آراء عموم المسلمين.. وفي النهاية بترجح كفة "عثمان بن عفان".. اللي نعرفه كلنا بلقب فريد.. قيل أنه اتلقب به لأنه الوحيد اللي جمع في الزواج بين ابنتي نبي، وقيل لأنه كان يكثر من القرآن والصلاة ليلًا.

لقب "ذو النورين".

ومع استشهاد سيدنا "عمر".. بيبدأ "عثمان بن عفان" ولايته بالتحقيق في جريمة قتل صعبة جدًا.. لأن "عبيد الله بن عمر" قتل رجلين بلا محاكمة وبشهادة رجل واحد لا تصلح إلا كقرينة.. والطامة الكبرى والمأساة.. أنه راح ضحية جريمته الغاضبة طفلة صغيرة بلا ذنب.

بيشاور الصحابة حول المأزق دا، ففريق بيقول ومنهم سيدنا "علي" أنه "عبيد الله" يقتل قصاصًا.. لأنه النفس بالنفس.. وفريق آخر بيقول "يقتل عمر بالأمس وابنه اليوم"؟

فقرر "عثمان" يميل مع الرأي الآخر، وبما إنه أصبح الخليفة والطفلة مالهاش حد بعد انتحار أبوها.. فيبقى "ولي الدم" هنا هو "عثمان" نفسه.. فبيحكم بالدية، ويدفعها من ماله الخاص عن "عبيد الله".

الواقعة دي كانت أحد النقاط الهامة، اللي حتتسبب في الحادثة اللي أخفوها عننا سنين ومنعونا نتكلم عنها وسابونا نهبًا للجهلاء تارة، وللمتشددين الجهلاء تارة أخرى.

الحادثة اللي حفظها لنا التاريخ باسم "الفتنة الكبرى".. اللي وقعت بين الأعوام 656 و 661 ميلادية.

ودي الحديث عنها يطول، فنكمل كلامنا لاحقًا.

ويبقى للحديث.. بقية.

-------------

منشورات سابقة:

-------------

1 - http://bit.ly/2Rm5tBs

2 - http://bit.ly/2RACrOV