قبلما نلج حادثة الفتنة الكبرى، لازم نقف وقفة مع جماعة حتقابلنا في أواخر عهد "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، وحتستمر معانا عبر التاريخ لحد يومنا ده.. ونعرف تعريفهم وصفاتهم وأفعالهم.

الجماعة دي دايمًا بتهاجم الحاكم.. أي حاكم يتفق عليه الناس ويرضوا حكمه، وتشحن الناس ضده.. ومعارضتها للحاكم في معظم الأحوال بتكون بإنها تنشر الشائعات وتكبر الأخطاء البسيطة في عيون العامة، وتوقع البغضاء في قلوبهم.. وبينتهي دا إلى اللي بيخططوا له.. بأنهم يرفعوا السلاح عليه وعلى الدولة.

الجماعة دي متشعبة، ومتفرع منها جماعات وفرق.. كل واحدة بتتكلم باسم الإسلام.. وكل واحدة بتنتقد الأخرى وتشير لنفسها باعتبارها الفرقة الناجية، إللي حتدخل الجنة دون سواها. الجماعة دي بتكفر المسلمين.. وبتقول الشيء وعكسه.. وممكن يطلبوا من الحاكم شيء، وينفذه بالفعل.. فيهاجموه بسببه.. بيحرموا الحلال ويحللوا الحرام، وفي قتالهم مالهمش عهد ولا أمانة ولا ذمة.. يعني يهاجموا مدنيين عادي، يقنلوا شيوخ ونساء وأطفال بدون أي مشكلة.. تعمل معاهم صلح أو هدنة فيخرقوها دون ان يطرف لهم جفن.

مابيقدموش غير التكفير والرعب والإرهاب والتطرف.

خمنت يا ترى اسم الجماعة دي؟

الجماعة دي اسمها "الخوارج".

والحقيقة طبقًا للإمام "أبو الفتح تاج الدين" الأشعري، صاحب "الملل والنحل"، فالخوارج ماظهروش في أواخر عهد "عثمان".. بس دي كانت المرة الأولى اللي يرصدهم فيها المسلمين بشكل واضح صريح ويتجمعوا بالشكل دا.. الإمام قال صراحة: كل من يخرج على الحاكم اللي اتفق عليه عموم الناس، يبقى من الخوارج.. التعريف دا اتفق معه فيه فقهاء كتير، منهم "ابن حزم الظاهري".

دولة النبي "سليمان" جاءت بتفاصيل كثيرة في الكتاب المقدس والقرآن الكريم.. لكنها تاريخيًا عملت مشكلة للمؤرخين لأن مالهاش آثار خلفها.. أندثرت تمامًا.. فبالتالي بعضهم أنكر وجودها ووجوده بالمرة.. لكن البعض راح يقارن بين الدولة دي، اللي كانت بين مصر والشام، ودول أخرى وملوك آخرين.. ويحط لنا احتمالات أن "سليمان" دخل التاريخ باسم آخر غير الاسم اللي ذكرته الكتب المقدسة.

يعني هو كان ملك ودولة موجودين بالفعل، بس التاريخ نقل لنا أخباره باسم آخر.. الكتاب المقدس فيه لمحات طفيفة بتشير لدا.

نرجع للخوارج، القرآن الكريم بالذات بيدي لنا إشارات عن طوائف من الشياطين خرجت على حكم "سليمان بن داود" عليهما الصلاة والسلام، وكان عقابهم مباشر سريع.. "ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير". في روايات كتير أن الجن اللي خرجوا عليه دول، استولوا على عرشه لفترة، لكن معظمها من الإسرائيليات.. وموقف الفقه من الإسرائيليات هو إننا "لا نكذّب ولا نصدق".

وبعدين بنلاقي في مسند الإمام أحمد، في الجزء العاشر في صفحتي 52 و53، حديث شريف عن الخوارج، قبلما يتجمعوا في أخر عهد "عثمان" بزمن.

الحديث قصته أن النبي ﷺ كان قاعد مع أصحابه، فدخل عليهم "ابي بكر الصديق" رضي الله عنهم، وقال له في حبور، إنه مر بوادي كذا وكذا.. وشاف رجل حسن الهيئة، يصلي متخشعًا في ورع بالغ.

ولكن رد النبي ﷺ كان مفاجيء لأصحابه لأنه أمر "أبي بكر" فورًا:

- "إذهب إليه فاقتله".

بدون تردد بينطلق الصديق ويروح للراجل دا، فبيلاقيه زي ماهو بيصلي في خشوع.. بيتملكه التردد والحيرة.. فبيرجع مرة أخرى لصاحبه قائلًا في خجل: "يا رسول الله، إني رأيته يصلي متخشعًا، فكرهت أن أقتله".

فالنبي بيأمر سيدنا "عمر" بنفس الأمر الرهيب.. بيروح "عمر" من فوره، وبيجد الرجل في صلاته، وبيصيبه نفس اللي أصاب "أبو بكر" وبيرجع في خجل يقول ذات العذر ويقدم ذات التبرير بنفس الكلمات.. فالنبي ﷺ بيبعت له سيدنا "علي".

بيروح "علي بن أبي طالب" يقتل الرجل، لكن بيرجع بعد قليل نافيًا: "يا رسول الله إنني لم أره".. الراجل مشي.

النبي ﷺ هنا بيشرح لهم ما خفي عليهم.. الراجل دا بيصلي صلاة مالهاش معنى.. وبيقرا القرآن من غير ما يعمل به قدر خردلة.. علاقته بالدين هي علاقة "سهم يمرق من الرمية".. يعني زي سهم قوي انطلق واصاب جسم ما، وعدا منه للناحية التانية إلى الأرض.. حيعلق بالسهم ايه من الجسم؟ قطرات بسيطة من الدم بالكتير.. وحيخرج من الجسم زي ما دخل.

دول بالضبط كده.. بيدخلوا الدين ويخرجوا منه بدون ما يعرفوا عنه شيء ولا يتعلموا شيء.. ولا يعملوا به إطلاقًا.. علاقتهم به مجرد مظاهر.

ودا من أول الروايات في وصف الخوارج.. في روايات مختلفة للحديث، بعضها ذكرت أن النبي قال لأصحابه يومها أنهم لو قتلوا الراجل دا.. كان انتهي جنس الخوارج من الوجود.. وماختلفش من بعده رجلين.

الخوارج بيعملوا حاجة لطيفة جدًا بقى.. يشجعك سرًا تخرج على الإمام أو الحاكم.. ولما تخرج على الإمام يقعد شوية يشوف الكفة حترجح لمين.. وماعندهمش مانع إطلاقًا لو ثرت على الحاكم يقولولك "لا عيب.. مايصحش.. دا الإمام يا راجل برضه"..! لو لقوك بتنتصر بعدما لعبوا بك زي العبيط.. ينزلوا الساحة ويتسيدوا المشهد ويفوزوا بالغنيمة.

الخوارج أبدًا مابيخرجوش على محتل.. ومايقفوش ضد جيش محتل.. مايخرجوش علي الاحتلال العثماني ولا الإنجليزي ولا أي حاجة من دي.. لا.. يهادنوه ويستفيدوا منه.. ويمكن يكفروا اللي يخرج عليه طلبًا للاستقلال من أهل البلاد.. التاريخ زاخر بقصص تجسسهم وخيانتهم في هذا الخصوص.

معارضتهم زي ما قلنا دايمًا بالإرهاب والسلاح.. يعني مش بينتقد أو يعارض وبس.. حينفذ رأيه بالقوة.. ولو أنت عارضته حيكفرك ببساطة وسلاسة.. ويقتلك عادي لو سنحت له الفرصة.

الخوارج يقولولك مثلا "عايزين مدرسة.. ابني مدرسة".. تبني مدرسة فيخرجوا عليك لأن "مش التموين أولى من المدرسة؟" تعمل محل تموين يقولك "الصحة يا كافر.. فين الرعاية الصحة".. دا من طباعهم الشهيرة.

زي ما عملوا بالضبط في التحكيم الشهير بين سيدنا "علي" و"معاوية بن أبي سفيان"، زي ما حنشوف لاحقًا.. فبعدما قبلوا التحكيم.. واستقروا عليه واتحدد له موعد.. خرج منهم الآلاف يرفضوا التحكيم ويرفعوا السلاح...!!

والخوارج متقسمين جماعات وفرق.. وممكن يشتموا بعض ويتهموا بعض بالضلال والكفر عادي جدًا، وكل جماعة لها مرشد أو أمير خاص.. بتأتمر بأمره.

ذكر "الصحيح المسند" أنه اللي يموت منهم مش شهيد.. وأنهم "شر قتلى تحت أديم السماء".. أشر المخلوقات تحت قبة السماء.. و"خير قتيل من قتلوا".. واللي يقتلوه هو من خيرة الشهداء.

في بعض الفقهاء الكبار اعتبرهم كفار خارجين عن الملة من الأصل، ودا لأنهم كفروا الأئمة "عثمان" و"علي" والسيدة "عائشة" أم المؤمنين عليها السلام، ورفع أحفادهم السلاح على عموم الناس.. وفي منهم تهيب ده.. ورفضه.. لأن فيما مضى كان في بينهم صحابة.. فآثروا السلامة.. ورفضوا تكفيرهم.. ومشوا بالمبدأ دا لحد يومنا هذا.. رغم أن الخوارج في عصرنا مفيش بينهم صحابة بالتأكيد.

تقدر بناء على ما سبق.. تحط لنا اسم جماعة من جماعات الخوارج في العصر الحديث في بلدك في تعليق؟

أما علاقة الخوارج بالفتنة الكبرى وما أدى إليها، فدا حديث يطول، نتكلم عنه لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

-------------

منشورات سابقة:

-------------

1 - http://bit.ly/2Rm5tBs

2 - http://bit.ly/2RACrOV

3 - http://bit.ly/2NeseJs