أثناء خلافة "أبو بكر الصديق"، خرج على نفوذ وسلطان الدولة وقتها 3 طوائف من المسلمين.. كونوا ما يشبه بـ"حركات إنفصالية".. تهدف للاستقلال عن الدولة المركزية.. وتقويض نفوذها.. والانفصال عنها.

الطائفة الأولى دي كانت قبائل اعتنقت الإسلام وأعلنت تبعيتها للدولة الناشئة على مضض، ومكانتش مبسوطة أن النبوة تروح ليتيم فقير من قبيلة "بني هاشم".. ومايروحش النفوذ دا لحد منهم.. وانتهزوا فرصة وجود أحد مدعي النبوة، وهو "مسيلمة بن حبيب الحنفي"، واتبعوه باعتباره نبي جديد.

مع "مسيلمة" ظهر برضه مجموعة أنبياء مزيفة جدد.. زي "طليحة بن خويلد الأسدي"، و"سجاح بنت الحارث التميمية".. ودي قائدة قبيلة أدعت النبوة برضه، وتبعها قومها.. وقال "عطارد بن حاجب التميمي" فيها:

أمست نبيتنا أنثى نطيف بها **** وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا...!

والأخت "سجاح" دي حبت تحارب "مسيلمة" حرب نفوذ، لكن "مسيلمة" كان أمره استفحل وبقى عنده جيش من 100 ألف جندي.. فبتقرر تتجوزه، وبتضم جيشها على جيشه.

الواقع اللي سجله التاريخ ن معظم الناس دي كانت عارفة أن "مسيلمة" مش نبي، وكان عندهم قول شهير بيقول "فلان أكذب من سجاح".. لكن كان في وجودهم فرصة لتحقيق طموحاتهم في الانفصال عن الدولة.. حتى أن بعضهم سمع الآيات اللي كان بيألفها "مسيلمة" وقال له:

"أشهد أنك الكاذب وأن محمدا صادق، ولكن كذاب ربيعة (اليمن) أحب إلينا من صادق مضر (الحجاز)”.

وأما الطائفة الثانية، فناس عادت إلى عبادة الأصنام، ودي ضمت على الأولى ودعمتها.. يجب إسقاط السلطة المركزية بأي ثمن.

الفئة الثالثة، هي فئة من المسلمين، موحدين وبيصلوا ويصوموا ويحجوا وكل حاجة.. لكن رفضوا أداء الزكاة للدولة الإسلامية، باعتبار أدائها للدولة سقط مع وفاة الرسول ﷺ.. والفئة دي كانت أكثر الفئات عددا وعدة ونشاطًا.. ودول اتحركوا واتفاوضوا مع أبي بكر، وحاصروا العاصمة لحد ما يستجيب لشروطهم، ولما رفض حاولوا غزو المدينة نفسها.

والفئة دي بالذات صحابة كتير جدًا عارضوا قتالها، منهم "عمر بن الخطاب"، وقالوا لأبي بكر، أنهم مسلمون ودمائهم معصومة.. وحسابهم في رفض الزكاة على الله.

لكن "أبو بكر" بيرفض حتى يتساهل معهم في درهم.. حتى في حبل خيشي صغير، من حبال ربط الإبل، كان بيحتسب كزكاة قبل خلافته.

فالفكرة هنا إن الحرب مكانتش عشان الناس دي إرتدت، لأن كتير منهم كانوا مسلمين بالفعل.. الحرب كانت لانقاذ الدولة اللي بدأت تتفكك، وتتقسم.. وكل واحد بيروح في ناحية ويعمل دولة ويأسس إمارة.. يعني حرب سياسية من الطراز الأول.

دي نقطة مهمة جدًا لازم نفتكرها عبر الحلقات دي.. كل شيء مقبول.. كل شيء ممكن ناخد وندي فيه.. حتى اللي عبدوا الأصنام ومدعي النبوة اتحاوروا واتناقشوا.. لكن التهديد المباشر للدولة مفيهوش هزار ولا كلام.. دا حيقودنا للكلام عن فئة أخرى من المسلمين، حتتبين ملامحها لاحقًا.. وجب حربها وقتالها في كل عصر بدون نقاش.

الخوارج.

الفئة اللي من أولى صفاتهم إنهم خرجوا على الدولة بالسلاح لنزع البيعة عن الحاكم.. بعدما استقرت له.

المهم أنه حملات "أبو بكر الصديق" بتنجح، بيحارب في مواقع كتير جدًا.. في اليمن والبحرين والعراق والشام ومعظم شبه الجزيرة ضد قبائل متمردة، لدرجة أن بعض الصحابة قالوا "لقد كفرت الأرض كلها"، وبدأت تحارب خليفة المسلمين.

بس برغم الضغوط دي، بينجح الخليفة، وبيلم شتات الدولة، لكن بيخلف وراه أعداء كتير جدًا من القبائل دي.. الكل متربص به، والكل عايز يتخلص منه.. ويحقق أحلامه الانفصالية أو السلطوية.

قالوا لنا عن وفاة "ابو بكر الصديق" رضي الله عنه، في روايات، أنه اغتسل ذات نهار بارد، في أغسطس من العام 634 ميلادية.. فجت له حمى، رقد بسببها في الفراش 15 يوم.. وفاضت روحه بعدها.

نهار بارد في أغسطس في صحراء شبه الجزيرة؟ الله وحده يعلم.. لكن التاريخ حفظ لنا رواية أخرى.. أكثر منطقية.

فقبل تاريخ وفاته بعام كامل.. في أغسطس سنة 633 ميلادية، "كان "ابو بكر" الصديق و"الحارث بن كلدة" ويقول البعض، كان معهما "عتاب بن أسيد" رضي الله عنهم.. وكان "أبو بكر" عازمهم على صينية طعام اتقدمت له هدية من شخص مجهول.

وقبل ما يشارفوا على إنهاء المأدبة البسيطة، بيقفز "الحارث" فجأة مرتاعًا.. وكان طبيب بارع.. وبيهتف في "أبو بكر" أنه يتوقف عن الطعام.. وبيقول له "لقد أكلنا طعامًا مسموما سم سنة".

يعني سم بطيء المفعول، يعمل تأثيره ببطء على مدار سنة.

والغريب أن الثلاثة، بيظهر عليهم أعراض المرض بغتة في نفس اليوم، والأكثر غرابة أن الثلاثة كذلك، "ابو بكر الصديق" و"الحارث بن كلدة" و"عتاب بن أسيد"، بيموتوا في يوم واحد، بعد سنة بالضبط.

مين اغتال أول الخلفاء؟ محدش يقدر يجزم ولا عارف.. في ناس أشاروا بأصابع الاتهام لليهود.. وناس أشاروا لبني تميم أو قبيلة "الأسدي" أو "ربيعة" اصحاب "مسيلمة".. أو "ولاة الشام" اللي قصمتهم حملة "اسامة" للأسف محدش عارف فين الحقيقة بالضبط فين لحد دلوقتي.

المهم أن قبيل وفاة "أبي بكر"، وهو على فراش الموت.. بيقرر يتفادى الموقف اللي حصل في بيعة الخليفة الأول، فبيختار "عمر بن الخطاب" وبيسرها في نفسه، وبيبعت للصحابة يسألهم عنهم.

أول واحد كان الصحابي "عبد الرحمن بن عوف".. استدعاه "أبو بكر"، وقال له: "أخبرني عن عمر؟"، فأجابه: "إنه أفضل من رأيك فيه، إلا أن فيه غلظة". بيبتسم "ابو بكر".. وكان شايف أن "عمر" غليظ حاد لأنه شايف "ابو بكر" نفسه رقيق.. فكان بيعمل توازن في الشورى وإدارة الدولة.

بعد "عبد الرحمن بن عوف" طلب "عثمان بن عفان"، وبدأ يمليه كتاب خاص.. "هذا ما عهِدَ أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أمّا بعد..." لكنه بيفقد وعيه قبل ما يكمل الرسالة.. فبيرتجلها "عثمان": "أمَّا بعد فإني قد استخلفتُ عليكم عمر بن الخطّاب ولم آلكم خيراً".

فلما بيفوق "ابو بكر"، بيقرا الرسالة، وبيسأل "عثمان" عن سبب اللي كتبه، وبيعرف أن "عثمان" خاف من الشقاق والاقتتال، وبيقره على ما فعل.

بتروح الرسالة لـ"عمر" وبيقراها على الناس، وبعدين بيخرج عليهم "أبو بكر" متحاملًا على نفسه بصعوبة.. وبيقول لهم أنه ما عينش من بعده قريب له.. عين عليهم رجل عادل.. بعدما أخذ بالشورى.. وبيموت "ابو بكر" بعد الواقعة دي بأيام.

وبكده يكون "عمر بن الخطاب" أول خليفة يتم تعيينه مباشرة من سابقه.. وكان لـ"عمر" أعداء من طراز خاص، بيواجهه واحد منهم ويقول له في لطف وأدب أنه حيقتله بطريقة يحكي بها الناس لبقية الزمان.. ورغم ذلك بيستخف به "عمر" في قصة عجيبة...

والقصة دي تطول فنكمل كلام عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

-------------

منشورات سابقة:

-------------

1 - http://bit.ly/2Rm5tBs