بحكم "معاوية بن أبي سفيان" بتنتهي الخلافة الراشدة حسبما نعرفها.. ونبدأ ندخل في عصر الدولة الأموية.
وندخل في لعبة توريث الحكم.
بمجرد وصول "معاوية" لكرسي الخلافة.. بيقفل موضوع "دم عثمان" اللي المفروض أنه حارب عشانه.. ومابيتكلمش في القصة دي وبيقفل الملف دا تماما.. ومن وقتها تسرب للوجدان وفي الفقه والأدب عبارة "قميص عثمان".. للإشارة إلى فعل "معاوية" لما نشر قميص "عثمان بن عفان" رضي الله عنه، الملوث بالدم على المنبر وطالب بالقصاص له.. واعتبرت الجملة من وقتها دليل على كل شخص يرفع شعارًا لا يعنيه، من أجل الوصول لهدف شخصي.
التف حوالين "معاوية" العديد من فقهاء الشام وجاملوه بعنف.. ونتيجة للتطرف الشيعي من شيعة "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه، حصل تطرف مضاد.. حتى أن في أحاديث خاصة، وضعت لـ"معاوية".. توصف روعته وعظمته وتحذر من المساس به.. وترفعه فوق كل الصحابة إلى درجة الأنبياء.
لدرجة إن في باب فقهي كامل مفصل.. اسمه "باب مناقب معاوية".. ومناقب يعني "خصال حميدة".
الباب دا بالكيفية دي مفيش زيه في الفقه لسيدنا إبراهيم ﷺ أبو الأنبياء نفسه.
الشيعة وضعوا روايات وأحاديث شبيهة لسيدنا "علي".
في حديث بيقول "لا تذكروا معاوية إلا بخير فإني سمعت رسول الله، يقول: اللهم أجعله هادياً مهدياً واهد به".. الفقهاء قالوا عن ذلك الحديث: "لا اصل له".. وأورد "ابن الجوزي" في الموضوعات بعض الأحاديث التي ذكروها.. ثم ساق عن "إسحاق بن راهويه" أنه قال: "لم يصح في باب فضائل معاوية شيء"، وأخرج "ابن الجوزي" أيضا من طريق "عبد الله بن أحمد بن حنبل": سألت أبي.. ما تقوله في "علي" و"معاوية"...؟
فأطرق، ثم قال: اعلم أن "عليًا" كان كثير الأعداء.. ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا.. فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيدًا منهم لـ"علي".
وكان "معاوية" له 2 من كبار المعارضين.. "الحسين بن علي بن أبي طالب" و المعارض الأكثر ضراوة "عبد الله بن الزبير" رضي الله عنهما.. وبيدرك أن واحد منهم ممكن يحشد الناس حوله وينتصر ويعزله.. فبيقرر أنه يلغي الشورى.. ويحول نظام الحكم إلى التوريث المباشر.. وقيل أنه لجأ لدا لأن أهل الشام - مقر الخلافة - كانوا رافضين أي شخص غير أموي.. وبالفعل في دمشق بيعلن "معاوية" اختياره لـ"يزيد" ابنه على المنبر.. وبيبايعه أهل دمشق جميعًا دون اعتراض.
وفي الشام والبصرة ومكة بتتم البيعة ليزيد..لكن أهل المدينة بيرفضوا البيعة.. وبيرفضها أهل العراق ومصر.. رغم ذلك.. بيتم إعلان "يزيد" كخليفة في حياة "معاوية".. وبيبدأ "معاوية" يفض اهتمامه بالدنيا وييصيبه زهد عجيب.. حتى أن "عبد الله بن عمرو بن العاص" لما فكره بصفين.. قال أنه صمت وبكى.. و"عبد الله" التمس في صمته الندم.. وقال له "خلّ بيني وبين أرحم الراحمين".. وكان دايمًا يقول لمن حوله الجملة دي "خلوا بيني وبين أرحم الراحمين"... محدش له دعوة بيا.. سيبوني لله أرحم الراحمين يفصل في أمري.
والعجيب برضه أنه قبيل رحيله، كانت وصية "معاوية" لـ"يزيد" أكثر غرابة.
"معاوية" بيخبر يزيد أن في 4 يقدروا ينازعوه في حكمه.. "الحسين بن علي" و "عبد الله بن عمر" و"عبد الرحمن بن أبي بكر" و"عبد الله بن الزبير".
وبيشرح "معاوية" لـ"يزيد".. أن "عبد الله بن عمر" هجر الدنيا منذ "صفين" وانشغل بالعبادة.. و"عبد الرحمن بن أبي بكر" انشغل بالنساء.. و "عبد الله بن الزبير" خطر محدق.. عليه الحذر منه.. ولو ظفر به.. فعليه أنه يمزقه إربًا.
وبيكلم "معاوية" ابنه "يزيد" عن آخر رجل مصدر خطر.. "الحسين بن علي".. وبيوصيه أنه لو خرج عليه "الحسين" وقاتله.. وهزمه "يزيد".. فليصفح عنه، وليراع قرابته وحرمته...!!
وكان موقف عجيب من رجل على فراش الموت.. خرج على أبو "الحسين" نفسه ومن بعده على أخوه "الحسن".
بيموت "معاوية" سنة 680 ميلادية.. عن عمر يقارب الثمانين عامًا.. وبيمسك ابنه "يزيد" زمام الأمور.
وبيبدأ أهل الأمصار اللي رفضت خلافة "يزيد" في التواصل مع "الحسين" رضي الله عنه.. وبيبدأوا يتجمعوا.. وقد رفضوا فكرة التوريث.. وعليها رفضوا الخلافة القائمة.. وقرروا محاربة "يزيد بن معاوية".
وكان "عبيد الله بن زياد" هو والي العراق من قبل "يزيد".. وكان في موقف لا يحسد عليه لأن أهل العراق رافضينه ورافضين اللي مشغله.. فبيبدأ أول بأول يمسك كبراء البلد ممن له علاقة بالحسين ويقتلهم.. فبيوصل الخبر لـ"مسلم بن عقيل" ودا يبقى ابن عم سيدنا "الحسين".. فبيخرج على رأس مجموعة ويبدأوا في قتال ضاري مع حرس "عبيد الله".. وبيعجز الحرس عن صدهم.. فبينسحبوا إلى داخل القصر.. وبيأمر "عبيد الله" بغلق الأبواب.
فضلوا محاصرين القصر لساعات.. وبعدين اتجهوا إلى الجامع.. وانفتح باب القصر من جديد.. وخرج رجال "عبيد الله" وقد جمعوا شتاتهم.. وبيتوجهوا للمسجد.. ويحاصروا المجتمعين فيه.. وينتزعوا السقف ويهاجموهم بالقسي والسهام.. فبيموت معظمهم.. وبيتقبض على "مسلم بن عقيل" حي.. وبياخدوه لـ"عبيد الله".. اللي بيقول له "جئت تنتزع سلطاني؟".. وبيأمر بقتله في الحال.
مع قتل "مسلم" بيغضب "الحسين" غضب هائل.. وبيجهز رجاله واتباعه وبيكون مجموعة صغيرة من حوالي 150 رجل.. من رافضي توريث الحكم لـ"يزيد".. وبيخرج من مكة متوجهًا للعراق عشان يتجمعوا مع الباقين.
وفي الطريق.. بتحصّل "الحسين" رسائل من كبار الصحابة.. منهم "عبد الله بن عمرو بن العاص".. اللي قال أنه "والله لو أدركته ما كان ليخرج إلا أن يغلبني".. وقال "بن عباس" رضي الله عنهم أن "الحسين" لما تحدث معه عن الخروج على "يزيد" قال له: "لولا أن يزري بي وبك لشبثت يدي في رأسك".. لولا الكلام كنت مسكتك من شعرك عشان ماتتحركش.. لأن البلاد مش حمل حرب أهلية جديدة.
وعلى مشارف العراق، بيتغلب صوت العقل على الغضب في أعماق "الحسين".. وبيقرر يغير اتجاهه.. ويروح يقابل "يزيد" في الشام.. ويطلب منه أن يقتص لدم "مسلم بن عقيل" من "عبيد الله".. وبعدين يبايعه.. وينتهي الأمر.
لكن "عبيد الله" كان مراقب الطرق بين الشام والعراق.. وكان له جواسيس كتير من الأعراب.. بيعرفوا بنية "الحسين" رضي الله عنه.. وبيبلغوا "عبيد الله بن زياد".
وبيدرك "عبيد الله" أن بيعة "الحسين" لـ"يزيد" قيمة جدًا.. وحيرحب بيها "يزيد" أيما ترحيب.. حتى لو كان الثمن هو رأسه بسبب قتله لـ"مسلم بن عقيل".. بيعة "الحسن" تعني الحجاز ومصر والعراق.
وعليه بيقرر أن "الحسين" مش لازم يوصل لـ"يزيد" بأي ثمن.. فبيبعت ثلاثة من أخلص رجال "يزيد".. هم "عمر بن سعد" و"شمر بن ذي الجوشن" و"الحر بن يزيد" على رأس وحدات من الجيش.. وبيلتقوا بـ"الحسين" رضي الله عنه في كربلاء.
ولما بيلتقي الجيش بـ"الحسين" ورجاله.. بيقول لهم "الحسين" أنه مفيش داعي للقتال.. لأنه بالفعل متجه عشان يبايع "يزيد".. لكن أمر "عبيد الله بن زياد" كان قد صدر.. حكم بالإعدام مالوش استئناف.
وكان "الحسين" له رهبة في النفوس.. حفيد رسول الله ﷺ.. ومش جاي اصلًا للقتال.. فإيه الهدف من قتله؟ دا بيدفع التردد إلى أعماق "عمر بن سعد" وبيرفض يقاتل "الحسين".. وفي الوقت ذاته لما بيدرك "الحر بن يزيد" ان "الحسين" رايح يبايع الخليفة.. بيؤيده وبينضم له.
وبيجلس الأطراف يتحاوروا وسط الصحراء.. وبتبلغ الأخبار السوداء "عبيد الله بن زياد".. الناس اللي باعتها تقتل "الحسين" قاعدين يدردشوا معاه وواحد منهم انضم له! فبيبعت "بن زياد" واحد اسمه " جويرية بن بدر التميمي" على رأس قوة أخرى.. وبيأمره بقتل "عمر بن سعد" إذا رفض قتل "الحسين".
ومع وصول "جويرية" بيخطب في رجاله.. وبيبدأ هجومه مباشرة.. وكان المعركة فعلًا قصيرة.. لأن قوة "الحسين" كانت أقل من مائتي رجل.. وبينتهي الأمر بسرعة.. وبمقتل معظم رجال "الحسين"، واستشهاده هو نفسه.. بيحمل "جويرية بن بدر" رأسه المقطوع إلى "عبيد الله بن زياد".. فأخذ يعبث بها بعصاه ويقول أنه كان "قبيح".. فغضب "أنس بن مالك" وقال له "كان وسيمًا.. أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم".
وبينطلق رجال "بن زياد" ويأسروا آل البيت.. وبيشحنهم "بن زياد" مع رأس "الحسين" إلى "يزيد بن معاوية".
أول ما بيشوف "يزيد" رأس "الحسين" بيدرك أنه فشل في تنفيذ وصية أبوه.. فبيقول في حنق عن "بن زياد": "لو كان بينه وبينه رحم ما فعل هذا".. يعني لو كان "الحسين" قريب "عبيد الله بن زياد" مكانش الأخير قتله.
وبعد قليل بيعرض عليه آل البيت.. فبيستشير من حوله يتصرف إزاي.. فبيقول له "النعمان بن بشير" انه يجب أن يصنع بهم ما كان النبي ليصنعه لو كان حيًا.. وبيقول له الأخ "جويرية": "ناخدهم سبايا".
فالسيدة "فاطمة بنت الحسين" بتناديه: "يا يزيد! بنات رسول الله سبايا؟" فبيبكي ويبكي الحضور معاه.. ماعدا البارد "جويرية" غالبًا.. وبيأمر لهم بكسوة وعطايا وحسن مقام.. ثم بيأمر بصلب "جويرية بن بدر التميمي" باعتباره قاتل "الحسين".. لأن "يزيد" في الفترة دي مكانش يقدر يتحدى نفوذ القاتل الحقيقي.. واليه "عبيد الله بن زياد".
وفي الوقت نفسه بتبلغ الأنباء "عبد الله بن الزبير".. اللي بيبدأ يحشد رجاله ومعارضي "يزيد" ويضيف عليهم شيعة "علي" وأنصار "الحسين" رضي الله عنهم.. ويكون جيش يحارب به "يزيد".
وهنا بتدخل الأحداث في منحنى أكثر سخونة وشراسة.. والحديث عن الفترة دي نتكلم عنه لاحقًا.
ويبقى للحديث بقية.
-----------
المنشورات السابقة أول تعليق.
الصورة لكربلاء بالعراق.