العام الثامن الهجري.

وطفل صغير، عمره 8 سنوات.. هو أول طفل يتولد في المدينة، بعد الهجرة إليها، قاعد مع الرسول ﷺ نفسه.. بينما الرسول بيعمل لنفسه حجامة.. بيدي بعدها وعاء الدم للطفل الصغير، وبيطلب منه دفنه في موضع قصي.. دفن الدم مهم في بيئة زي الصحارى والغابات، لأنه رائحته بتجتذب الثعابين والضواري.

أخد الولد وعاء الدم وغاب دقيقتين ورجع بالوعاء فارغ.. طبعًا لا لحق يدفنه ولا حتى يرميه بعيد.. فبيسأله النبي ودا الدماء فين فبيقول له "في مكان لا يستطيع أن يصل إليه أحد".

فبيسأله: "لعلك شربته؟".. فبيرد أنه "نعم".

فبيطرق الرسول ﷺ للحظات وبعدين بيربت على رأسه ويقول له "ويل للناس منك.. وويل لك من الناس".

الولد دا هو "عبد الله بن الزبير".. ابن "أسماء بنت أبي بكر الصديق" من "الزبير بن العوام".. وأشرس المعارضين وأكثرهم ضراوة، لـ"يزيد بن معاوية". وكانت وصية "معاوية" نفسه لـ"يزيد" أن "الزبير" لو وقع في يده، عليه أنه يمزقه إربًا.

وفي الوقت نفسه، بتنشأ جماعة جديدة، بتقرر الثورة على "يزيد".. بنفس المبدأ اللي ثار به شيعة "عثمان" من قبل لما مات.. "دم عثمان".. بس المرة دي "دم الحسين".. الجماعة دي اسمها "التوابين".. لأنهم قالوا أنهم في ذنب عظيم.. لأنهم ماهبوش لنصرة سيدنا "الحسين".. وبالتالي عليهم أن يتوبوا.. ويثوروا على قاتله، بعد وفاته.

وبعد ظهور "شيعة عثمان" وبعدهم "شيعة علي" بتظهر طائفة جديدة.. شيعة "الحسين".

وفي العام 65 هجرية، بتبدأ الطائفة دي ثورة اسمها "ثورة التوابين".. وقامت ثورتهم من العراق.. بقيادة "سليمان بن صُرد الخزاعي" وبيضم عليهم كثير من شيعة الإمام "علي"..

ودي كانت أولى المشكلات اللي قابلت "يزيد".. اللي فوجيء بالثورة نفسها.. لأن الجماعة التوابين كانوا شكلوا جماعات سرية بتعمل في الخفاء.. بعيد عن أعين رجال "يزيد" واجهزة مخابراته.. اللي بتستطلع كل شيء وأحكمت قبضتها على كل شيء.

وكان أهدافهم وقتئذ.. إزاحة الدولة الأموية عن الحكم.. وبدء مرحلة جديدة.. من الحكم الشيعي.. ثم القصاص من قتلة "الحسين" رضي الله عنه.. وكانوا مؤمنين أن طلب التوبة لازم يكون عن طريق التضحية بالنفس.

وتدريجيًا بتتشكل الحركة وبيبقى لها مؤيدين وأتباع. وبيوصل العدد إلى ما يقرب من 4000 رجل.. بيزوروا قبر سيدنا "الحسين" ويجددوا توبتهم وندمهم.. وبعدين بيتحركوا للشام، عشان يحاربوا "يزيد" ويخلعوه ويقتلوه قصاصًا.. بيوصلوا إلى الأنبار، ومنها إلى القيارة، ثمّ إلى قرقيسيا ـ وهي بلدة على مصب نهر الخابور في الفرات ـ وبعدها منطقة عين الوردة.

وفي عين الوردة، بيلتقوا مع قوات "عبيد الله بن زياد"، اللي استخف بهم.. وارسل لهم 8000 جندي.. بالتالي.. كاد التوابين بالفعل ينتصروا.. لولا أن "بن زياد" لحق نفسه.. وبعت مدد من 20 ألف رجل آخرين.. أحاطوا بالتوابين دول من كل ناحية.. في الثاني والعشرين من جمادى الأولى، سنة 65 هجرية.. وبيكتشف أمير التوابين "سليمان بن صرد" أنهم هالكين لا محالة.. فبيأمر رجاله بكسر سيوفهم.. وبيتجمعوا في انتظار الموت.. باعتبار أن دا جزء من توبتهم.. وبالفعل، مابتكدبش قوات "عبيد الله بن زياد" خبر.. وأبادتهم عن بكرة أبيهم.. عدا واحد منهم فر بكتيبته.. اسمه "رفاعة بن شداد".. وانسحب على أنه يجمع رجال آخرين.. ويباشر القتال لاحقًا.

وفي الوقت نفسه.. كانت الأجواء السياسية في المدينة متوترة ملتهبة غير مستقرة.. لأن بيعة "يزيد" حسستهم بانتهاء العهد الراشدي المبني على الشورى، وبيروح وفود من المدينة لـ"يزيد بن معاوية" وبيتحاوروا معاه.. وبيرجعوا مجمعين على عزله، حتى لو تم الأمر بالقوة.. وعليه.. بيجتمعوا عند المسجد النبوي ويعلنوا خلع "يزيد" من الحكم.

وبيوصل الخبر لـ"يزيد بن معاوية".. وكانت المجموعة دي كبرت واستحالت إلى ما يقرب من 2000 رجل.. وحملوا السلاح.. وحاصروا بني أمية في "دار مروان بن الحكم".. فبيبعت لرجله القوي "بن زياد" يطلب منه التقدم بالجيش لهناك.. بس "زياد" بيقول.. مش كفاية إني قتلت "الحسين؟؟ "أقتل ابن رسول الله وأغزو الكعبة؟" فبيبعت يتحجج له بالمشاكل في العراق.. فبيبعت لهم "يزيد" لهم جيش آخر بقيادة " مسلم بن عقبة المري"، بيوصل المدينة من ناحية "الحرة".. وبيمهل أهلها 3 أيام.. يضعوا أسلحتهم ويعلنوا الطاعة لـ"يزيد".. ولما بيرفض أهل المدينة.. بيقتحمها وبيستبيحها 3 أيام.. وبينهب كل ما في بيوتها من خير ويقتل اللي يعترض.. لدرجة أنه مات كتير جدًا من الصحابة في الموقعة دي اللي اتسمت باسم "وقعة الحرة".

وفي الوقت نفسه، كان "يزيد" بيحاول يتخلص من "عبد الله بن الزبير".. اللي استغل معارك الحرة.. وبدأ يحشد رجاله لقتال "يزيد".. فبيتقدم شقيقه"عمرو بن الزبير".. وبيطلب من "يزيد" أنه يعينه قائد للجنود.. وهو يهزم أخوه "عبد الله بن الزبير".. فبيوافق.. وبيقود الجنود إلى المدينة مع "أنيس بن عمرو الأسلمي".. وبيستبيحها كذلك.. وبيقابل "عبد الله" أخوه.. وبيطلب منه يسلم نفسه ويمتثل لـ"يزيد".. فبيرفض "عبد الله".. وبيهاجم "أنيس بن عمرو الأسلمي" ورجاله.. وبينجح في قتل هذا الأخير.

وبعد قتال عنيف وإصرار من "عمرو بن الزبير".. بيرسل له "عبد الله" أحد رجاله "مصعب بن عبد الرحمن".. اللي بيقدر ينتصر.. وبيهزم رجال "عمرو".. فبيهرب "عمرو بن الزبير" لبيت أخوهم الثالث "عبيدة بن الزبير" وبيطلب منه الجوار والحماية فبيقبل.. ويحميه وياخده لأخوهم "عبد الله"، عشان يصلح بينهم.. لكن "عبد الله" بيصر على عقاب "عمرو" للي عمله في أهل المدينة.. فبيحكم عليه بالجلد.. وبيموت "عمرو" تحت السياط أثناء تنفيذ الحكم.

وبعد واقعة الحرة.. بيتقدم جيش "يزيد" بقيادة "مسلم بن عقبة" أكثر.. عشان يقمع تمرد المدينة ويقضي علي المعارضين.. وبيوصل للمشلل.. وهناك بيموت "مسلم".. وبيتولى "الحصين بن النمير" قيادة الجيش.. وبيوصل مكة المكرمة ويحاصرها.. وبيسيطر عليها كلها تقريبًا عدا المسجد الحرام.. اللي بيحتمي به "عبد الله بن الزبير" ورجاله.. فبينصب "الحصين بن النمير" المجانيق.. ويفضل محاصرهم.. لكن بينشب فجأة في معسكره حريق مفاجيء.. قيل أنه من صاعقة.. وقيل أنه لأسباب مجهولة.. وبتتسع النيران وتحملها الرياح لمعسكر "بن الزبير" فبتحرق خيامه.. وبيصاب الطرفان بالذهول.. والنار ماسكة في قواتهم معًا.. وبعدين بتحملها الرياح وتدفعها أكتر.. فبيوصل اللهب للكعبة الشرفة.. وبتشتعل فيها النيران.

وكان لحظة حرق الكعبة دي "يزيد" نفسه اتوفى من خمس أيام مضت.. لكن الخبر مكانش لسه وصل.. في 20 ربيع الأول سنة 64 للهجرة الموافق 16 نوفمبر 683.

حكم "يزيد" 4 سنوات فقط، كلها مشاكل وحروب واضطرابات.. وتولى من بعده ابنه "معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان".. أو "معاوية الثاني" زي ما بيحلوا لبعض المؤرخين اللي يسموه.. ودا مادامتش خلافته لأكثر من 40 يوم في قول.. أو 90 يوم في قول.

وما نقل عنه أن الرجل دا كان وقور عادل.. لدرجة أن في خبراء قرروا يضموه لقائمة "الراشدين".. رغم قصر مدة حكمه.

والقصة دي الحديث عنها يطول...

ويبقى للحديث بقية.

----------

المنشورات السابقة أول تعليق

---------