"من قيصر عظيم الروم لمعاوية: علمنا بما وقع بينكم وبين علي بن أبي طالب، وإنّا لنرى أنكم أحق منه بالخلافة، فلو أمرتني أرسلت لك جيشاً يأتون إليك برأس علي.

من معاوية لهرقل: أخان وتشاجرا فما بالك تدخل فيما بينهما! إن لم تخرس أرسلت إليك بجيش أوله عندك، وآخره عندي يأتونني برأسك أُقدِّمه لعليّ".

رواية انتشرت على مواقع التواصل من زمن.. وأختتمت بعبارة "عندما كنا عظماء".. الحقيقة الرواية بنصها لا سند لها ولا أصل.. بعض الفقهاء قال:

"والظاهر أنه من القصص التي تروى في المواعظ والخطب بدون إسناد".

"معاوية بن أبي سفيان" شخصية من أكثر شخصيات التاريخ جدلًا. خصوصًا أن فقهاء عصره حطوه في قالب "لو انتقدته تبقى شيعي".. أو "رافضي" في الإصطلاح الأحدث.. الحقيقة الموقف اللي ارتكن إليه شخصيًا في الموضوع دا هو موقف "عبد الله بن عمرو بن العاص".. والذي قيل عنه أنه "من أفقه الصحابة".. فتصرفه اللي حكيناه الحلقة السابقة، يمثلني تمامًا.

اليوم الأول كان الأربعاء 1 صفر 37 هـ..

التاريخ في المرحلة دي متردد مرتبك.. وخاف من ألسنة مؤرخين ورجال دين كتير وتكفيرهم ومحاكم تفتيشهم.. فكان حذر مقتضب.. وصف أحداث المعارك متناقض متضارب ومعظمه مفقود.. فيما عدا آخر يومين.. لكن المعاركة كانت متكافئة إلى حد ما.. ودارت من الصباح للمساء أغلب الوقت.

والحقيقة إن جيش "معاوية" لما بيوصل بيتردد معظمه بالفعل.. الجيش المقابل فيه صحابة كبار جدًا.. "علي بن أبي طالب" و"ابن عباس" و"سلمان" و"قيس بن سعد" و "هاشم بن عتبة " و"عمار بن ياسر" و"عبد الله بن بديل" رضي الله عنهم.. صحابة كما ينطبق عليهم تعريف "صحابي".. بينما جيشهم كان فيه "معاوية" و"عمرو بن العاص" تقريبًا فقط.. حتى الرجل اللي من أفقه الصحابة.. "عبد الله بن عمرو".. رفض قتال الخليفة.. ووضع سلاحه.. أضف لأن جيش الإمام "علي" كان فيه كتير جدًا من "القرّاء" اللي اتكلمنا عنهم.. ودول كان لهم الكثير من الاحترام في النفوس.

وهنا.. بينهض "عمرو بن العاص" يخطب في الجيش.. وبيقول لهم "إن شجعان أهل الكوفة وأبطالهم ماتوا يوم الجمل، واللي فاضلين مع (علي) دلوقتي قلة منهم.. يقدروا يهزموهم بسهولة.. "إن صناديد أهل الكوفة والبصرة قد تفانوا يوم الجمل، ولم يبق مع علي إلا قليلًا.. وقد قتل الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تطلبوه".

وفي المقابل بيخطب في جنود الإمام "علي" الصحابي "عمار بن ياسر".. وكان "عمار" من أتراب الرسول ﷺ، فيوم صفين كان معدي التسعين من عمره، وبيحارب على الواقف قدر ما يستطيع.. وكان طويل أسمر عريض الصدر، ملامحه مش مجعدة بما يناسب سنه.. والشعر نحل وخف شوية عن مقدمة رأسه.. وكان في حديث صحيح عن "عمار" رضي الله عنه، قيل في حياته وقبل صفين بسنين طويلة.. أنه "تقتله الفئة الباغية".. فاللي حصل يومها أن وجود "عمار" في جيش "علي" رضي الله عنهما خلا صحابة كتير مترددين أو مش عايزين يقاتلوا.. ينضموا تحت لواء "عمار".. منهم مثلا "خزيمة بن ثابت".

وكان "خزيمة" معتزل القتال.. لكن وجود "عمار" خلاه يقاتل ضد "معاوية" فيما بعد.

بينطلق من جيش الإمام "علي"، القائد "الأشتر النخعي" رضي الله عنهما.. على رأس مجموعة من كتائب الفرسان.. وبيتقدم له زيهم تقريبًا من جيش "معاوية" بقيادة "حبيب بن مسلمة".. وبترتجف الأرض تحت سنابك الخيل، اللي بتثير عاصفة من الغبار، عشان ترسم في الجو ملامح أول حرب أهلية حقيقية في تاريخ الدولة الإسلامية، منذ انتهاء النبوة.

بتدور المعارك لأيام طويلة.. في اليوم الرابع بيخرج " محمد بن علي بن أبي طالب"، ابن "علي" من "خولة بنت جعفر الحنفية" وعشان كده اتسمى "محمد بن الحنفية".. تمييزًا له عن "الحسن والحسين".. وبيخرج يقود كتائب من جيش "علي" رضي الله عنهم.. وكان تخطيط هذا الأخير أنه يغير القادة يوم بعد يوم والفرق المهاجمة يوم بعد يوم، عشان مينهكش الجميع مرة واحدة.. والتكنيك دا مانجحش أوي لأن "معاوية" قلده فيه بالضبط.. وفضل القتال دائر لأيام احتقنت بالغبار والدم.. لحد ما بيسقط "عمار بن ياسر".. وبنوصل لليوم السابع.. وفيه بينتهي القتال بمرارة في حلوق الطرفين.. "عمار" مات على يد قوات "معاوية".. في اللحظة دي بينضم ""خزيمة بن ثابت" لجيش "علي بن أبي طالب"، مذكرًا الجميع بحديث "الفئة الباغية".. ومعلنًا أنه عرف الحق في أي صف وقتها.

الكل كان بيهاب "عمار" حتى أعدائه.. بيصلي عليه سيدنا "علي" وبيدفنه في ملابسه، باعتباره شهيدًا.. لأن الشهيد لا يكفن و لا يغسّل.

وفي الليلة السابعة بيتخذ "علي" رضي الله عنه قراره، بأنه يحشد الجيش كله، ضد جيش "معاوية".. وبيتخذ "معاوية" قرار مماثل.. وبيعسكر الجيشين وبتدوي آيات الذكر الحكيم في المعسكرين ليلًا بصوت هادر، وبترتفع الأكف لله بدعاء كل فريق.. وكل فئة بتدعو لنفسها بالنصر.. وكل فريق بيرجو من الله أنه ينصره على الآخر.

وكان جيش معاوية في موقف عجيب.. فمع مقتل "عمار".. ومعرفتهم بأنه تقتله "الفئة الباغية".. بيشعروا بوخز ضمير حاد.. وبترتبك معنوياتهم للغاية.. لكن "عمرو بن العاص" كان فحل مفوه في الخطابة.. وقائد عسكري شاطر.. فبيخطب فيهم.. وبيبايعوه ليلتها على الموت.

وفي اليوم الثامن، ومع سكين الفجر الأولى وهي بتشق ستائر الظلام.. بينطلق الخليفة "علي بن أبي طالب" بنفسه على رأس جيشه.

ومن المعسكر الآخر.. في المقابل بيتقدم "معاوية بن أبي سفيان" على رأس جيشه.

وبيلتحم الجيشان في موقعة مروعة رهيبة.. وأمام ضربات جيش العراق القاصمة.. بينسحب "معاوية" مؤقتًا بحلول الليل.. وبينتظر الغد لاستئناف القتال بخطة جديدة.

وفي الخميس 9 صفر 37 هـ، بيصلي سيدنا "علي" الفجر، ويستأنف القتال، وعلى ميمنته "عبد الله بن بديل" وميسرته " عبد الله بن عباس".. "عبد الله بن بديل" بتلوح له ثغرة في ميسرة "معاوية" فبيتقدم إليها.. والحقيقة أنها كانت كمين.. بيسقط فيها "عبد الله بن بديل".. شهيدًا. وبتنكشف ميمنة جيش العراق.

مع انكشاف الميمنة، "معاوية" بيقوم بهجوم ساحق.. ومع هجوم معاوية.. بينكشف جيش "علي" لدرجة أن قوات "معاوية" بتكاد تفتك به بالفعل.. لولا أنه قاتل في استماتة.. ويقال أنه في الهجمة دي قتل منفردًا 500 رجل.

لكن مع سقوط "عبد الله بن بديل" بيتقدم بداله "الأشتر النخعي".. وبينجح "الأشتر" في إنه يلم الميمنة من جديد.. وفي نفس الوقت بيستغل "عبد الله بن عباس" اندفاع قوات الشام.. وبيخترق جيش "معاوية" من القلب.. وبتتقدم القوات من "معاوية" نفسه.. لدرجة أنه قيل أنه كان بين عنقه وبين سيف "الأشتر النخعي" فرسين.

ولأول مرة منذ بزوغ الفجر في اليوم ده.. بيبدأ جيش "معاوية" يندحر ويتراجع.. وبيدرك "معاوية" أنه شارف على الهزيمة.. فبيهتف في "عمرو بن العاص" لنجدته.. قبل ما يتقدم جيش العراق.. وينهي الحرب منتصرًا.

هنا بيخرج "عمرو" بخطة ذكية بارعة.. ماتخرجش بالفعل إلا من داهية العرب.. وبيشرع في تنفيذها على الفور...

والخطة دي نتكلم عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

-------------

منشورات سابقة:

-------------

1 - http://bit.ly/2Rm5tBs

2 - http://bit.ly/2RACrOV

3 - http://bit.ly/2NeseJs

4 - http://bit.ly/2XoDruI

5 - http://bit.ly/2IAYulr

6 - http://bit.ly/2IYrjHm

7 - http://bit.ly/2IKnM0s

8 - http://bit.ly/2FBavFz

9 - http://bit.ly/2YkwqIt

10 - http://bit.ly/2JbJqdh

11 - http://bit.ly/2ZZj84v