وكانت خطة "عمرو بن العاص" هي التخلص من "عبد الله بن عباس" ابن عم رسول الله ﷺ و"محمد بن الحنفية".. ابن الإمام "علي بن أبي طالب".. وبكده يتوتر سيدنا "علي".. وينهار.. ويخسر المعركة بسهولة ويسر.
ومع أول أضواء الفجر.. بينهض جيش "معاوية" لتنفيذ الخطة الرهيبة.. الهجوم حيتركز على المحورين دول.. ويتم التخلص منهما كأولوية مطلقة.
وقبيل تقدم رجال جيش الشام.. وقبل ما يهتف فيهم "عمرو بن العاص" بالهجوم.. بيبدو فجأة في الأفق غبار جيش جديد.. وجنود جديدة.. "قيس بن سعد" جاء أخيرًا من مصر وبصحبته "الجند الغربي" زي ما كانوا بيسموا الجيش المصري.. وبيرى "عمرو" بعينيه "قيس" معاه خمسين ألف فارس تقريبًا.. بيبرز خلفهم من قلب غبار الصحراء؛ العشرات من كتائب الرماة.. وبيتقدمهم أكثر من ثلاثين ألف جندي مشاة.. بكامل عدتهم وعتادهم.
وكان "الجند الغربي" بيدعم "علي بن أبي طالب".. وبيهلل جيش العراق فرحًا.. ومع ظهور الجند الغربي المباغت الرهيب.. بيتجه بصر "معاوية" إلى قائده الشجاع "عمرو بن العاص" مستنجدًَا.
ولأن الشجاعة لا تعني الحماقة.. بيدرك "عمرو" مع ظهور "قيس" بالقوات المصرية، أن اللعبة انتهت.. وبيأمر "عمرو بن العاص" جند الشام بوضع أسلحتهم للمرة الأولى.. وبيرفع الراية البيضاء.. تليها مباشرة راية المفاوضات.
قيل أن "عمرو" أمر جنوده برفع المصاحف على أسنة الرماح.. والرواية دي مالهاش سند ومجرد خزعبلات.. مع انها منتشرة جدا.. الحقيقة أن "عمرو" بيتقدم وحيدًا وهو ماسك مصحفه.. وبيطلب من "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه التفاوض.. وبيقول له أن الحكم لله فقط.. فبيرد سيدنا "علي" بالعبارة الشهيرة الدارجة "قول حق يراد به باطل".
لكن "عمرو" بيصر على التحكيم.. ولأن جيش "علي" كان فيه كثير من "القراء" اللي اتكلمنا عنهم.. بيثير رفع المصحف في نفوسهم رهبة واحترام.. فبيطلبوا من الإمام "علي" يوافق على طلب التحكيم.
تحت الضغط وحقنًا للدم بيوافق "علي" رضي الله عنه على التحكيم.. وبيصرف "قيس" بالقوات المصرية.. الحقيقة أن القوات دي ماتلوثتش أيديها بدماء الفتنة بتاعت صفين أبدًا.. ودا رجع إلى ذهن "عبد الله بن عمرو" حديث شريف قيل فيه "تكون فتنة، أسلمُ الناس فيها ـ أو قال خير الناس فيها ـ الجند الغربي" وقيل في آخره "لذلك قدمت عليكم مصر".
الألباني هو الوحيد اللي ضعف الحديث ده.. ومش عارف ليه.. ومش عارف إيه أهمية الأخ الألباني ولا إيه حيثيته أساسًا.. عشان ينكر أحاديث ويضعف ويصحح ويحسن.. وبحثت عنه لقيته كان عامل في مكتبة في دمشق.. ولو حد غيره عمل نصف اللي عمله لاتهموه بالكفر وإنكار السنة.. ولو معاه دكتوراة في الشريعة.
المهم أن الطرفين بيتفقوا علي موعد للتحكيم.. وبيختار "معاوية" مستشاره وصديقه "عمرو بن العاص".. وبيختار الإمام "علي" رضي الله عنه.. الصحابي "ابو موسى الأشعري".
والغريب أنه بعد الاتفاق على موعد التحكيم.. بيحصل شيء غريب.
طائفة الخوارج بتتلم على طائفة "القراء" اللي صمموا على التحكيم في جيش "علي".. وبيتفق الاتنين على أنه التحكيم غلط وحرام.. وبعدما بينفض الجيوش ويرجع الجند الغربي لمصر وجند الشام والعراق لقواعدهم.. بيهاجموا "علي".. ويطلبوا منه رفض التحكيم!
ولأن دا حاكم وكلمته عقد مش طفل في رابعة ابتدائي.. بيرفض "علي" كلامهم وبيستنكره.. فبينسحبوا من جيشه مع من تبعهم.. وكان عدد المنسحبين وقتها 12 الف.. بيقرروا يعتصموا في "حروراء".. ويحاربوا الإمام "علي" اللي في نظرهم.. بيخالف شريعة الله ورسوله...!
الطائفة دي من الخوارج اسمها "الحرورية".
بيقرر الإمام "علي" يحاربهم ويقاتلهم لخروجهم الصريح على الدولة.. فبيرفض "عبد الله بن عباس" رضي الله عنهما وبيقول له: "يا أمير المؤمنين، لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم".. فالإمام بيرفض خوفًا عليه وعلى حياته منهم.. لكن "ابن العباس" بيصمم.. وبيتوجه لهم في مكان اعتصامهم.
أول ما بيوصل بيسألوه عما جاء به.. فبيرد قائلًا: "أتيتكم من عند أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وصهره وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم وليس فيكم منهم أحد لابلّغكم ما يقولون وأخبرهم بما تقولون".
أنا جايلكم من عند آل بيت الرسول واصحابه ودا اللي نزل عليه القرآن وهم اعلم بتفسيره.. ومفيش منكم حد زيهم ولا منهم.
قولوا لي بقى إيه سبب غضبكم واعتصامكم؟ فبيقولوله: الأول أن "علي" قبل التحكيم.. وحَكَّم الرجال في أمر الله.. وقد قال الله تعالى: إن الحكم إلا لله.
أما الثانية.. فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فإن كانوا كفارا سلبهم وإن كانوا مؤمنين ما أحل قتالهم...
حارب "عائشة" و"معاوية" ومشفناش سبايا ولا غنايم.. لو كفار كان موافقش على الصلح وحارب وخدنا غنائم.. لو مؤمنين.. كان بيقاتلهم ليه أصلا؟
فبيرد ابن عباس: "هذه اثنتان فما الثالثة؟" فردوا عليه "إنه محى نفسه عن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين"...
يعني لم يكتب قبل اسمه "أمير المؤمنين".. يبقى أمير للكافرين.. فبيقولهم "ابن العباس" ما يعني أنه "في عند حضراتكم أي طرش تاني وللا تمام كده؟؟".. فبيقولوا له "حسبنا هذا".. لأ دا اللي عندنا.
فبيرد "ابن العباس" رضي الله عنه.. طيب لو رديت عليكم بكتاب الله وسنة رسوله.. ترضوا؟
قالوا "ايوه نرضى".
فبيرد عليهم بقول الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم".. وبيقول لهم أن ربنا حكّم الرجال أهه وامر انهم يكونوا ذوو عدل.
وأما الثانية.. فبيقول لهم.. أن "عائشة" في الجمل كانت خصم للإمام "علي".. ترضوا تاخدوا أمكم سبيّة أسيرة؟ لو وافقتم تبقوا كفرتم.. ولو رفضتم أنها أمكم تبقوا كفرتم لأن الله بيقول عن أزواج النبي ﷺ للمؤمنين "وأزواجه أمهاتكم".
وأما الثالثة.. فالنبي ﷺ محا يوم صلح الحديبية من جوار اسمه "رسول الله" لما اعترض المشركين.. فلو قلنا بنفس كلامكم تبقوا كفرتم لأنه كده انتفت عنه صفة الرسول.
وهنا بيتفق حوالي 2000 مقاتل من الحرورية على ما قال "ابن عباس".. وبينسحبوا وينصرفوا.. ويفضل عشرة آلاف.. ماعجبهمش الكلام ومصممين على القتال.. خد بالك دول منهم كتير كانوا "قراء".. بيعلّموا القراءة والقرآن للبشر.. ومع ذلك خرجوا على الدولة، فأصبح قتالهم واجب وفرض عين.
ففي النهاية بيضطر سيدنا "علي" يخرج إليهم بالجيش.. ويقاتلهم ويهزمهم.. ويتشتتوا مهزومين.. ويتفرغ لموقعة التحكيم.
قيل لنا إن "عمرو" خدع "أبا موسى الأشعري".. وكان "علي" رضي الله عنه قد وكله.. ووكل "معاوية" صديقه "عمرو بن العاص".. وقيل أنه اجتمعا.. واتفقا على خلع "علي" و"معاوية"، فخطب "أبو موسى"، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال:
"أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أمرا أصلح لها من رأي قد اتفقت أنا وعمرو عليه، وهو أنا نخلع عليا ومعاوية.. ونترك الأمر شورى، وإني قد خلعت عليا ومعاوية".
وهنا بيرد "عمرو بن العاص": "إن هذا قال ما قد سمعتم، وإنه قد خلع صاحبه، وإني قد خلعته.. وأثبّت صاحبي معاوية".
والحقيقة أن الرواية دي هجص خام ومالهاش أي مرجعية ولا سند.. ومتألفة مفربكة...
"معاوية" مكانش خليفة.. ولا هو ادعى الخلافة يومئذ أصلا عشان "الاشعري" يعزله أو "عمرو" يثبته.. كان والي إمارة متمرد مش أكتر. أضف إلى أن "أبو موسى" كان فقيه ذكي عظيم لبق.. والروايات دي طلعته عبيط أبله مخدوع سهل الضحك عليه علي غير الواقع.
الحقيقة الرجلين اتقابلوا وقعدوا واتفقوا على أن أكابر الصحابة يشوفوا حل للأزمة.. خصوصًا العشرة المبشرين بالجنة من حضر منهم.. وبتتعاقب جلسات التحكيم ويطول أمدها...
وبيبقى الحال على ما هو عليه.. لحين ما يتفصل في الأمر.. ويومها سألوا الإمام "علي" رضي الله عنه.. ليه الدنيا اتقلبت كده في عهدك.. ومكانتش كده في عهد النبوة؟ فبيرد عليهم في مرارة قائلًا: "كان إمامًا على أمثالي.. ثم أصبحت إمامًا على أمثالكم".
وفي ليلة 21 رمضان سنة 40 هـجرية.. الموافقة 27 يناير سنة 661 ميلادية.. كان الإمام "علي" رضي الله عنه داخل الجامع من أجل الصلاة.. فبمجرد مروره من الباب سمع صفير حاد بيشق الهواء.. صفير مغابش عن عقله كخبير عسكري ومقاتل قضى عمره في الميدان.. وشعر بنصل سيف حاد بيهوي على رأسه مع عبارة عجيبة:
"الحكم لله وليس لك ولأصحابك يا علي".
العبارة أنا مش فاهمها الصراحة.. وأرجو حد من الأصدقاء يفسرهالي.. دا رجل من الخوارج وصلت به الحمورية لأنه كانت منتظر الإله يتجسد له ويحكمه بنفسه وللا إيه تحديدًا؟ الراجل دا قال لاحقًا:
"شحذت سيفي ودعوت الله أن يقتل به شر خلقه فما وجدت إلا عليّ"...!
وكان القاتل واحد من الخوارج اسمه "عبد الرحمن بن ملجم".. بيمسك به أصحاب "علي" ويكادوا يمزقوه إربًا.. فبيقول لهم والدم ينزف من رأسه: "أطعموه من طعامي، واسقوه من شرابي، النفس بالنفس، إن هلكت، فاقتلوه كما قتلني.. وإن بقيت.. رأيت فيه رأيي".
بيحاولوا قبل وفاته يطلبوا منه يعين خليفة.. فبيرفض وبيقولهم أنه بيرجعهم للي تركهم عليه الرسول ﷺ.. الشوري.. يختاروا اللي يحبوه.
وهنا بيختار الناس ابنه "الحسن".. اللي بيحكم ستة أشهر فقط.. بيحاربه خلالها "معاوية" كذلك.. فبيقرر يتنازل له عن الحكم.. ويبيايعه كخليفة حقنًا للدم.. والغريب أنه رغم تنازله عن الخلافة. بيفضل "معاوية" متوجس خيفة من أن الناس تلتف حول "الحسن" من جديد.
وبدون سابق إنذار ولسبب مجهول.. بيدس له أحدهم السم.. لم يقف مؤرخ على شخصية الفاعل تاريخيًا.. لكنه بيتألم في شدة حتى ذكر أنه تقيأ بعض كبده.. ودا طبيًا مش صحيح ولا معقول.. لكنه علامة على شدة الألم والعذاب اللي عاناهم.
طلب "الحسن بن علي" رضي الله عنه دفنه جوار الرسول ﷺ.. وطلبوا من "عائشة" رضي الله عنها يدفن في حجرتها، فوافقت.. فرفض "مروان بن الحكم" حاكم المدينة.. وقال "لا ندعه يدفن مع رسول الله، أيدفن عثمان بالبقيع، ويدفن الحسن بن علي في الحجرة؟؟".
وكادت تنشب مجزرة بين "مروان" و"الحسين" أخو "الحسن".. لولا تدخل كبار الصحابة.. و دفنوه بالبقيع عند قبر "فاطمة بنت أسد".. وقيل أن البقيع يوم دفنه مكانش فيها موطيء لقدم من شدة زحام الناس اللي شيعته لمثواه الأخير.
وبموت الحسن رضي الله عنه، وتملك "معاوية" زمام الأمور رسميًا.. بينتهي عصر الخلفاء الراشدين.. وندخل في عصر جديد اسمه "عصر الدولة الأموية" اللي "معاوية" بيرجع فيها الحكم لما قبل الإسلام وشورى الإسلام.
إلى التوريث.
والدولة دي الحديث عنها يطول...
ويبقى للحديث.. بقية.
-------------
منشورات سابقة:
-------------
1 - http://bit.ly/2Rm5tBs
2 - http://bit.ly/2RACrOV
3 - http://bit.ly/2NeseJs
4 - http://bit.ly/2XoDruI
5 - http://bit.ly/2IAYulr
6 - http://bit.ly/2IYrjHm
7 - http://bit.ly/2IKnM0s
8 - http://bit.ly/2FBavFz
9 - http://bit.ly/2YkwqIt
10 - http://bit.ly/2JbJqdh
11 - http://bit.ly/2ZZj84v
12 - http://bit.ly/2JlO2gG