لسه مع عمليات الاستحبارات اللي غيرت وجه العالم.. وبعد هزيمة السلطان العثماني، على يد القاهرة.. وعلى مدار 6 سنوات كاملة.. راحت الدولة العثمانية تسعى للانتقام، من هزيمتها أمام الجيش المصري، لما دحر قواتها، وانفتح الطريق أمامه، وعسكر على حدود العاصمة العثمانية.. فشرعت تكوّن جيش هائل مخيف، بقدرات عسكرية رهيبة، وتجري مناورات تدريبية أوروبية مكثفة.. جيش لم تمتلك الدولة العثمانية قط مثله، لدرجة أن بعض المؤرخين قالوا عنه: "لم تحظ السلطنة العثمانية قط، منذ أن أطلت أوروبا برأسها في الشرق، بجيش أقوى ولا أفضل ولا خير تدريبًا ولا تجهيزًا من ذلك الجيش". وبيزحف الجيش العثماني الرهيب عبر الأناضول كجند التتار، تحت قيادة السرعسكر "حافظ باشا".. وكان لديه تعليمات محددة صارمة من السلطان العثماني.. هي استرداد الشام، واقتحام القاهرة والسيطرة على مصر، مهما كان الثمن. وكان تجهيز وتدريب الجيش العثماني منذ البداية تحت بصر "محمد علي".. بفضل مخابراته القوية وقوات استطلاعه، اللي بتبلغ "إبراهيم باشا" في حلب، بزحف الجيش العثماني الرهيب عبر الأناضول كجند التتار، تحت قيادة السرعسكر "حافظ باشا".. وكان لديه تعليمات محددة صارمة من السلطان العثماني.. هي استرداد الشام، واقتحام القاهرة والسيطرة على مصر، مهما كان الثمن. وبيطلب "إبراهيم باشا" من "محمد علي" الإذن بعبور الحدود، وإيقاف الجيش العثماني، لكن "محمد علي" بيطلب منه الإنتظار، عشان ما تبانش القاهرة بأي شكل كان، أمام العالم، بمظهر المعتدي. وفي "غازي عنتاب" على الحدود السورية، بيعسكر الجيش العثماني، ويرص مدفعيته ويحفر خنادق مضادة للخيول.. وفي العشر الأواخر من يونيو من العام نفسه، بيعلن السلطان العثماني الحرب على الدولة المصرية، وهنا فقط، بيصدر أمر "محمد علي" إلى ابنه "إبراهيم" باشا، بمهاجمة القوات العثمانية. وبيحتشد الجمعان، ويقف السرعسكر "حافظ باشا" وجهًا لوجه، على رأس ربع مليون جندي، بينهم أربعين ألف عثماني، والباقين من أصقاع أوروبا.. ضد 40 ألف جندي مصري، تحت قيادة رجل من أبرع القادة العسكريين، اللذين عرفهم العالم عبر تاريخه. وفي صباح 24 يونيو، من العام 1839، بتبدأ المعركة الفاصلة، وبيلتحم الجيشان في معركة هائلة مروعة، وتسيل الدماء على الرمال، في بقعة صغيرة من الأرض في مدينة "نزيب". وللمرة الثانية، في بضع سنين، بتسحق اللقاهرة الجيس العثماني سحقًا، في هزيمة مروعة، وكارثة حقيقية، لم يمن بمثلها، عبر تاريخ الدولة العثمانية وحروبها المتتالية المتعددة، إذ كاد الجيش المصري أنه يفني الجيش العثماني عن بكرة أبيه حتى آخر جندي.. وللمرة الثانية كذلك، في أقل من ست سنوات، صار الطريق مفتوحًا أمام الجيش المصري إلى قلب دولة آل عثمان وعاصمة السلطنة.. إلى الآستانة". وكان النصر العظيم دا جزء كبير من فضله راجع لرجال الاستخبارات المصريين ورجال الاستطلاع. ومن حقبة "محمد علي".. نقفز قفزة واسعة عبر الزمان والمكان، لخضم الحرب العالمية الأولى، اللي بدأت في 28 يوليو من العام 1914. دول المركز، الدولة العثمانية وألمانيا والنمسا وبلغاريا، ضد الحلفاء.. إنجلترا وفرنسا وروسيا وأمريكا واليابان، وآخري. في الفترة دي بيلتقي قائد الجيش الرابع العثماني "جمال باشا"، بشابة من حيفا، اسمها "سارة آرونسون Sarah Aaronsohn".. مش عارف إيه اللي عجبه فيها، وهي ليست أكثر جمالًا من كاتب البوست ده.. بس خلبت لبه وسحرته، وصار يرتمي في آخر كل ليلة على صدرها، عشان يفرغ ما يعتمل بصدره، ويحكي لها أدق أسرار الدولة. وراحت الهزائم تتوالى على القوات العثمانية، اللي مكانتش من الأصل مستعدة لدخول الحرب دي.. وحكى "جمال" لعشيقته "سارة" عن اتفاق الدولة العثمانية مع الألمان على خرق اتفاقيتي لاهاي 1899 و1907، وأنهم بيستعملوا "غاز الكلور".. وإن ألمانيا بعتت عدة شحنات من الغاز دا للدولة العثمانية بالفعل.. وبلغها بموعد وصول الشحنات الجديدة وكيفية وصولها على سفن مموهة ترفع علم إيطاليا. وللمرة الأولى.. وقعت شحنات الغاز في يد الحلفاء. وبينطلق لسان "جمال" عن خطة فائقة السرية، لا يعلمها سوى قادة الجيش العثماني، للهجوم على الجبهة الروسية.. وفي منطقة جبال الكاربات، بيهجم العثمانيين بالفعل.. وبينتصر الروس على العثمانيين انتصار ساحق، بلّغ معه قائد الجيش الثاني العثماني.. أن الروس بدوا وكأنهم عارفين تحركات العثمانيين مسبقًا وسابقينهم بخطوة. وراحت شحنات السلاح الألماني والنمساوي القادمة إلى الدولة العثمانية تتساقط في يد الحلفاء.. وراحت أكمنة العثمانيين للحلفاء تنكشف، وفشلت أية محاولات عثمانية لهجوم مباغت.. دون أن تعرف الدولة العثمانية مصدر تسريب المعلومات المخيف.. اللي بيودي برجالها وبيسبب لها الهزيمة تلو الأخرى في كل الجبهات. في المعارك البحرية، والبرية.. وفي غزة، وروسيا وأذربيجان. وفي آخر سبتمبر، من العام 1917، بيطلق أحد الجنود العثمانيين الجائعين في غزة، النار على سرب من الطيور، وبيسقط حمامة.. بيسرع في لهفة لالتقاطها وتنظيفها وشيها.. لكن بيفاجأ أن في ساقيها مربوطة رسالة صغيرة، بيهرع بيها إلى رئيس وحدة الاستخبارات العثمانية.. اللي بيلاقي نفسه أمام رسالة شفرية عجيبة مش مفهومة.. فبينهمك عاكفًا على فك شفرتها مع رجاله. وبينجح رئيس وحدة الاستخبارات العثمانية في فك الشفرة، ويكتشف مذهولًا ان الرسالة بتحوي معلومات دقيقة للغاية، عن تحركات القوات العثمانية قرب الساحل في سوريا استعدادًا لقصف الاسطول الإنجليزي بالمدفعية.. ومع دقة المعلومات اللي مش بتتوافر إلا للقادة.. حامت الشبهات حول "سارة"، عشيقة قائد الجيش الرابع العثماني "جمال باشا".. وراقبها العثمانيين.. وألقوا القبض عليها في 5 أكتوبر من العام نفسه، وهي متوجهة برسالة جديدة، إلى محل طيور يمتلكه رجل يهودي في حيفا.. قبضوا عليه أيضًا.. وتحت التعذيب، توالت الاعترافات منهم هم الاتنين. فـ"سارة" الحقيقة لم تكن سوي جاسوسة إنجليزية، تابعة لشبكة تجسس يهودية إنجليزية اسمها " نيلي Nili" حروفها اختصار لجملة "خلود إسرائيل ليس بكذبة".. بتهدف لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.. ومساعدة إنجلترا بكل السبل لتحقيق الهدف دا.. وكانت بتبعت كل الأسرار اللي بيحكيها "جمال" بالجمام الزاجل، لقائد الأسطول الإنجليزي في قناة السويس، وهو بيتولى إرسالها لقادته. وكانت عملية "سارة" عملية استخباراتية ناجحة.. رغم انتحارها لدى القبض عليها.. لكن كان لها بالغ الأثر في هزيمة الدولة العثمانية ودول المركز ككل، في الحرب العالمية الأولى. ومن تاريخ الحرب العالمية الأولى، إلى الثانية، لم تتوقف عمليات المخابرات بين الدول لحظة واحدة. وفي الحرب العالمية الأولى، نشطت عمليات المخابرات، واستعان فيها الأطراف المتصارعين بكل اللي يقدروا عليه.. من أجل تحقيق النصر.. حتى أنهم استعانوا أحيانًا بالموتى. والقصص دي، نتكلم عنها بإذن الله لاحقًا. ويبقى للحديث بقية. --------- - المنشورات السابقة أول تعليق. #عمليات_مخابراتية_غيرت_تاريخ_العالم8