لسه مع عمليات المخابرات اللي غيرت تاريخ العالم كله، والحرب العالمية الثانية، اللي شارك فيها 100 مليون جندي، ومات فيها ما يقرب من 100 مليون آخرين.. جنود ومدنيين معًا. حوالي 5% تقريبًا من سكان العالم.. في الوقت دا.

ورجل من أرباب القلم، من أب ألماني ثري وأم سوفيتية، شارك في الحرب العالمية الأولى في صفوف ألمانيا، كجندي شاب، ورغم كراهيته للحروب، قاتل مع بلاده بكل وطنية وحماس، حتى ترقى إلى رتبة "عريف".. وبعدها أصيب على الجبهة في ساقيه أصابة بالغة، وتم علاجه، وتكريمه بـ"صليب ألمانيا الحديدي Iron Cross".. واستبعاده طبيًا من صفوف الجنود.. لكن إصابته تركته بعاهة مستديمة، مع عرج طفيف.

بيهتم بعمل الصحافة، وبيتزوج سيدة ألمنية مطلقة، اسمها "كريستيان جيرلاخ Christiane Gerlach".. وبيسافر معاها لفرانكفورت، ويسيب برلين.. كان متأثر بالفكر الشيوعي وعكف على دراسته جوار عمله بالصحافة.

محدش عارف امتي حط السوفيت إيديهم عليه، ولا ليه.. لكن الراجح أن دا تم سنة 1924.. بعجما حصل على دكتوراة في العلوم السياسية، وسافر إلى روسيا مع زوجته.. وهناك انفصل عن زوجته اللي ضاقت ذرعًا بفكره الشيوعي واهتماماته الشخصية، فصار وحيدًا متفرغًا للتقرب من المراكز واصحاب الفكر الشيوعي ليتعلم أكثر، ووقع وقتها في شباك السوفيت.

في العام 1929.. أمره السوفيت بالعودة لألمانيا والانضمام للحزب النازي.. مع عدم الانخراط في أي نشاط يساري. ومع كاريزمته ومعلوماته وبراعته في الكتابة والحديث، بقى صديق مقرب لكل المراكز في مفاصل الحزب النازي.

وعاد الرجل بعدها، ليأمروه بالسفر للصين، فتقدم في الجريدة الألمانية اللي كان بيعمل بها ليلتحق بمكتبها في الصين. ووافقوا.. وقعد هناك للعام 1933.. رجع بعدها لروسيا بتأبط ذراعه زوجته الجديدة الشابة "كاتيا Katya". رجع وكتب كتاب عن الثقافة الصينية.. وبعدها سفره اليابان، وبدأ نشاطه الفعلي.. تكوين واحدة من أكبر واقوى شبكات التجسس في التاريخ.. اسمه "الشبكة رامزي Ramzay".

الرجل اللي بنتكلم عنه دا غير مسار الحرب العالمية الثانية تمامًا، وكان اسمه "ريتشارد سورج Richard Sorge". طول الوقت كان بيعلن بلا خجل أنه بيكره الحرب.. وبيتمنى أن تتحل المشاكل بالدبلوماسية.. ويحل السلام في العالم أجمع.

امتدت شبكته بين اليابان وألمانيا والصين، وكانت كبيرة جدًا وقوية للغاية، محدش شك فيه لحظة ولا حس إنه جاسوس للسوفيت، لدرجة أنه أقنع القنصل الأمريكي في شنغهاي، بتأجير طابق في فيلته، لرجل أعمال واقتصاد ألماني، ووافق القنصل، ورحب برجل الأعمال الشاب، اللي كان في الحقيقة مجرد جاسوس سوفيتي، من شبكة "سورج" نفسه، راح خلال عامين كاملين يبث رسائل شفرية لاسلكية إلى روسيا، من منزل القنصل، دون أن يشك فيه الأمريكيين لحظة.

ووصل للسوفيت معلومات من "سورج" أن اليابان حتحتل منشوريا الصينية.. وبالفعل حصل الغزو، واحتلت اليابان منشوريا ومعاها شمال الصين، وبعدين راح مبلغ السوفيت إن الجيش الياباني حيقوم بانقلاب عسكري، قبل حدوثه بعشرة أيام.. وبالفعل حصلت محاولة الإنقلاب اليابانية، وسجلها لنا التاريخ باسم "حادث السادس والعشرين من فبراير February 26 Incident".

وراحت المعلومات السرية فائقة الخطورة تتدفق على السوفيت، من ألمانيا والصين واليابان، ودا خلاهم يولوا "سورج" وشبكته اهتمام فائق، ويحددوا له مصروف شهري قدره 4000 دولار.. ودا كان مبلغ هائل في الحقبة دي.

وبعدين بيقرر "هتلر" يتخذ خطوة جريئة، ويهاجم الاتحاد السوفيتي، مع إن كان بينهم معاهدة عدم اعتداء، فبيمسك القلم عشان يوقّع غلطة عمره، خطة للهجوم على الاتحاد السوفيتي، بتحمل الاسم الشفري "عملية بارباروسا Operation Barbarossa".

وبيرسل "سورج" المعلومة الرهيبة دي للمخابرات الروسية، لكنها بتستقبلها باستنكار واستخفاف، وبتبدأ تشك في "سورج" لأنه بالذات طول الوقت معتنق فكرة كراهية الحرب.. واتصوروا انها خدعة، عشان تتهزم روسيا وتنتهي الحرب.. لأنه مش من المنطقي أن "هتلر" يهاجم روسيا ويفتح على نفسه جبهة جديدة، وقت ما بيحارب بريطانيا.

ومع استنكارهم، بيتجاهلوا المعلومة تمامًا.. عشان يستيقظوا بعد أيام قليلة على مشهد كابوسي مخيف، لخمسة مليون جندي ألماني، من رجال المشاة، بيزحفوا على جبهة قارب طولها ثلاثة آلاف كيلومتر.. من الأراضي السوفيتية، وبيدفع "هتلر" معهم قوات الجيش والبحرية وسلاح الجو.. وحتى برجال قوات النخبة المسلحة، المسماة "قوات العاصفة Waffen-SS".

ولأنها كانت خيانة مفاجئة للاتحاد السوفيتي.. فالضربات كانت موجعة، وبتنسحب القوات السوفيتية، وبيحتل "هتلر" مناطق في غاية الحساسية، ذات أهمية اقتصادية.. زي أوكرانيا.. وبينجح هجوم ألمانيا على الاتحاد السوفيتي نجاح ساحق.

وفي خضم الدمار ده، بتعود الثقة في "سورج".. وبيتساءل "ستالين" عن موقف اليابانيين.. وهل يا ترى حينقضوا عليه من الخلف دعمًا لحليفتهم ألمانيا؟ لأن دا لو حصل، مش حيقدر يحارب على الجبهتين، وحيسقط الاتحاد السوفيتي في قبضة المحور.

وبينشط رجال الاستخبارات الروس، وبيطالبوا "سورج" يحاول يعرف نوايا اليابانيين.. فبيبعت لهم بعد فترة من منزله الهاديء، في أرقى أحياء طوكيو، برقية شفرية من 3 كلمات:

"اليابان لن تحارب".

وبتوصل البرقية لـ"جوزيف ستالين".. فبيتحرك على أساسها، ويأمن خطر اليابان، ويسحب قواته من خط مواجهتها.. وبيدفع في مواجهة "هتلر" بـ10 فيالق عسكرية، وأكثر من 1500 طائرة، و 3000 مدفع و2000 دبابة.

لكن "سورج" كان في قلب مجموعة من أكثر أهل الأرض ذكاء وحنكة.. اليابانيين.. اللي بيبدأوا يشكوا فيه وفي تحركاته، فبيستغلوا عشقه الشديد للنساء، وبيدفعوا إليه بشابة يابانية حسناء اسمها "هونكو إيشي"، بتتقرب منه، وبيحبها.. وبيصطحبها إلى بيته، وتتحرك معاه في كل مكان.

والغريب أن "إيشي" بتقع في غرام "سورج" بالفعل.. وبتحبه حب حقيقي.. على الرغم من مهمتها.. وأخذت في سرها تتمنى أن يكون بريئًا، وتنعم بالحياة معه بقية حياتها.

وذات مرة، وهم مع بعض في سيارة "سورج"، بيتقدم من "سورج" في سيارته بائع متجول بيبيع شيوكولاتة، وبيبيع له قطعة، بيفتحها وينتزع منها وريقة صغيرة، أمام عيني "إيشي".. وكان في الوقت دا في الشوكولاتة بيبقى في اوراق زي حظك اليوم كده، فبيقرا الورقة في اهتمام، وبعدين بيمزقها إلى قطع صغيرة، ويلقيها من شباك السيارة، ويقتسم الشوكولاتة مع حبيبته.. اللي بتسأله عن محتوى الورقة، فبيضحك ويقول لها.. أنه لا يؤمن بالحظ.. وبيقبلها ويحتضنها ويقود السيارة وينصرف معها.

ورغم حبها له.. بتأدي "إيشي" واجبها على أكمل وجه.. وبتبلغ السلطات اليابنية باللي حصل، فبيتحرك رجال المخابرات اليابانيين، دون أي إثارة للشكوك.. ويجمعوا كل قطعة ورقة من الأرض ومن كل سلة مهملات وصفيحة قمامة، في دائرة قطرها ثلاثة كيلومترات من مكان الواقعة.. وبيبدأوا يجمعوا الأوراق الممزقة دي كلها، ويلصقوها زي لعبة البازل في صبر وعناية شديدين.. عشان يلاقوا الورقة اللي مزقها "سورج".

وبتقع ورقة "سورج" في أيديهم.. وكانت عبارة عن برقية شفرية، بيفكوا شفرتها.. وبيلاقوا فيها معلومة جاية له من رجال شبكته.. أهمل لأول مرة في حياته ومحرقهاش بعدما قراها.. وكانت فيها معلومة ثانية مخيفة.. كفيلة برضه بتغيير مسار الحرب كلها.

كانت معلومة أن أن اليابان حتهاجم الولايات المتحدة في بيرل هاربور.

والمرة دي.. اتقبض على "سورج" قبل إرسال المعلومة للسوفيت.. وماهتمش "سورج" بالقبض عليه.. كان متأكد إن "ستالين" مش حيسيبه بعد كل الخدمات اللي قدمها له.. وحيبادله أو يطالب باسترداده.. بعدما خان وطنه علشان الاتحاد السوفيتي.

لكن "ستالين" تجاهله تمامًا.. هو مكانش بيحترم الخونة عمومًا مهما أدوا له من خدمات، وبيعتبرهم مأجورين قبضوا الثمن وخلاص. واتحاكم "سورج" وحكمت اليابان عليه بالإعدام.. وتم اعدامه في العام 1944. وبعدها.. استردت حبيبته اليابانية اللي بلغت عنه رفاته، ودفنته دفنة محترمة لائقة في طوكيو، بشاهد قبر كتبت عليه كلمات تعبر عن رثائها وإخلاصها له.

بعد انتهاء الحرب، أصدر الاتحاد السوفيتي طابع بريد تذكاري يحمل صورة واسم "سورج".. اللي لولاه مكانش الاتحاد السوفيتي قدر ينزل بكل قوته، في خط مواجهة الألمان.

عمليات "سورج" اللي غيرت وجه العالم، تختلف عن الخطأ القاتل اللي وقع فيه "تشرشل" خلال الحرب نفسها، وكاد برضه أنه يغير نتيجتها تمامًا.

والقصة دي طويلة، فنبقى نحكيها في وقت لاحق.

ويبقى للحديث.. بقية.

--------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

#عمليات_مخابراتية_غيرت_تاريخ_العالم9