"ثيميستوكليس Themistocles" كان بيخطط للدفع بأسطول أثينا، لمواجهة قوات الفرس، بينما هي في عرض البحر، بعيدًا عن الأرض، فطلب منه المصري إرسال جاسوس، يعرف عدد سفن الفرس وعتادهم.

وبالفعل، بتمر بسفن الفرس سفينة تجارية، بتحمل نبيذ يوناني فاخر، وأثناء توقفها لبيع النبيذ، بيتسلل منها رجل يوناني، يجيد الفارسية، هو الذراع الأيمن لـ"ثيميستوكليس Themistocles"، ويختفي وسط طاقمها.

وبعد بضعة ليال، اقتربت فيهم سفن الفرس من شاطيء ماراثون اليوناني، لعدة أميال بحرية، بيقفز الجاسوس اليوناني من السفينة الفارسية القائدة إلى البحر سرًا، وبيسبح عدة كيلومترات، لحد ما بيلتقي بقارب كان في انتظاره حسب الخطة، ليعود به للشط.

ومع المعلومات اللي تدفقت على آذان "ثيميستوكليس" - القائد الميداني الذي تمت ترقيته بشكل مرتبك مرتجل ليقود الجنود ويموت بدل ملك أثينا - وصديقه المصري، صار الأمر في غاية الوضوح.. أثينا لن تقدر على خوض معركة بحرية ضد سفن الفرس قط، وسيتحطم أسطولها ويغرق، بعد ساعة أو أقل من بدء القتال.. أمام السفن الفارسية الهائلة، وتسليحها الرهيب.

ثم جاءت الخطة المجنونة. لابد أن يسمح "ثيميستوكليس" لسفن الفرس بالرسو على شاطيء ماراثون، وعمل إنزل بري للجنود والعتاد!

لابد أن النقاش استغرق عدة ساعات عصبية ثار فيها "ثيميستوكليس" عشرات المرات، قبل أن يوافق في نهايته، ويمنح كلمته للمصري بالموافقة على أمر آخر، بالسماح لكتيبة مصرية خاصة، تعسكر على مقربة منهم، بالاشتراك في القتال كنوع من التدريب وشحذ الهمم والقلوب.

واقترب الموعد، ورست سفن الفرس تحت قيادة قائد الجيش الجنرال الفارسي "آرتافرنس Artaphernes"، شقيق ملك الفرس.

وكان الشاطيء خاوي خالي من أي أثر لأية حياة، وبدأ الإنزال، وراح جنود الفرس ينصبون الخيام، ويشعلون النيران، ثم تناولوا طعامهم بالفعل، وكادوا يخلدوا للنوم، حين هجم "ثيميستوكليس" بغتة، برجاله المتحفزين، على جند الفرس الذين أرهقهم سفر البحر الطويل، وأتخمهم الشبع، وغزاهم النوم.

وانتصر "ثيميستوكليس" في ماراثون. انتصر انتصار ساحق، قفز به من مجرد جندي، إلى قمة القيادة السياسية، ومركز صنع القرار.

وكان أمام "ثيميستوكليس" مهمة جديدة، هي جزء من الخطة، أن يوحد أساطيل وجيوش اليونان كلها ضد الفرس.

وانطلق بطل أثينا في مهمته، وراح جواده يعدو به من مدينة إلى أخرى، وأرسل عشرات الرسل، إلى شتي أنحاء اليونان، وأطلق العشرات من الكتاب والأدباء والشعراء الأثينيين، يتغنون ببطولة معركة ماراثون.. ويدفعون الحماس إلى القلوب.

ولكن قبل أن يتم له ما أراد، وتتوحد اليونان كلها، كان الفرس يعدون لحملة ثانية، تتجه إليه بالذات، انتقامًا من هزيمة معركة ماراثون.

وابتسم رجل الاستخبارات المصري، قرابة الخمسمائة عام قبل الميلاد، وطمأن "ثيميستوكليس" بأن لديه ما يمكنه من تعطيل حملة الفرس، حتى يتهي من توحيد اليونان.

واثناء إعداد الفرس لحملتهم الرهيبة، ثارت مصر بغتة. ثورة غنيفة، ضربت كل شارع من شوارعها، ضد حكم الفرس، وحمل كل من يكمنه حمل السلاح ما وجد في طريقه، من رمح أو خنجر، أو جحتى فأس أو عصا خشبية.

وتوقفت حملة فارس، وتوجه جل جهدها وجندها نحو مصر لقمع تلك الثورة العنيفة، مما منح لليونان فرصتها للتوحد، لتصد حملة الفرس الثانية بالفعل.

ومع هزيمة الفرس في اليونان، بدأت تهتز سمعتها، في شتى أرجاء إمبراطوريتها، فراحت مصر واليونان تدعمان أهل الأناضول - تركيا الحالية * بسيل لا ينضب من المعلومات والتقنيات والخطط، لإضعاف الفرس وهزيمتهم.

وكان كهنة آمون في مصر، يتحدثون عن نبوءة غامضة عن أسطورة منسوبة للرب حورس، عن أحد أبناء آمون، لم ينهزم في معركة قط طيلة حياته، الذي سيأتي من الشرق من وراء البحر، ويحرر مصر من الفرس.. وظل الناس يتناقلون النبؤة طويلًا.. ويكافحون الفرس ويقاومونهم جيل بعد جيل، واستغرف الأمر طويلًا، حتى جاء رجل، من وراء البحر، لم ينهزم في معركة طيلة عمره.. ليكتسح الإمبراطورية الفارسية تمامًا تحت سنابك خيول جيشه الهائل في "معركة جرانيكوس Battle of the Granicus".

ثم راح يتقدم نحو مصر من الشرق بالفعل، ليسقط حاميات الفرس واحدة بعد الأخرى، حتى وصل إلى الفرما.

وكان الرجل دا اسمه "الإسكندر الأكبر" المقدوني.

بيوصل الإسكندر إلى "الفرما" بوابة مصر الشرقية، عند بورسعيد النهاردة.. ونفس المكان اللي انتصر فيه الفرس على المصريين، بالغدر والخيانة.

وفي خريف العام 332 قبل الميلاد، بيدخل "الإسكندر" مصر عبر "الفرما" مكتسحًا قوات الفرس، وبيستقبله المصريين استقبال الأبطال، باعتباره صاحب النبوءة، وولد آمون المذكور فيها.. واستقر الإسكندر في مصر، وبنى مدينة الإسكندرية، اللي قدر لها أنها تكون عاصمة ومقر للحكم لعدة قرون.

وبعد عدة قرون، بييجي "عمرو بن العاص" من شبه الجزيرة عشان يغزو مصر، وكان في فئة من أهلها دخلوا الإسلام بالفعل، وفئة ظلت على المسيحية.. الفئة الأولى رحبت بقدوم "عمرو".. والثانية عارضته بعنف، وقررت الدفاع عن الأرض، ودا دخل الفئتين في اقتتال أهلي، مكنه من غزو مصر بسهولة، عشان يقف عند أسوار المدينة الثابتة الأخيرة، اللي استعصت عليه.

نفس المدينة اللي بناها الإسكندر منذ عدة قرون.. وتحولت لميناء ومركز تجاري عالمي وثكنة عسكرية ومطمع للطامعين في دخول مصر من بوابة الشمال,

الإسكندرية.

واقترب "عمرو بن العاص" من أسوار الإسكندرية، فقصفته بالمنجنيق، فتراجع بعيدًا عن مرمي المجانيق، وعسكر أمام اسوارها المنيعة وبوابتها الحصينة.

وطال حصار "عمرو بن العاص".. وأُنهك جيشه، واختلط الحصار بالترقب والقلق، فكانت الإسكندرية تفتح أبوابها، وتخرج منها غارات عنيفة، تهجم على جيشه، وتستدرجه إلى مدى المجانيق والسهام، وازدادت الغارات شدة وتعاقبًا، حتى أنه أمر بصلاة الخوف للمرة الأولى، وهي صلاة خاصة، يصليها المسلمين إذا ما شعروا بالخطر، فتصلي مجموعة خلف الإمام، وتحرسها المجموعة الأخرى بالسلاح، ثم يتبادلون الأدوار.

ومن المدينة المنورة، أرسل الإمام "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه، في صبر نافد، يتساءل عن استغراق "عمرو" في دخول الإسكندرية كل هذه الأشهر الطويلة.. خاصة وأنه لم يبخل عليه بمال أو عتاد أو جند، فقرر "عمرو بن العاص" داهية العرب، اللجوء لخدعة استخباراتية، تفتح له أبواب الإسكندرية.

ففي عملية لتبادل الأسرى، أرسل "عمرو" بضعة من المصريين، الموالين له والمرحبين بقدومه والمتعاونين مع جيشه، باعتبارهم أسرى، دخلوا إلى الإسكندرية، واقاموا بها لبعض الوقت.. ثم راحوا يقنعون حرس البوابات بفتحها، وأخذوا يحدثونهم عما ينتظرهم من عفو ومزايا.. ومع الإلحاح المستمر.. ضعف حارس أحد البوبات، واسمه "مينا بن بسامة".. وطلب الأمان له ولأسرته إذا ما انصاع للأمر، وبلغت الرسالة "عمرو بن العاص".. فأمن الرجل على حياته وحياة أسرته.

وانفتحت أبواب الإسكندرية أمام جيش "عمرو" بالفعل.

مكانتش دي العملية الاستخباراتية ولا الخدعة الوحيدة اللي مرت بها الإسكندرية، فبعد عدة قرون أخرى، في التاسع من أكتوبر، سنة 1365.. بيتوقف التاريخ عشان يدون لنا يوم لا ينسى.. يوم سقطت الإسكندرية.. وتحولت إلى أطلال محترقة.

لكن القصة دي الحديث عنها يطول.. فنكمل كلامنا لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

---------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

#عمليات_مخابراتية_غيرت_تاريخ_العالم4