الثامن من أكتوبر، من العام 1365ميلادية، عصر دولة المماليك المصرية.. وملك قبرص "بيير دو لوزيان Pierre I de Lusignan"، بيحرك أسطوله البحري بالكامل، وعلى متنه ما يقرب من خمسين ألف جندي، في مهمة سرية فائقة الخطورة، قادة وجنود الأسطول نفسهم مايعرفوهاش ولا كانوا يعرفوا هم بيتحركوا رايحين فين.
وفي الطريق، بيعلن "بيير" الخطة، ووجهة الأسطول.. مدينة الإسكندرية المصرية.
"بيير دو لوزيان" قرر يهاجم مدينة الإسكندرية، ويساويها بالتراب، ويحتلها، في هجوم غادر مباغت، بإيعاز من العثماني "مراد الأول". "مراد" و"بيير" كانوا أعداء في الحقيقة.. بس "مراد" بيغريه بالفكرة عن طريق وسيط، هو الإمبراطور البيزنطي "أندرونيكوس الرابع Andronikos IV".. اللي بيقتنع بفكرة أن "بيت المقدس" مش حترجع من قبضة المماليك إلى حضن أوروبا، إلا لو ضغطوا على المماليك بعنف.
عليه بيقرروا أن الحل هو الاستيلاء على الإسكندرية، على أن تتم مقايضتها ببيت المقدس فيما بعد.
"بيير" عشان ينفذ خطته، فوق التعتيم المخيف اللي عمله، لدرجة أن محدش كان عارف بالحملة غيره، أرسل قبلها مجموعة من الجواسيس، على هيئة تجار، بشرت الناس في الإسكندرية بوصول سفن تجارية من "البندقية" و"اليونان" و"انجلترا".. عشان يشتروا بضائع مصرية، ويبيعوا للمصريين اللي يطلبوه مما يحملون.
وبعد غروب يوم التاسع من أكتوبر، سنة 1365.. وبينما الأسطول المصري مشتبك في البحر الأحمر، ظهرت السفن في الافق لأهل الإسكندرية على ساجل المتوسط.. فتصوروا تلقائيًا أنها سفن تجارية.. لكن في الصباح التالي، وهي بينها وبينهم مسافة بسيطة للغاية، أدركوا أنها سفن حربية.
وبدأ قصف المدافع، واتدكت البيوت فوق الرؤوس، والأسواق فوق الباعة، والمدارس فوق جثث الأطفال. ودخلت القوات الصليبية القبرصية إلى الإسكندرية.. ومشوا في الشوارع يدبحوا اللي يقابلوه.. ماسابوش حد لا مسلم ولا مسيحي وحتى الأوروبيين.,. قتلوهم ونهبوا محلاتهم.
بعد كده انقضوا علي الكنائس وسرقوا ما بها من نذور وصلبان ذهبية ومقتنيات ثمينة.. هم أصلا كانوا بيعتبروا الكنيسة المصرية وقتها كافرة هرطيقة لأنها أرثوذكسية مش كاثوليكية.. وأحرقوا الكنائس والجوامع وحتى المقابر اعتدوا عليها.. المؤرخ الأنجليزي سير "ستيفين رونسيمان Steven Runciman" بيوصف اللي حصل بأنه واحدة من أبشع المذابح عبر التاريخ.. حتى أنها تكاد تكون أبشع مذابح الحروب الصليبية على الإطلاق.
المذبحة استمرت 3 أيام متصلة، بدون لحظة راحة واحدة، لحد ما وصل الإمداد، وبدا غبار سنابك خيول قوات الجيش المصري، القادم من القاهرة، يلوح في الأفق، ومع سمعة المماليك، كمحاربين لا يشق لهم غبار، هزموا أوروبا عدة مرات، بيتوتر "بيير" ورجاله، وبيقرروا الانسحاب بلا مواجهة.
اللي اتنهب من الإسكندرية وقتها كان كتير جدًا، لدرجة أن السفن القبرصية بقت بترمي دهب وكنوز وأقمشة وحرير نادر في البحر عشان تخفف حمولتها.
ومن فوق السفن القبرصية الفارة في عرض البحر، بدت الإسكندرية كمدينة من رمل على شاطيء البحر، سحقتها قدم طفل، والدخان الأسود والنيران بتبنعث من كل شبر فيها.
البابا الكاثوليكي في أوروبا فرح جدًا بضربة الإسكندرية.. وبدأ يحشد ملوك أوروبا عشان ينفذ فكرة "بيير".. اللي هي فكرة "مراد".. ويحتلوها.. بس إيطاليا رفضت وانسحبت.. وتبعتها فرنسا والمجر.. الحقيقة أن دمار الإسكندرية أفسد تجارتهم.. وأسعار التوابل والحرير والدخان والسجاد والصناعات والمحاصيل اللي كانت بتيجي من مصر ومبقتش تيجي.. ارتفعت اسعارها في أوروبا لدرجة جنونية.. كمان بعد انسحاب "بيير" ردت مصر فورًا بضربة عسكرية إنتقامية على قبرص.
الضربة العسكرية دي كانت سريعة مقتضبة نظرًا لخسارة مصر اقتصاديًا ولأنها كمان كانت مشتبكة في البحر الأحمر مع البرتغاليين.. بس الضربة المقتضبة دي ضايقت الشعب القبرصي وبدأوا بعدها.. ومع غلاء الأسعار المباغت.. يكرهوا "بيير" وحسوا أن مغامرته العسكرية عملت لهم مشاكل وجلبت الوبال على رؤوسهم.. وضاقت الناس به وبحكمه وباضطرابات البلاد الداخلية.
كمان قبرص بسبب ضربة الإسكندرية، ضعفت اقتصاديًا لأن مصر قاطعت التجار القبارصة اللي كانوا بيتاجروا معاها.. فشحت السلع وكسدت التجارة، وانتشرت الجريمة، ودخلت قبرص في حالة من الفوضى.
وذات ليلة.. انطلق 3 فرسان من الجيش القبرصي إلي مخدع "بيير" أثناء نومه في قصره في نيقوسيا.. وانقضوا عليه.. وقتلوه قبل أن يدري ما يحدث له.
مفيش حد حط رجله على أرض مصر بدون إذن شعبها ورضاه، إلا واتهان إهانة بالغة، طال الزمن أم قصر.. اللي حصل بعد كده خير دليل على ده.
اللي حصل أنه اعتلى عرش مصر السلطان الأشرف "سيف الدين برسباي Al-Ashraf Sayf-ad-Din Barsbay"، وفي نفس اللحظة، أمر ملك قبرص الجديد "جانوس لوزينان Janus Lusignan" رجاله.. فهاجمت بعض السفن القبرصية، سفن تجارية مصرية وإيطالية، على مشارف الإسكندرية.. ولما طاردها حرس السواحل المصري.. اشتبكت معه، قبل أن تلوذ بالفرار.
وهنا.. قرر "الأشرف سيف الدين برسباي" يرد على قبرص بعملية انتقامية، تخليها عبرة لمن تسول له نفسه الاعتداء على الأراضي المصرية.. وتجيب بقى القديم والجديد.
وكان "الأشرف سيف الدين برسباي" رجل ذكي للغاية، وبيحب الخدع الاستخباراتية والعسكرية ويقدرها، فلما بيوصله نبأ إلقاء القبض على جاسوس قبرصي، بيروح له في سجنه، ويواجهه في غضب، ويبلغه أنه حيكون على شواطيء قبرص، في أول يوم من الشهر القادم، ويحتلها.. وبعدين بيأمر بإعدامه قبل شروق الشمس، وبينصرف.
ولكن الجاسوس القبرصي بيفرّ، وبيستقل مركب تجارية إلى البندقية ومنها إلى قبرص، وبيبلغ المعلومات دي للملك.
وفي القاهرة، بيعلن "الأشرف برسباي" وسط أتباعه، أنه بعد فرار الجاسوس، صار من المستحيل الهجوم في الموعد المحدد، لأن قبرص حتكون مستعدة جاهزة، وعليه بيرجيء قرار الحرب، وبيأمر بسحب معظم السفن الحربية، من البحر المتوسط للبحر الأحمر، للسيطرة على القراصنة وإنهاء المناوشات اللي بتحصل هناك.
وانتشر الخبر وسط الناس، ورصدت قبرص بالفعل، تحريك الأسطول من البحر المتوسط، متجهًا في طريقه للبحر الأحمر.
ولكن في التاريخ اللي حدده "الأشرف برسباي" للجاسوس بالضبط، كانت السفن المصرية بتحول الاسطول القبرصي إلي شعلة لهب فوق سطح المياه، وبعدين بترسو على الشط، وبتقصف سواحل قبرص، وبعدين بتعمل إنزال بري ناجح، لعشرات الآلاف من الجنود.
وبيتضح بعد فوات الأوان أن "الأشرف برسباي" هو اللي أمر رجاله بالسماح للجاسوس القبرصي بالهرب.. عشان يوصل لقبرص ويبلغ رسالته.. وإنه دار بالسفن دورة واسعة في البحر، عشان يخدع الجواسيس القبارصة والمرتزقة اللي حتنقل الخبر، ويوهمهم إنه متجه للبحر الأحمر.
وانطلق جيش "الأشرف برسباي" على الاراضي القبرصية، يهزم حامياتها ويدمر مدنها واحدة تلو الأخرى، ويرفع الأعلام المصرية على أنقاضها، تحت غطاء من مدفعية الأسطول، لحد ما وصلوا إلى قصر ملك قبرص نفسه، وهزموا حرسه الخاص، وأسروه، وأحضروه إلى القاهرة، ليمثل بين يد "الأشرف برسباي" مقيد بالسلاسل والأغلال.
وانقلبت أوروبا، وأرسلت عشرات الوفود، انضمت لهم وفود أخرى، وقادة ذوي حيثية، من دول غير أوروبية، زي شريف مكة، ورسل من آل عثمان، وملك تونس، وتوسطوا ورجوا "الأشرف برسباي" إنه يطلق سراح الملك "جانوس لوزينان".. وجاب حرس سلطان مصر، الملك القبرص من السجن، وانحني، وقبّل الأرض بين يدي السلطان "سيف الدين برسباي".
واستمرت المفاوضات والإلحاح على سلطان مصرـ "الأشرف برسباي".. فوافق على إطلاق سراح ملك قبرص مقابل فدية فادحة، بمقاييس ذلك العصر.. وبشرط أن تصير قبرص تابعة لللدولة المصرية، تأتمر باوامر سلطان مصر، وأن يكون ملك قبرص نائب عنه في حكمها، مع دفع جزية سنوية ثابتة للخزانة المصرية.
وتمت المعاهدة دي بالفعل، وتم إطلاق سراح "جانوس لوزينان"، واستمرت قبرص منذ ذلك الوقت تابعة للدولة المصرية، لحد ما سقطت دولة المماليك، مع غزو العثماني "سليم الأول"، في العام 1517.
في العام دا كانت العملية المخابراتية الناجحة من نصيب "سليم".. ورغم إن سلطان مصر وقتئذ "قنصوة الغوري".. وصلته معلومات استخباراتية بدوره، كان من الممكن أنها تغير نتيجة الحرب دي تمامًا.. إلا أن دا محصلش، لأسباب يطول شرحها، نتكلم عنها المرة القادمة.
ويَبقى للحديث بقية بإذن الله.
------
المنشورات السابقة أول تعليق.
#عمليات_مخابراتية_غيرت_تاريخ_العالم5