مع واحد من أشهر الجواسيس اللي غيروا التاريخ، "أوليج فلاديميروفيتش بنكوفسكي Oleg Vladimirovich Penkovsky".. والمعلومات اللي قدمها للأمريكيين.. أن الاتحاد السوفيتي بدوره.. بيعمل قواعد لصواريخه ذات الرؤوس النووية في كوبا.. وأن القواعد تم بنائها والقطع تم شحنها بالفعل.. ومفترض أنها تتركب، وعلى ما تعرف الولايات المتحدة، يكون قد فات الأوان.

وبيحدد "أوليج" أماكن القواعد ومساحاتها بدقة بالغة.. ومع الرسالة الرهيبة، بيقف شعر راس أحد رجال الاستخبارات الأمريكيين، وبيهرع إلى خزانته وينتزع منها صور طائرات التجسس الأمريكية، وبيقف شعر رأس الباقين، والصور الباهتة دلوقتي بتبدو لهم واضحة جلية.

دي قواعد صواريخ بلا أي شك.. وواضح أنها جاهزة لاستقبال الصواريخ السوفيتية بالفعل.. ودا يعني أن الاتحاد السوفيتي يقدر من كوبا يقصف أمريكا بصواريخ ذات رؤوس نووية ويحولها لكومة من الرماد في ساعات.

وبيحاول الأمريكيين مخاطبة الكوبيين عشان يفككوا قواعد الصواريخ، لكان "كاسترو" بيرفض في إصرار.. وبيبلغ حلفاؤه السوفيت.. اللي بيدركوا أن اللعبة اتكشفت، وأن ثمة جاسوس ما، فضح الخطة، فبيتصلوا بواحد من أهم عملائهم في أمريكا وأكثرهم سرية وخطورة.

"جاك دونلاب Jack Dunlap".. جاسوس سوفيتي شديد البراعة، مزروع في قلب الاستخبارات الأمريكية.. بيكلفه السوفيت، يعرف مين اللي كشف سر قواعد الصواريخ الكوبية.

واثناء عمل "دونلاب".. بيفكر الأمريكيين في غزو كوبا مرة ثانية بحرًا.. وبعدين بيعدلوا عن الفكرة وبيفكروا في قصفها بالصواريخ.. ثم عدلوا عن الفكرة برضه، وقرروا فرض حظر عسكري على كوبا، مع حصار بحري جوي شامل على أراضيها.

وفي الآن نفسه، كتب "كينيدي" رسالة لرئيس الاتحاد السوفيتي "كروتسييف" - اللي هو "خروشوف" - أنه حيفرض حصار شامل على كوبا.. وأنه بيطالبه بتفكيك قواعد الصواريخ دي بشكل سلمي.

ولكن رد "كروتسييف" دفع الأمور في اتجاه شديد الخطورة، لأنه رد على "كينيدي".. بأن أي حصار على كوبا، وحظر للملاحة في المياه الدولية أو المجال الجوي يشكل عملًا عدوانيًا، قد يدفع البشرية إلى هاوية حرب صواريخ نووية عالمية".

وبيرفض السوفيت علناً جميع المطالب الأمريكية.

ودا يعني أن الأمور بتتصاعد إلى منحنى جديد.. حرب عالمية ثالثة.. نووية.

وفي الوقت نفسه، بينجح الجاسوس البارع "جاك دونلاب" في كشف هوية الجاسوس اللي باع السوفيت، وكشف أسرارهم.. والمرة دي بيقف شعر رجال المخابرات السوفيتية، لما بيكتشفوا أنه رجلهم الأثير القوي.. الجنرال "أوليج".

وبيترفع الأمر لرئيس الاتحاد السوفيتي شخصيًا.. وبعد ساعة واحدة، في 22 أكتوبر، من العام 1962.. بيقتحم رجال الاستخبارات منزل "أوليج"، ويلقوا القبض عليه.. .. قبلما يلقي "كينيدي" خطاب على الشعب الأمريكي، يعرض فيه صور قواعد الصواريخ السوفيتية.

وكان لـ"أوليج" ضابط حالة أمريكي بيتابعه في قلب الاتحاد السوفيتي.. بيعرف على الفور بنبأ القبض عليه، وبيحاول يرسل رسالة بدا للأمريكيين.. لكن رجال المخابرات السوفيتية، بيلقوا القبض عليه بدوره، ومع سقوطه بتتكشف معظم الشبكة.

مع سقوط "أوليج" وكشفه للمعلومات الرهيبة اللي سربها أمام الرئيس السوفيتي، بيدرك الرئيس أنه خسر الحرب دي قبلما تبدأ، وأنه فقد عنصر المفاجأة والسرية والمباغتة، وصار الأمريكيين مستعدين له تمامًا.. فبيستجيب للطلب الأمريكي بإزالة قواعد الصواريخ الكوبية شريطة أن تتعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا وأن تقوم بالتخلص بشكل سري من الصواريخ البالستية "ثور" في بريطانيا وصواريخ "جوبيتر" في تركيا.

أما "أوليج".. فاتقدم للمحاكمة، واتحكم عليه بالإعدام، وتم إعدامه بالفعل، في 16 مايو 1963، وإن كان في تقارير غامضة بتقول أنه لم يعدم فعلا.. وألقاه "كروتسييف" في معتقل سيبريا الرهيب، لحد ما انتحر من الظروف القاسية والمعاملة السيئة في العام 1965.

خبراء كتير شايفين أن "أوليج" أنقذ العالم من حرب نووية كانت حتقوم لا محالة، لو كشف الأمريكيين الصواريخ الكوبية بعد فوات الأوان.. وفي أمريكا بيتسمى لحد النهاردة "الجاسوس الذي أنقذ العالم The spy who saved the world".

قصة "اوليج" وأزمة الصواريخ مختلفة عن الطريقة اللي وقع بيها "خماسي كامبريدج Cambridge Five" اللي نتكلم عنهم لاحقُا.

ويبقى للحديث بقية.

-------

- المنشورات السابقة أول تعليق.