لسه مع أشهر الجواسيس اللي غيروا وجه العالم.. والحرب الباردة بين القوتين العظميين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، في العام 1950، والمخابرات البريطانية بتحط إيدها على رسالة شفرية قديمة، بتفك شفرتها.. عشان تكتشف قصة شائقة.. ومخيفة في الآن ذاته.
4 أفراد من كامبريدج.. ظهرت لهم أسماء كودية في الرسالة.. وبدأت لندن تبحث عن اصحاب الأسماء دول، وانطلق رجال المخابرات الإنجليزية، كل يعمل في اتجاه، بحثًا عن أصحاب الأسماء "هوميروس Homer" و"هيكس Hicks" و"جونسون" و"ليست Liszt".
مبيظهرش أي خيط يمكن يقود لأصحاب الأسماء دي، رغم أن ورودها في وثائق سوفيتية يعني أنهم قدموا خدمات جليلة للاتحاد السوفيتي خلال الحرب، وحتى لحظتهم تلك.. لحد ما بتوصل رسالة شفرية جديدة المفترض أنها موجهة إلى "هوميروس".. بطريقة "لوحة المرة الواحدة One-time pad".
والطريقة دي طريقة شفرية صعبة جدًا.. بيتشفر كل حرف فيها عن طريق حسابات عشوائية، مبتتكررش غير مرة واحدة، وبتوصلك الرسالة، وبيسلمك بعدها من أحدهم طريقة فك الشفرة، اللي مبتصلحش بعدها لفك أي رسالة شبيهة.
وهنا بيستعين الانجليز بالأمريكيين.. اللي بيحولوا الرسالة لعبقري الشفرة "ميرديث" اللي اتكلمنا عنه في الحلقات السابقة.. عشان يحل اللغز.
ولكن قبل ما بيفك "ميرديث" الشفرة.. بيعرف "هوميروس" بحكم عمله الحساس بالأمر، وبيقرر الفرار من أنجلترا.. وهنا فقط.. بيعرف الإنجليز هوية "هوميروس".. ولما بيراجعوا الوثائق بيكتشفوا أن كل الخيوط كانت بتشير له منذ البداية.
"دونالد ماكلين Donald Maclean".. رجل المخابرات الانجليزية في وزارة الخارجية الإنجليزية.. اللي لف العالم وعرف الكثير من الاسرار الانجليزية، وكان مسؤول عن إيصالها لعملاء معينين في كل أقطار الأرض، حتى أنه كان رئيس البعثة الدبلوماسية الإنجليزية في القاهرة نفسها، أثناء وبعد حرب فلسـطين.. سنة 1948.
ومع هروب "ماكلين" المباغت.. بيصاب رجال الاستخبارات الانجليزية بالجنون، وبيقرروا القبض على زوجته واستجوابها.. لكنها بتفاجئهم باتصال لمقر عمله، بتسأل عنه فيه في حيرة حقيقية.. لأنه لم يتصل أو يعد للمنزل منذ يومين.
ومع صدقها بيتأكدوا تمامًا أنها ماتعرفش عنه أي شيء.. ومع بحثهم عنه، بيفاجأ الجميع بهروب شخص آخر.
"جاي بيرجس Guy Burgess".. اللي بيكتشفوا أنه صاحب الاسم الكودي "هيكس".
و"بيرجس" كان رجل استخبارات آخر في الخارجية بدوره، وعمل لفترة في البي بي سي.. ويبدو من الوثائق أنه قدم خدمات جليلة للسوفيت كذلك.. واختفى كذلك مع كشف أمره بلا أدنى أثر، زي "ماكلين" بالضبط، في العام نفسه 1951.
وبعدين اختفى شخص ثالث.
خبير التشفير السابق وموظف الخارجية "جون كيرنكروس John Cairncross".. اللي مكانش اختفاؤه حيشير لأي شيء غريب، لولا سياق الأحداث وقتها.
ولأن "جون" مكانش ضليع في شغل الاستخبارات زي "بيرجس" و"ماكلين".. وهرب بعقلية الموظف اللي بيقولك "أطلع لمدام زليخة في الدور الرابع".. فدا اتقبض عليه بعدها مباشرة، وهو بيحاول يفر من لندن إلى روسيا عن طريق الخطوط البريطانية.. حمــار يعني.
"جون" كان بيهوي الموسيقي ويتذوقها، وكان عازف بيانو متميز، عشان كده السوفيت سموه بالاسم الكودي "ليست".. على اسم الموسيقار المجري "فرانتس ليست Franz Liszt"
مع القبض عليه، ألقى للانجليز بقصة مزيفة، زي ما دربه السوفيت بالضبط. واثناء ما الإنجليز بيدرسوا قصته المزيفة، وصلت المعاونة من خبير التشفير الأمريكي "ميرديث".. في رسالة خاصة، حملها مبعوث شديد الأهمية من "فينونا VENONA" الأمريكية.. اللي هي معادل المخابرات الحربية عندنا.
وبيفض الانجليز الرسالة، عشان يعرفوا صاحب الاسم الرابع.
المؤرخ الكبير "أنطوني بلانت Anthony Blunt" صاحب الاسم الكودي "جونسون".
و"بلانت" خدم في الجيش الإنجليزي سنة 1939.. والمخابرات الإنجليزية ضمته في العام 1940 لصفوفها.. لأنه كان رجل مطلع واسع الثقافة غزير العلم. وكانوا بيستعينوا به في أمور فائقة الحساسية، ومثل لندن ثقافيا في عشرات المحافل الدولية.. لدرجة أنه كان بيسافر أحيانًا للقاءات معينة، نيابة عن المللك جورج ملك بريطانيا نفسه، اللي كانت كانت آخر اعوامه بالمناسبة هي سنة سقوط "بلانت".. 1952.. ومسكت بعده الملكة إليزابيث في العام نفسه.
الغريب أن اسم "بلانت" مكانش مفاجأة للانجليز.. لأنه كان صديق مقرب للغاية من "بيرجس" و"ماكلين" اللي اختفوا في ظروف غامضة.. فكانوا هم أصلا بيشكوا فيه.
والحقيقة أنه "بلانت" كان راجل إكسلانس مالوش في الفرهدة والدوشة.. بمجرد ما بيخبطوا عليه ويصطحبوه لمكتب المخابرات.. بيطلب كوب من الشاي، وسيجاره الفاخر المفضل.. وبيعرض عليهم يعترف لهم اعتراف كامل حقيقي.. مفيهوش حرف واحد غلط.. بشرط أنهم ميحاكموهوش ولا يفضحوه أمام أسرته وأهله.. وبتتم الصفقة.. وبيحصل "بلانت" على حصانة خاصة، تحميه من أنه يتم القبض عليه أو مقاضاته بتهمة التجسس والخيانة العظمى.. مع وعد مكتوب بسرية اعترافه.
ولكن اعتراف "بلانت" كان فيه حاجة غريبة جدًا.
كان فيه خيط بيشير لاسم آخر، محدش عارفه، ولا "بلانت" نفسه.. لكن يعرف أن له اسمين كوديين.. "ستانلي Stanley" و"سوني Sonny".
ودا يعني أنهم مابقوش "رباعي كامبريدج" خلاص. الشبكة بتتكون من خمسة... "خماسي كامبريدج".
يا ترى مين هو الرجل الخامس الخطير اللي له اسمين ده؟
وهنا.. بيرسل "ميرديث" مع مبعوث المخابرات الحربية الأمريكية، رسالته الأخيرة.
الرسالة الأخيرة دي بتحمل اسم "الرجل الخامس".. لكنه اسم مرعب.. حقيقي كانت مفاجأة مروعة.. شحبت له وجوه الانجليز.. وأدركوا أنهم أمام كارثة بكل المقاييس، في ذلك الوقت، ولابد من عرضها على رئيس الوزراء نفسه.
والرجل الخامس دا مكانش ممكن حد في بريطانيا كلها يصدق، من عامة الشعب أو من السلطات وأصحاب مراكز اتخاذ القرار.. أنه ممكن يكون خائن، وجاسوس سوفيتي.
هوية الرجل الخامس كانت مفاجأة للجميع.. لكن يبدو أن الوقت سرقنا النهاردة والحوار طال.. فنبقى نعرف مع بعض هوية "الرجل الخامس" وقصته المرة القادمة.
ويبقى للحديث بقية بإذن الله.
--------
الحلقات السابقة أول تعليق.