مؤلف شخصية "جيمس بوند" كان اسمه "إين فلمنج Ian Fleming ".. كاتب وموسيقي وضابط مخابرات بحرية، أقر بنفسه عدة مرات أن "بوند" مزيج من عدة شخصيات حقيقية.. أولهم كان شقيقه الأكبر "بيتر فلمنج".. "بيتر" كان بيرعى "فلمنج" من الطفولة.. ويدعمه، ويعمل له كل شيء يسعده.. حتى أنه هو اللي دخله عالم الكتابة.. فكان بيبص لشقيقه "بيتر" على إنه إله.. وبيحبه لدرجة العبادة.

عشان كده "فلمنج" حط وصف "بوند" الشكلية وطوله ومواصفاته على هيئة "بيتر" بالضبط.. كمان منحه شجاعة "بيتر" الفائقة.. لأن "بيتر" كان جندي وقت الحرب، وعمل عمليات في غاية الخطورة، خلف خطوط العدو، في بولندا والنرويج واليونان.

كمان "بوند" كان فيه من "بوبوف" اللي اتكلمنا عنه من قبل بالتفصيل.

الشخصية الثالثة، كان شاب اسمه "فورست فريدريك إدوارد Forest Frederick Edward".. ضابط خفيف الظل، مليح القسمات، بيعمل قائد جناح في سلاح الجو الملكي البريطاني. كان اسمه الكودي "سي هورس Seahorse".. وبتعني "حصان البحر".

أما اسم شهرته.. فكان "تومي".

و"تومي" دا كان شخصية عجيبة جدًا.

قبل إنزال "نورماندي".. كان لازم المقاومة الفرنسية تتحرك بدورها.. عشان تربك النازيين.. وتضعفهم طيلة الوقت.. ولما ارتبكت شبكة تجسس الحلفاء، مع مشكلة "تريجر" والتحقيق مع "جاربو" وتجميد نشاط "بوبوف".. كان المفترض أن "تومي" يحاول يقدم دعم استخباراتي.. للمقاومة الفرنسية.. بدل الشبكة دي.

الموقف كان صعب للغاية، لكن "تومي" قرر ينفذ مهمته، مهما كان الثمن.. فرسم خطة جديدة قرر يتحرك على اساسها. الخطة دي رفضها الجميع لكن "تومي" فضل يلف ويدور، لحد ما اصطاد "تشرشل" نفسه، على سلم البرلمان.. واترجاه يتكلم معاه خمس دقائق فقط.. بالفعل بيوافق "تشرشل" يسمعه.. وبيمنحه دقائق خمس يشرحله فيهم هو مين وعايز إيه...

وبيشرح "تومي" خطته الجنونية.

والعجيب أن "تشرشل" عجبته الخطة، وانبهر بحماسة "تومي" رغم صغر سنه.. فوافق وأمر بتنفيذ خطته على الفور.

وفي الليلة التالية.. كان "تومي" على متن طائرة مع زميل له، بيعبروا بها الأجواء الفرنسية المحتلة، وبيقفز بالباراشوت في ظلام الليل.. خلف خطوط العدو.

وهبط "تومي" في قلب فرنسا وتخلص من الباراشوت وخلع ملابس القفز.. وكان تحتها حلة ومعطف رسميين، لضابط جستابو.. فوضع الكاب العسكري وعدل هندامه، وأوقف دورية من الجنود الألمان.. وراح يفتش عليهم في صرامة.. ثم أمرهم أن يقتادوه، إلى مركز قيادتهم.

وهناك.. التقي "تومي" بالضباط الألمان، وصافحهم في حرارة، على أنه ضابط جديد منقول حديثًا إلى مكتب الجستابو.. وتناول العشاء معهم، وهم يتناقشون حول التحركات الألمانية بمنتهى الجدية، ثم صافحهم في حرارة أشد، وانصرف على الفور، إلى أنفاق المقاومة الفرنسية في باريس - وكان عندهم خبر بقدومه - ومنحهم المعلومات.

والمشكلة أن "تومي" كرر زياراته.. وأعجبه الأمر، فراح يتناول العشاء بشكل دوري، مع القادة والضباط الألمان.. اللي رحبوا بالضابط المنضبط الوسيم اللي لسه منقول من ألمانيا حديثًا.. وحصل منهم على معلومات هامة للغاية.. كان بيقدمها باستمرار لرجال المقاومة الفرنسية في باريس.

صحيح أنها مش معلومات فائقة السرية.. لكن وقت الحرب.. لما ضابط يتكلم عن تزويد كتيبته في منطقة معينة مثلا بسترات طفو.. فدا يتبنى عليه معلومات أخرى شديدة الأهمية.. الكتيبة دي حتعبر البحر في وقت ما.. مثلًا.

ورغم جرأة "تومي" وبراعته المدهشين.. لكن النازيين كان لهم جواسيسهم كذلك.. وكانت المقاومة الفرنسية مخترقة.. زي ما قرينا في السلسلة دي.. فالجاسوس الألماني في قلب المقاومة.. بلغ عن "تومي" واتقبض عليه وهو مروح من عشاء نازي فاخر، في محطة مترو باريس.

وبدأ النازيين حفلة تعذيب "تومي"، بالماء البارد والصعق بالكهرباء والضرب، وهو طول الوقت هادئ تماما، مع ابتسامة ساخرة مستفزة.. لحد ما انهار من الألم بعد أسبوع.. وطلب منهم فنجان من الشاي وسيجارة وورقة وقلم.. عشان يدون اعتراف كامل.

وقدم لهم "تومي" اعتراف زائف، انه ضابط طيار اسمه "كينيث دودكين Kenneth Dodkin".. وأن طيارته سقطت في غارة على باريس.. وملقاش طريقة يفر بها من الألمان إلا أنه يندمج وسطهم.. بمعنى أنه يفر من الأسد إلى عرينه.

وبيتحرى الألمان بواسطة جواسيسهم عن "كينيث".. وبيتضح لهم صحة المعلومات.. فبيرموا "تومي" في السجن.

اللي ساعد "تومي" كان انه في اعترافه المزيف استعمل اسم لطيار انجليزي حقيقي.. سقطت طائرته بالفعل فوق فرنسا وصار في عداد المفقودين!

وفي سجنه حاول "تومي" الهرب مرتين.. والمرتين فشلوا واتعذب بسببهم عذاب أليم.. وضاق القائد النازي به ذرعًا.. فحوله إلى "معسكر اعتقال باخن فالد Buchenwald concentration camp".

وهناك.. قضى "تومي" عدة أيام.. وبعدين قرر الهرب مرة أخرى. بس المرة دي عشان يهرب كان محتاج خطة أفضل من أنه يضرب الحارس ويجري.. أو يفك مسامير النافذة أم قضبان بملعقة الطعام.. فراح يكوّن خلية مقاومة من المعتقلين في المعسكر.. وكان معظمهم جنود أو رجال مقاومة متمرسين على القتال.. لحد ما نجح وعمل شغب هائل، احترق بسببه الأرشيف.. وانفتحت الأبواب.. لكن القوات النازية سيطرت على الموقف وقبضت عليه.

ومع احتراق المستندات.. راح النازيين يستجوبون المساجين لمعرفة هوية كل منهم.. قدم لهم نفسه على أنه رجل فرنسي.. مقبوض عليه ومترحل من فرنسا. ولأنه مزعج ومثير للشغب.. فلما سنحت الفرصة لنقل الفرنسيين من "باخن فالد" وفصلهم عن الإنجليز.. تنفس النازيين الصعداء، وحولوه على معتقل آخر.. قرب بولندا.

وهناك حاول "تومي" الهرب من سجنه، للمرة الاخيرة في حياته.

والمرة دي.. نجح.

نجح وقتل حارسين، واتجه لغرفة قائد المعسكر الخاوية، وسرق حلته ومعطفه، ومفاتيح سيارته.. وأرخى الكاب العسكري على وجهه وهو بيتقدم من البوابة.. والجنود بتميز السيارة، وتفتح لها الباب مع تحية عسكرية.

عمل عشرات المغامرات وسرق عشرات السيارات واتنكر في الف شكل ووجه.. وصنع متفجرات من علب الطلاء ووقود السيارات.. وصنع أفخاخ وألغام للنازيين اللي بيطاردوه كأنه "جيمس بوند" الحقيقي.. وفي الآخر.. نجح بالفعل في عبور الحدود والعودة إلى فرنسا، بعد إنزال نورماندي.

وهناك في قلب النيران.. هاجم مجموعة نازيين وسرق سلاحهم.. وأطلق النار على الألمان وأطلقوا عليه النار مئات المرات.. لحد ما استطاع أنه يوصل في النهاية إلى خطوط الحلفاء، في أواخر إبريل، من العام 1945.

استقبلته لندن استقبال الأبطال، وحصل على دستة من الأوسمة والنياشين.. وبقى لاحقًا شاهد عيان مهم على القادة النازيين في محاكمات "نورمبرج Nuremberg War Trials"، لأنه شاف تعذيبهم ومعسكراتهم بعينيه.

ورغم حياته الحافلة، إلا أنه ذات ليلة، بيفرط في احتساء الكحول، فبينزلق في الحمام في شقته في باريس، وبيسقط وترتطم رأسه.. فبيفقد وعيه ويبدأ ينزف في بطء دون أن يشعر.. لحد ما بيموت من فرط النزف، عن عمر 61 عامًا.

في تمثال لـ"تومي" في قاعة مدينة باريس، تكريمًا له على ما قدمه للمقاومة الفرنسية من خدمات إبان الاحتلال النازي.

دا كان أحد الشخصيات اللي اتبنت عليها شخصية "جيمس بوند". و"تومي" يختلف شوية عن "سيدني رايلي Sidney Reilly".. اللي تحس أنه فعلًا "جيمس بوند" بشحمه ولحمه، لكن دا نتكلم بقى عنه لاحقًا.

ويبقى للحديث بقية.

----------

- المنشورات السابقة أول تعليق.

- الصورة لـ"فورست فريدريك إدوارد" أو "تومي".