نكمل كلامنا عن النسبية اللي بدأناه إمبارح.. البوست القديم في أول مرجع للي يحب يرجع له..
ماينفعش نسترسل في الكلام عن النسبية من غير ما نمر على عدة علماء بخلاف آينشتاين، و منهم العالم الرياضي "ماكس بلانك Max Planck" اللي وضع نظرية اسمها "نظرية الكم Quantum theory"...
النهاردة بقى اسمها "نظرية الكم القديمة old quantum theory".. و نظرية الكم للأسف حكر على دارسي الهندسة و الفيزياء تقريبا.. و قليلين اللي بيتكلموا عنها خارج المجال...
ماكس بلانك قال سنة 1900، طيب لما إحنا مش متأكدين كده و سجناء لحواس محدودة و أدوات معمل محدودة.. في حل يخلينا نوصل لمنطقة وسط..
الحل إننا نحول كل الحواس لأرقام..
إزاي؟ قال لنا: بسيطة.. هي الألوان دي ايه؟ الألوان هو انعكاس لموجة ضوء ذات طول و تردد معين من على الجسم.. يعني ورقة الشجر بتمتص كل الألوان و تعكس الموجة اللي "لونها أخضر"..
و الموجة اللي عقلنا بيترجمها "أخضر" دي، ليها ذبذبة و طول موجي..
يعني مجرد رقم...
و بدل ما نقول دا لونه "اصفر و أخضر" نقول دا موجته كذا "كيلوهرتز kilohertz" (كان اسمها وقتها كيلوسايكل Kilocycle)...
و ماكس بلانك بدأ من ملاحظة بسيطة.. إنك لو سخنت قطعة حديد، لونها بيبدأ يتحول للأحمر.. و بعدين البرتقالي، و بعدين الأبيض المتوهج...
يعني في علاقة معينة بين الطاقة اللي طالعة من الحديد.. و طول موجة الضوء المنبعثة منه...
قعد يدور على المعادلة دي و في الآخر لقاها.. و اكتشف إن الطاقة المنبعثة من الحديد مقسومة على الذبذبة دي.. بتساوي كمّ ثابت.. سمّاه "ثابت بلانك Planck's constant"...
و المعادلة دي بتفترض إن الطاقة المشعة من الحديد بتخرج على شكل دفعات.. أو حزم.. سماها "فوتونات photons" ...
وجاء آينشتاين و خد جائزة نوبل لما قرر إنك لو ألقيت شعاع ضوء علي لوح معدني.. في عدد من الإليكترونات بينطلق من اللوح دا.. و لو كان الشعاع ضعيف أو بعيد.. برضه بتنطق الإلكيترونات دي.. بس بتنطلق أقل...
كأنك بتضرب سجادة بمنفضة.. و المنفضة هنا هي شعاع الضوء.. و التراب اللي بيتطاير منها هو الإلكترونات.. الضربة قوية يطلع اليكترونات كتير.. ضعيفة.. يبقي تطلع أقل..
آينشتاين فسر العملية دي بأن الضوء مبيضربش اللوح على شكل خيط طاقة متصل.. لا.. على شكل دفقات و حزم من الطاقة.. و كتب سلسلة معادلات.. اتبني عليها لاحقا اختراع التليفزيون..
نفس الفكرة.. التليفزيون شعاع ضوء بيضرب لوح حساس في أماكن معينة بيتطلع اليكترونات .. و الأجهزة بتترجمها لذبذبات و الذبذبات بتترجم لألوان..
يعني صور..
هنا معادلات آينشتاين فتحت آفاق غريبة جدا وقتها...
يعني الضوء مكون من دفقات طاقة أو فوتونات.. يعني ذرات.. مش أمواج (و كان يعتقد إن الضوء له طبيعة موجية مطلقة وقتها)..
كان في عالم نمساوي اسمه "شرودنجر Schrödinger" أثبت إن الإليكترونات لها طبيعة موجية.. و أثبت بالتجربة إن الإليكترونات اللي بتضرب سطح بلورة معدنية بتحيد من حواليها.. زي مياه البحر لما تقابلها جزيرة..
و تواصلت التجارب و اتضح إن الجسيمات و الذرات كمان بتتصرف بنفس الطريقة "الموجية" و إن طول موجاتها ممكن يتحسب "بمعادلة شرودنجر Schrödinger equation"..
و بدأت العلماء تفكر.. إحنا في حقيقتنا عبارة عن خلايا.. الخلايا دي مكونة من كربون و هيدروجين و أوكسجين.. كل عنصر من دول مكون من ذرات.. مكونة من بروتونات و إليكترونات..
و قالوا: مش شرودنجر أثبت إن الإليكترون دا عبارة عن موجة؟
يعني احنا أمواج و ذبذبات! مجرد شحنات صافية من الطاقة..
يعني ايدك اللي بتضرب أزرار الكيبورد دي مجرد طاقة؟
يعني انت مش كيان مادي.. انت شحنة طاقة؟
يعني احنا زي أمواج الراديو؟ طبيعة موجية؟ و للا طبيعة ذرية؟ و لما احنا زي أمواج الراديو ازاي مابتقدرش تمر عبر الجدران زيها؟
و بدأ صرح النظرية المادية يهوي..
مفيش مادة في الواقع.. مفيش شيء ذو كيان مادي.. كلها مجرد طاقة متموجة؟؟!
إزاي البني آدم يبقي عبارة عن موجات طاقة بينما شعاع الضوء له صفات مادية؟؟!
وإزاي بقى البني آدم لو مجرد كيان موجي يشغل حيز و يبقى له كتلة، بينما الكيان المادي اللي هو الضوء بيمر من الزجاج؟؟!
و ظهر عالم ألماني اسمه "هايزينبرج Werner Heisenberg" اللي في الصورة دا .. و قدم لهم مجموعة من المعادلات.. و قال لهم: "شوفوا يا جماعة.. ممكن تحسبوا الضوء على إنه أمواج أو تحسبوه على إنه ذرات.. و تحسبوا الإليكترونات على إنها أمواج أو ذرات.. و كل واحد يختار الإفتراض اللي يعجبه و حيلاقي المعادلات دي تصلح للافتراضين.. استمتعوا"..
و حار العلماء..
إزاي تكون الحقيقة متناقضة؟ و إزاي تبقى هي الشيء و نقيضه في وقت واحد و تتثبت بالمعادلات؟؟!
و هايزنبرج رد عليهم ببساطة: أولا.. لا سبيل للعلم لإدراك المطلق.. الحقيقة المطلقة لا سبيل لإدراكها...
العلم ما يقدرش يدرك كينونة الشيء بشكل دقيق محدد.. بس يقدر يدرك ازاي الشيء دا بيتعامل في أوساط مختلفة.. و علاقته بباقي الأشياء..
فلما الضوء يتصرف بشكل مادي ذري مرة و مرة بشكل موجي.. و المادة تتصرف بشكل موجي مرة.. و مرة بشكل ذري..فدي مش طبيعة المادة و لا طبيعة الضوء..
دا "السلوك" و "الطريقة" اللي الضوء بيتصرف بيها في حالات و أوساط معينة.. و بالتالي يمكن يكون للضوء مثلا طبيعة مزدوجة..
و ثانيا.. العلم مايقدرش يدرس وحدة أساسية مكونة لشيء.. و يوصل لنتيجة مطلقة.. أحكام العلم كلها تقريبية احصائية.. و بالتالي صعب جدا تدرس حالة مفردة على حدة و تفهم أو تصل لنتيجة..
و عشان يبرهن لهم هايزنبرج على الإستحالة دي ضربلهم مثال قرفنا جميعا في الفيزياء في العالم العربي من المحيط للخليج.. عشان مش مكتوب كويس في الكتب الدراسية...
هايزنبرج قالهم: تعالوا نتخيل إننا عايزين نشوف "إليكترون" واحد.. و نحدد مكانه و سرعته..عايزين أولا ميكروسكوب بيكبر 100 مليون إكس.. و لو صنعنا الميكروسكوب دا.. فالإليكترون أصغر من موجة الضوء.. يعني شعاع الضوء مش حايسقط عليه عشان نشوفه..
عايزين أشعة موجتها قصيرة جدا.. و اختار كمثال أشعة الراديوم...
تعال بقى نشوف الإليكترون تحت الميكروسكوب.. لما بتسلط عليه اشعة الراديوم عشان تشوفه.. أشعة الراديوم حاتضرب الإليكترون زي عصاية البلياردو.. لأن الأشعة حزم من الطاقة.. الإليكترون حايكتسب طاقة لما تضربه.. و يتحرك..
فلما تيجي تحدد مكانه.. الأشعة تضربه فينطلق زي كرة البلياردو..
"فكل ما تيجي تحدد مكانه تتغير سرعته و كل ما تيجي تحدد سرعته يتغير مكانه"... فاكر الجملة دي من منهج الفيزياء؟
حاجة زي الصورة اللي شبه الكوكب اللي حواليه أجرام دا.. دي إليكترونات في مدارها.. تيجي تسلط عليها الأشعة عشان تحدد سرعتها أو مكانها.. فتجري بعيد بسبب ضربة الاشعة...
يعني العلم بيصطدم بالحدين الأصغر و الأكبر و يفشل و يعجز عن قياسهم..
زي ما تحاول تجيب الكون ككل.. ككرة هائلة.. و تقيسه بأدواتك.. دا ماينفعش لأن أدواتك انبثقت عن القياسات المحددة في الكون من الأصل..
فهنا يقف العلم و يقف العقل البشري عاجزين..
الأمر بالضبط زي ما تصنع مدينة مغلقة معزولة كلها روبوتات.. و بعدين تروح في مرة تزورهم.. فيحاولوا يعزموك علي بنزين و شحم و جاز و زيت.. فلما تقولهم إنك مش بتستهلك الأشياء دي عشان تعيش يقولولك: "مستحيل.. طبقا لمقاييسنا و علومنا في مدينتنا "الكون بتاعهم" .. مفيش حياة بدون الأشياء دي"..
دا عالمهم و كونهم.. و اصطدموا بحده الأقصى.. مصدر القوانين و القياسات اللي بيستعملوها.. أنت...
العلم "تقريبي".. عشان كده تسمع دايما العلماء الكبار يقولولك: هذا البحث "يزعم" أنه... "أبحاثي "تقترح"... "في معظم الأحوال" ... "في الغالب".. "بالتقريب".. و دايما بيبحث.. مابيقولش: "لأ انا معايا دكتوراة في الفضاء فأنا وصلت لمنتهى العلم فيما يتعلق بالفضاء" مثلا.. يبقى جاهل ضرير..
و العالم الرياضي "جول بوانكاريه Jules Poincaré" له مثال حانستعمله مرة تانية و احنا بنناقش النسبية.. بس ينفع نستخدمه دلوقتي..
بوانكاريه بيقولك: افترض و احنا نايمين ان الكون كله صغر في الحجم ألف مرة.. أو كبر في الحجم ألف مرة.. بما في ذلك جسمك و سريرك و هدومك و بيتك و عربيتك و الميكروسكوب و التلسكوب و الأجهزة و الحيوانات و النباتات و الحشرات.. بما في ذلك الشمس و النجوم و الكواكب و المجرات.. حتلاحظ ايه؟
بوانكاريه بيقولك في بساطة: انت مش حتلاحظ حاجة على الإطلاق..لأن الحد الاقصي و الأصغر للكون اتغيروا.. و انت ماعندكش اللي يقدر يقيسهم و لا يلاحظهم..
أنت خاضع لقوانينهم.. مش هم اللي خاضعين لقوانينك.. و بالتالي صعب تقيسهم...
و حاول آينشتاين يحل المعضلة دي...
و في بحثه اعتقد آينشتاين إن الكون وحدة منسجمة واحدة.. و الكون كله خاضع لقانون واحد بسيط..
و بدأ يحط نظرية جديدة سماها "نظرية الحقل الموحد a unified field theory".. و قال إن الكون كله خاضع لقانون واحد بسيط.. و إن العقل البشري ممكن يوصل للقانون أو المعادلة دي...
و بالرغم من إن نظرية الحقل الموحد لحد لحظتنا دي، لا زالت قيد البحث، إلا إن في شواهد على إن آينشتاين أجرى على أساسها تجربة رهيبة.. لا زالت بتتأرجح بين الواقع و الخيال لحد النهاردة.. في أكتوبر 1943 ..
واتعرفت التجربة المروعة دي باسم "تجربة فيلادلفيا The Philadelphia Experiment".. موجود عنها تفاصيل في آخر مرجع بالعربي.. للي يحب يرجع لها..
و لنا حديث آخر عن النسبية بإذن الله...
--------------
مراجع:
--------------
1 - https://goo.gl/QZB12B
2 - Ozawa, Masanao (2003), "Universally valid reformulation of the Heisenberg uncertainty principle on noise and disturbance in measurement", Physical Review .
3 - L.D. Landau, E.M. Lifshitz (1977). Quantum Mechanics: Non-Relativistic Theory. Vol. 3..
4 - Schrödinger, E. (1926). "An Undulatory Theory of the Mechanics of Atoms and Molecules"..
5 - Erwin Schrödinger, "The Present situation in Quantum Mechanics," p. 9 of 22. The English version was translated by John D. Trimmer..
6 - Jeroen van Dongen: Einstein's Unification, Cambridge University Press (July 26, 2010)..
7 - Daniela Wuensch (2003), "The fifth dimension, vol. 12, p. 519 - 542...
8 - الزمان الوجودي - عبد الرحمن بدوي...
9 - النسبية الخاصة - د. مصطفى مشرفة...
10 - ABC of relativity - Russel..
11 - تجربة فيلادلفيا: https://goo.gl/KEpJOW