قبل موت "بايزيد" حفيد "عثمان" مؤسس الدولة العثمانية على يد "تيمورلنك".. مصر أصيب بمصيبة كبرى. ومع ذلك كان لازال العثمانيين بيخشوها.. المصيبة دي كانت الطاعون.
انطلق الوباء الرهيب يضرب المحروسة.. ويتسلل عبر أزقتها وشوارعها.. من غير ما يرحم عجوز أو شيخ أو طفل.. المقريزي بيقول أنه في اليوم الواحد كانت بتخرج من الإسكندرية فقط 700 جنازة.. وكان في القاهرة بتخرج ألف جنازة في اليوم الواحد.. وبعدين ازدادت أعداد الضحايا.. ابن إياس قال إنه "كان يخرج من القاهرة كل يوم ما يزيد على 20 ألف جنازة وبلغ عدد من ماتوا بين شهرى شعبان وشهر رمضان نحو 900 ألف مصاب".
تناثرت الجثث في الطرقات.. وشح الغذاء لأن مبقاش في أعداد كافية تزرع.. و: "بسب كثرة الاموات انعدمت النعوش فأصبح يتم حمل الأموات على أقفاص وألواح خشبية وامتلأت المقابر، ولم يكن هناك عدد كاف من الفلاحين لموسم الحصاد.. فعكفت الدولة بتوفير بعض الجنود للقيام بعملية الحصاد وأعلنت الدولة أنه من يشارك فى الحصاد فله نصف ما حصد".
وانخفض عدد جنود المماليك البحرية من 200 ألف إلى 10 آلاف جندي فقط.. وقل عدد الصناع.. وقل السلاح والعتاد.
ومع ذلك كانت تلك الدولة لازالت قوية بما يكفي كي يخشاها العثمانيين.
ومع موت "بايزيد".. بيبقى في أولاده "محمد" و"سليمان" و"عيسى" و"موسى".. كل عيل منهم بيروح مدينة ويعلن نفسه سلطان ويبايعه مجموعة جنود.. "سليمان" أول واحد راح أدرنة.. وأعلن نفسه حاكم وسلطان للدولة العثمانية.. فبعت له "تيمورلنك" ييجي يقدم له فروض الطاعة والولاء.. فراح "سليمان" بالفعل إلى قاتل أبيه محمل بالهدايا وركع بين يديه.. وقدم له فروض الولاء والطاعة.. فأقره "تيمور" كحاكم على أدرنة.. والإمارات العثمانية اللي في الجانب الأوروبي.
"سليمان" كمان بعت لقيصر الصرب قافلة هدايا.. فاعترف القيصر بسيادته.. وبكده شعر "سليمان" أنه استتب له الأمر.. وبقى السلطان العثماني بعد أبيه "بايزيد".
"عيسى" بقى كان راح بورصة.. وأعلن نفسه سلطان.. فهاجمه أخوه "محمد" وكاد أن يقتله.. لكنه هرب إلى إزمير. "سليمان" كان مستنيهم يفرموا بعض ويدخل يقتلهم هم الإتنين.. لكن لما "محمد" انتصر.. جمع "سليمان" جيشه وزحف من الجانب الأوروبي عبر الأناضول.. فراح "محمد" اتحالف مع أخوهم "موسى".. واتفقوا يقتلوا "سليمان".
وهنا بيبعت "تيمورلنك" رسالة قاسية إلى "محمد بن بايزيد" يلومه فيها على حرب "سليمان" التابع له.. فبيعتذر له "محمد" وبيبعت له قوافل هدايا ويروح يقدمله فروض الولاء والطاعة.. فبيرضى عنه ومبيهاجمهوش.. ومبيتدخلش في الخلافات الأسرية البسيطة دي.. لحد ما بيتوفى "تييمورلنك" نفسه.. في العام 1405.
"سليمان" بقى حربه طالت مع اخواته.. استمرت سبع سنين تقريبًا.. وبدأ يشك في النصر.. فعشان يهزم إخواته.. راح اتجوز أميرة بيزنطية.. واتقرب من الإمبراطور البيزنطي.. وقدم له بنته وأخته كجاريتين!
الإمبراطور مع الهديتين دول وعده إنه يسانده في المعركة القادمة بعتاد ورجال.. ووقت المعركة.. باعه ومبعتلوش حاجة.. فاصطدمت قوات "سليمان" بجيش "موسى" و"محمد" في أدرنة، في العام 1413 ميلادية.. وأسر "موسى" أخوه "سليمان".. وقتله.
مش عارف هو في مشاكل في العيلة يا جماعة وللا إيه؟ "موسى" بعد ما قتل "سليمان" راح يحاصر القسطنطينية.. عشان يفتحها ويستفيد من ثرواتها وجنودها.. فإمبراطور القسطنطينية.. استعان ضد "موسى" بأخوه "محمد".. فهاجمه بالفعل وانتصر عليه.. ففر "موسى" إلى صوفيا في بلغاريا.. فتتبعه "محمد" إلى هناك.. وقتله.
أثناء المغامرات الأسرية اللطيفة دي.. كان السلطان "فرج بن برقوق" مات في مصر.. وبوفاته انتهت دولة "الظاهر برقوق".. ومسك بعده الخليفة العباسي "المستعين بالله العباس".. ودا كان منصب شرفي.. ابتدعه "الظاهر بيبرس".. منصب الخليفة العباسي في القاهرة.. لكن وقتها ملقوش غيره.. وحكم كسلطان حوالي ست شهور.. ومات برضه زي "فرج بن برقوق".. بسبب الطاعون.
أول ما بيستتب الأمر لـ"محمد".. كان على عرش مصر سلطان من المماليك الشراكسة اسمه "المؤيد أبو النصر شيخ المحمودي".. بيبعت لـ"محمد" رسالة يعترف به كحاكم للدولة العثمانية.. وساعتها بينفرد "محمد" بحكم الدولة العثمانية رسميًا.
عهد "محمد" مكانش لطيف.. لأنه قضى مدة طويلة يخمد اضرابات وثورات ضده.. الناس في حقيقة الأمر في الأناضول.. مكانوش طايقين "آل عثمان".. غير أن أبوه مدمن الخمور "بايزيد".. كان بيوزع حصص خمور ثابتة على الإنكشارية فبقوا مدمنين.. وبينهبوا الناس ويبلطجوا عليهم عشان يجيبوا ثمن الخمور.. فانطلق "محمد" ورجاله، يخمدوا الثورات دي.. وقال المؤرخ "يلماز أوستونا" في موسوعة تاريخ الإمبراطوريَّة العُثمانيَّة السياسي والعسكري والحضاري، المجلد الأول، ص118:
"فتعرَّضوا لِلناس والأموال، وقتلوا الآلاف".
وبعدين ظهرت لـ"محمد" فجأة مشكلة عجيبة.
إحنا فاكرين أنه في موقعة أنقرة اللي "تيمورلنك" أسر فيها "بايزيد الأول".. في أخ لهم اسمه "مصطفى" اختفى.. ومحدش عرف هو راح فين.. "مصطفى" دا بقى ظهر لـ"محمد" فجأة، في العام 1419، بعد غياب أكتر من 15 سنة.
وطالب بالعرش!
كان هرب وقت المعركة واستخبى في اليونان.. ودلوقتي رجع وعايز العرش.. وهو الأكبر سنًا.. والأحق به بعد وفاة "بايزيد".. فـ"محمد" عمل حركة لطيفة جدًا.. فأنكر أن دا أخوه أصلًا.. وقال أنه ساحر شرير.. متنكر في شكله!
طرده وسماه "مصطفى الدجال".. فتوجه الأخ "مصطفى" إلى عدد من الأمراء.. فعرفوه واعترفوا به.. وحشد جيش عشان يحارب أخوه "محمد" ويقتله.
بتلتقي جيوش الأخين في "سالونيك".. وبينتصر "محمد".. فبيروح "مصطفى" يحتمي بالإمبراطور البيزنطي.. ولما بيطلب "محمد" تسليمه.. بيرفض الإمبراطور.. لكن "محمد" بيدفع كويس.. فبيوصلوا لاتفاق أن "مصطفى" يفضل أسير عند الإمبراطور البيزنطي.. ميطلقش سراحه طول ما "محمد" على قيد الحياة.
بعدها بيخاف "محمد" من "أورخان" بن "مصطفى".. أحسن يفكر يحرر أبوه وللا يطالب بالعرش وللا حاجة.... فـ"محمد" بيقبض عليه.. وبيأمر بسكب الرصاص المنصهر في عينيه.. وبعدين بيرسله سجين عاجز فاقد البصر إلى "بورصا".
وبكده بتنتهي مشكلة الأخوة.. اللي كان بيترقبها "مراد الثاني" ابن "محمد" في صمت وشغف.. وبعدها بيدس لوالده السم في هدوء.. وبيتفق مع الصدر الأعظم "الأماسيلي" باشا، بإخفاء خبر موته.. والادعاء انه مريض.. لحد ما تستتب له الأمور.
وبالفعل بيحصل دا.. وبيجلس "مراد الثاني" على العرش في مايو.. سنة 1421 ميلادية.. وبيفضل مخبي وفاة أبوه لمدة 45 يوم.
بعدها أخو "مراد" الصغير "مصطفى الأصغر".. بيحاول يخلعه ويمسك مكانه.. وبيتحاربوا برضه.. لحد ما "مراد" بينتصر ويأسر "مصطفى الأصغر".. ويعدمه في أواخر فبراير.. من العام 1423.
لما بيتعرف خبر موت "محمد" بيطلق الإمبراطور البيزنطي.. حسب الاتفاق.. سراح "مصطفى الأكبر"، عم "مراد" من الأسر.. وبيروح "مصطفى الأكبر" يحارب ابن أخوه.. لكن "مراد الثاني" بيقتل عمه.. ويصلبه على برج القلعة في العام 1426.. بعد حروب دامت خمس سنوات.
عاطفية جدًا ولطيفة الخلافة العثمانية دي!
"مراد" حارب كتير أوي.. واشترى سلاح من أوروبا بكميات رهيبة.. وهجم على المجر وبلغاريا واتوسع أكتر وأكتر.. وفي بدايات العام 1451 ميلادية.. بيصاب بمرض غامض.. وحمى شديدة.. وبيموت.
لكن "مراد" قبل وفاته كان مهد الطريق للي جاي بعده.. وسلمه دولة متماسكة إلى حد كبير.. وجيش قوي.. وسلاح أوروبي متطور.
واللي جه من بعده هو الشخصية المفضلة عند العثمانيين والأتراك لحد النهاردة.. اللي بيسموه "صاحب النبوءة" وبيقولوا أن نبي الإسلام ﷺ أخبر عنه.
"محمد بن مراد الثاني".
أو "محمد الفاتح"...
والأخ "محمد الفاتح" دا..الحديث عن قصته والنبوءة اللي بيحاولوا يفصلوها على مقاسه يطول.
فيبقى للحديث.. بقية.
-----------
- المنشورات السابقة أول تعليق.
- الصورة لتمثال "تيمورلنك" ومقبرته.
----------
#الخلافة_العثمانية 15