أزمة أوروبا الاقتصادية اللي حصلت بسبب الحملة على الإسكندرية.. وارتفاع الأسعار الرهيب فيها.. صب في مصلحة "مراد".. لأنه بدأ يحارب وخصومه منهكين في أزمة.. وكانت أوروبا بدأت تقلق من توسعات العثمانيين.. فتحركت قوة عسكرية إيطالية صغيرة إلي "جاليبولي".. اللي كان غزاها "أورخان" أبو "مراد".. وحاصرتها نهارًا.. ولما جنّ الليل.. انسحبت الحامية العثمانية من "جاليبولي" في هدوء بالغ.. وسابت لهم المدينة.

وفي الوقت نفسه كانت الإمبراطورية البيزنطية بدأت تختلف مع "مراد" من جديد.. فتوجه إمبراطورها إلى المجر، للتنسيق معاهم حول حرب العثمانيين.. وليقسم على الطاعة والولاء لبابا أوروبا.. ويترك المذهب الأرثوذوكسي.. ويعتنق المذهب الكاثوليكي.. لأنه زي ما قرينا سوا مع بعض.. الكاثوليك كانوا بيعتبروا الأرثوذوكس ضالين هراطقة.

ومع الحلف دا.. بدأ العثمانيين يتراجعوا.. واتهزموا في مدينة "سوزبول Sozopol" البلغارية على البحر الأسود، وانسحبوا.. واستولى الحلف على قلعة "إينياقوسيا" العثمانية على بحر مرمرة.. وحرقوا بعدها قلعة "أورخان" على مقربة منها.. وساووها بالتراب.. وبعدين دخلوا "أدرنة" وسحقوا الحامية العثمانية اللي كانت فيها سحقًا.. واستردتها الدولة البيزنطية.. وتركت فيها حامية جديدة.. ورفعت رايتها على أرضها.

وفي عز المشاكل دي ظهرت لـ"مراد" مشكلة جديدة.

ابنه اللي عنده 18 سنة "صاووجي جلبي بك Savcı Bey".. شاف إن مغامرات والده العسكرية حتجلب الوبال عليهم.. وأن أوروبا مش حتسكت وحتكتسح بلادهم.. فاتفق سرًا مع أمير بيزنطي على عزل أبيه "مراد" وهو في واحدة من مغامراته العسكرية.. وتولي العرش مكانه.

وعلى المنابر بدأ المشايخ يدعو لـ"صاووجي" ويلقوا خطبهم باسمه.. وعرف "مراد" أن ابنه احتل "الرملي Rumelia" وحصنها.. فدفع له بوحدات عسكرية من الجيش.. لكن "صاووجي" هزمها بالجنود اللي خدت صفه.. بالإضافة إلى قوات الأمير البيزنطي "أندرونيقوس" اللي وقفت في صفه ضد "مراد".

ولما بيعجز "مراد" عن اقتحام "الرملي".. بيدفع إليها بقوات الإنكشارية الرهيبة.. وبيقتحمها بالفعل.. ويهزم حاميتها.. وبيهرب ابنه "صاووجي" إلى اليونان.

ولكن "مراد" بيغري بعض القراصنة اليونانيين.. فبيختطفوا "صاووجي" ويرجعوه لـ"مراد".. فبيحكم عليه بعقوبة فريدة.. حتتسن سُنة في آل عثمان فيما بعد.

بيقيدوا "صاووجي".. ويثبتوا أجفانه مفتوحة بالدبابيس.. وبعدين بيسكبوا له في كل عين.. قطرة من رصاص حار أحمر منصهر.

العقوبة دي لاحقًا حتبقى نشاط محبب بين الإخوة والآباء والأبناء اللي بيتصارعوا على العرش في الأسرة اللطيفة دي. جزيرة الأمراء في تركيا .. اللي نعرفها باسم "جزيرة الأميرات".. كانت قبو تعذيب كبير للممارسات دي.. وقال المؤرخين أنك لو مررت بالجزيرة ليلًا في قارب.. كنت تسمع صراخ الأمراء والأميرات اللي احترقت أعينهم وهم مرميين في زنازينهم هناك.

المؤرخ العثماني "فيردون بك Feridun Bey" بيوصف الواقعة دي وبيقول "فحرم مراد ابنه من نور عينيه وأفقده نعمة البصر".. في مؤرخين حبت تلطف الموضوع وتبين أن "مراد" رجل طيب رقيق القلب.. فقالت لك "لأ هو سكب في عينيه حمض بس.. وخلاه نصف أعمى"...!

على كل حال.. حسم "مراد" الأمر، وبعدما ساب ابنه فترة يتألم ويتعذب مدة.. وشعر أنه انتقم بما يكفي.. أرسل له في منفاه في بورصة رجل من الإنكشارية، قتله خنقًا بخيط حريري.. دي برضه طريقة قتل محببة.. حتبقى سُنة في "آل عثمان".

وكان في الأناضول في إمارة إسلامية كانت خاضعة من قبل للإمبراطورية البيزنطية.. اسمها "إمارة القرمان".. وكان أميرها "علاء الدين بن علي".. حاسس إن العثمانيين حيهاجموا بلده لا محاله.. فبدأ يكون حلف من الإمارات التركمانية المحيطة.. عشان يتصدى للعثمانيين.. وبينجح بالفعل.. لدرجة أنه قرر يضربهم في ضربة استباقية.. فلما عرف "مراد".. دفع لـ"علاء الدين" بابنته "نفيسة".. عشان يتزوجها وتهدأ الأمور بينهم.. إلى حين.

"مراد" بدأ بعدها يغري أمراء البلدات التركمانية حول "علاء الدين" فانضموا للعثمانيين.. وبعدها طلب "مراد" من "علاء الدين" إنه يخضع له.. وتصبح القرمان إمارة تابعة للعثمانيين.. فرفض "علاء الدين".. وقال له أنه مش حيسمح أن أولاد القرمان يتاخد خمسهم كل عام ويبقوا عبيد.. ففكره "مراد" أنه جوز بنته.. ولازم يطيعه.. لكن "علاء الدين" قال له إن مصاهرتهم مش حتعني أنه يتخلى عن بلاده مهما كان الثمن.

وهنا مبيبقاش في مفر إلا الحرب.. بيجيب "مراد" قوات مرتزقة من صربيا.. على شوية من اليونان ومقدونيا.. وبيقول لهم يدخلوا القرمان.. وينهبوا فيها ويغتنموا منها ما يشاؤون.

وبالفعل بيحدث دا.. وبينهزم "علاء الدين".. وبتدخل القوات الصربية المختلطة دي تنهب المدينة.. فبيبرز "مراد" بغتة.. وبيعلن رفضه للي بيحصل.. وبيدفع بقوات الإنكشارية تقبض على الصرب.. و.. وبيعدمهم جميعًا!

وهنا بيشعر أهل القرمان أنه منقذهم وأنه رجل صالح.. وأمام الضغوط.. بيخضع له "علاء الدين بن علي".. وبيدخل "مراد" عاصمة القرمان.. اللي نعرفها اليوم باسمها المميز...

أنقرة.

وبيرجع "مراد" لتوسعه ناحية أوروبا.. وبينتهز فرصة صراع ملوكها وأمرائها على العروش.. وبياخد سالونيك وتساليا.. وبيبدأ يحارب الصرب.

"مراد" تودد لدولة المماليك في مصر.. وأعلن على الملأ أنهم زعماء العالم الإسلامي.. واقر بسلطتهم السياسية.. وقال صراحة أن دور العثمانيين هو فقط "البكوات الذين يحافظون على حدود ديار الإسلام".. زي ما ذكر المؤرخ "محمد سهيل طقوش" في كتابه تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشَّام ".. بيروت - لُبنان: دار النفائس. صفحة 399 - 400.

وكان الصرب بدأوا يخرجوا لقتال العثمانين بسبب التهديد الدائم منهم.. وبدأوا ينتصروا عليهم في عدة مواطن بالفعل.. ودا بسبب أن الجيش العثماني بقيادة "شاهين بك" اتقسم على نفسه.. وخرج نصفه تقريبًا عن طاعة القيادة.. وانشغلوا بنهب القرى والبلدات المحيطة.. فانقض القيصر الصربي "لازار بلينانوفييتش" على الجيش العثمانة في هجمة ساحقة.. ودمر أكتر من 60% من قواته في "معركة بلوتشنيك Battle of Pločnik".

الصرب أثبتوا أن العثمانيين يمكن هزيمتهم.. ودا بدأ يوغر صدور أمراء بلاد كتير تابعة للعثمانيين بالتفكير في التمرد.. فقرر "مراد" هزيمة الصرب مهما كان الثمن.

وفي كوسوفو.. في 15 يونيو سنة 1389.. بيلتقي الجيش العثماني بقيادة "مراد" وولديه "يعقوب" و"بايزيد"، أمام الجيش الصربي بقيادة القيصر "لازار" وصهره ""فوك برانكوفيتش".. وضغط "لازار" على جبهة "يعقوب" بعنف وشراسة.. مما اضطرهم للتراجع.. وسادت الفوضى بين قوات الإنكشارية.. وكاد الصرب ينتصروا.. لولا حدث فجأة شيء غريب.

صهر "لازار" نفّذ اللي اتفق عليه مع "مراد" سرًا وقبض ثمنه.. فانسحب من جوار القيصر بعشرة آلاف جندي.. وانضم للعثمانيين!

وانتصر العثمانيين المرة دي.. واتأسر القيصر "لازار".. في موقعة كوسوفو.. اللي بيسموها "معركة قوصوه".

وبعد النصر.. وبينما "مراد" بيتفقد جثث القتلى في زهو وخيلاء.. وسط رجاله من الإنكشارية.. بينهض فجأة جندي صربي ملوث بالدم.. كان بيتظاهر بالموت.. وبينقض علي "مراد" بغتة ويبقر بطنه بخنجره.. قبل ما يلقي حتفه.. تحت سيوف الإنكشارية.

الجندي دا اسمه "ميلوش كوبلوفيتش" ولازال اسمه مخلد كبطل شعبي في تاريخ الصرب.. لحد يومنا هذا.

بيحاول ينقذوا "مراد" لكن مابينفعش.. وقيل أن الخنجر الصربي كان مسموم.. فلقى مصرعه بدوره في العام نفسه.. وترك ولدين يصلحوا للحكم.. "يعقوب بك" و"بايزيد بك".

أول عمل بيقوم به "بايزيد" قبل دفن أبوه.. هو أنه دفع رشوة لبعض العسكر العثمانيين.. فانقضوا على "يعقوب".. وقتلوه خنقًا بخيط حريري برضه.. وبكده مبقاش غير "بايزيد" صالح للحكم.. الحركة دي خلت جنود ينقلبوا على "بايزيد" لأن "يعقوب" كان قائدهم.. فأطلق عليهم الإنكشارية.. فخضعوا له في النهاية.

في مؤرخين دونوا أن "بايزيد" استعان فتوى من مشايخ الدولة العثمانية قبل قتل أخوه.. لأن حياة أخوه حتفتن الناس وتعمل فتنة في موضوع الحكم.. فقالوا له "الفتنة أشد من القتل".. يبقى القتل أحسن.. فاتكل على الله وشيّع أخوه ع القرافة.

بيتولى "بايزيد الأول" الحكم.. في العام 1389.. وبيسمى نفسه:

"صاعقة الإسلام (!) سلطان إقليم الروم الغازي جلال الدين يلدرم بايزيد خان الأول بن مراد بن أورخان العثماني"...!!!

وكان الأخ "صاعقة الإسلام" دا مدمن خمور وحشاش.. فجاب المشايخ اللي أفتوا له بقتل أخيه.. فافتوا له بأن الخمر والحشيش حلال للسلطان لأنها حاجات بتسمو بالروح وتخليه ينبسط.. ولما ينبسط يعرف يفكر ويخطط ويسعد الرعية ويرعي شؤون الدين!

وفي عهد "بايزيد الأول" بتتطور الأمور تطور كبير.. خاصة مع ظهور ملك مغولي.. كان بيحتقر العثمانيين.. وشايف انهم مفروض يكونوا تابعين له.

والملك المغولي دا كان اسمه "تيمورلنك".. وقصته مع "بايزيد" تطول.. فنكمل كلام عنها لاحقًا.

ويبقى للحديث.. بقية.

----------

منشورات سابقة

----------

1 - http://bit.ly/32Q5W4t

2 - http://bit.ly/2SJESze

3 - http://bit.ly/2YmsINT

4 - http://bit.ly/2KekUZo

5 - http://bit.ly/31c7XWU

6 - http://bit.ly/2Zv9iaL

7 - http://bit.ly/2GNIyee

8 - http://bit.ly/2ZgkHP0

9 - http://bit.ly/2NkRT1r

10 - http://bit.ly/2ZcLSeq

11 - http://bit.ly/2U4pQVd

12 - http://bit.ly/2ZilSOL

#الخلافة_العثمانية 13

---------

الصورة عن لوحة لمعركة كوسوفو.