الحلقة قبل الأخيرة من موضوع أدب الخيال العلمي.. وتكنيك آخر شهير هو "النهاية الغير متوقعة".. أو زي ما بيسموها في المطبخ "التويست".

تقريبًا محدش مشافش فيلم "قاتل الأحجية Saw".. فيه مهندس الميكانيكا العبقري اللي بيخسر طفله وحبيبته وبيكتئب فبيصاب بالسرطان.. فبينزلق من حافة العبقرية إلى الجنون.. وبيبدأ يقتل.. بيضع ضحاياه دايمًا في "لغز Jigsaw" زي البازل. لو الضحية حلت اللغز تقدر تفك الفخ المعقد اللي صنعه وتنجو وتبقى روحها تطهرت بفضل الرعب والضغط العصبي اللي تعرضت له.. ولو مقدرتش بتموت.

في الجزء الأول بيتضح أن الجثة الملقاة في الحمام طيلة الفيلم هي القاتل نفسه "جون كريمر John Kramer".. مع مكياج معقد ومخدر بسيط قدر يمثل دور الجثة طوال الوقت بلا حراك.. وهو اللي حرك كل القتلة الآخرين. في أول 3 أجزاء من السلسلة بيبقى "كريمر" بالنسبة لنا مجرم كريه.. لكن في الجزء الرابع بتحصل حاجة بتقلب مسار الأحداث.

"جون كريمر" في حقيقة الأمر بينتقي ضحاياه بعناية.. مغتـصب أطـفال.. قـوادة بتخدم المغتـصب ده.. زوج بيعـذب زوجته.. شرطي فاسد اتسبب في شـنـق أبرياء.. طبيب صدم طفلة بسيارة تركها تموت وهرب.. قاضي مرتشي.. دا "تويست" في منتصف الأحداث بيخليك تتعاطف مع "جون كريمر" إلى حد ما.. الرجل مش بالسوء دا.. بالعكس دا ممكن نشجعه.. "جون كريمر" بيلعب على مخاوفنا جميعًا.. لو متحرش اغتصب طفلتي.. ممكن أتمنى يحصل فيه إيه؟ لو قاضي اتسبب في شنق زوجي البريء مقابل رشوة.. وهكذا.

بعد وفاة "جون كريمر" بتستمر جرائمه بذات أسلوبه.. دي "تويست" تانية.. الشرطي اللي كان بيطارد "كريمر" نفسه صار هو القاتل الجديد.. كان بيطارد "كريمر" ويكرهه بجنون لكنه في مرحلة ما، مع ما توفر لديه من معلومات حول الضحايا.. بدأ يعجب به فينبهر فيفتتن.. لحد ما اختطفه أحدهم ذات يوم.. واستيقظ في قبو ليجد نفسه أمام "كريمر" وجهًا لوجه.. وهنا.. بتتغير حياة رجل الشرطة ويطلب من "كريمر" أنه يصير أستاذه.

"كريمر" هنا كذلك بيقدم تقنية اسمها الإسقاط.. في عقل وعقيدة الكاتب فـ"جون كريمر" مش قاتل من الأصل.. هو بيرمز للإله.. اللي بيضعنا في اختبار تلو الآخر، عشان ارواجنا تتطهر ونصير اقوى.. ولو فشلنا.. ذهبنا ذهاب قاس أليم وضيعنا من نحب.

تكنيك الإسقاط لازم يتعمل بفن وذكاء.. يعني متجيبليش رجل بيرتدي بزة عسكرية وبيحمل مدفع آلي تحت علم دولته.. وتقولي "دا إسقاط لأنه ضابط جيش".. أكيد بالطبع هو كده مش سمكري...

في افلام مارفل حتلاقي دايما العلم الأميركي في مكان ما.. دا إسقاط معين لأنه "دي بلد الأبطال الخارقين التي لا تنهزم".. هو بيزرع دا في عقول المشاهدين والقراء.

الإسقاط ابن علم النفس، حيلة لا شعورية من حيل الدفاع.. بيلقي بمقتضاها الشخص عيوبه ونقائصه ورغباته على شخص آخر. فكر في الزوج الخائن اللي طول الوقت بيشك في مراته وهي معملتش حاجة.. والحـرامي اللي بيكلمك عن "كل الناس حرامية وكله بيسرق".. الزوج القاسي اللي بيتهم زوجته طيلة الوقت أنها عديمة المشاعر. باختصار هو ملخص المثل العربي "رمتني بدائها وانسلت".

الشخص اللي بيتم الإسقاط عليه غالبًا بيبقى بريء من اللي بيتهم به.

في الأدب القصة مبتختلفش كتير.. الافنجرز الخارقين والعلم الأمريكي.. أوك.. أمريكا خسرت كل الحروب اللي دخلتها تاريخيًا.. ومجتمعها هش مفكك قاسي.. ومفيهوش ابطال خارقين.. ومفيهوش سهرات الجمعة اللطيفة.. في ساقية حتفضل تدور فيها كالثيران لحد ما تلاقي نفسك في الثمانين وماستمتعتش بأي حياة.

من عملية الإسقاطات الشهيرة بيكون الإسقاط الجنسي.. بتلاقي الكاتب حاطط لك في الرواية ما يسيل له لعابه في الغرف المغلقة! من النماذج دي روايات زي "شيكاغو" و"يعقوبيان". لازم تخلي بالك من الحتة دي.. لأن اللي بيثير شهيتك ممكن يبقى بالنسبة لي منفر والعكس.. العملية الجنسية أصلا في جوهرها "مشاعر".. وليست ممارسة بين ضفادع شجر من أجل ارواء شهوة أو بغرض التكاثر.. لو حابب تتكلم عنها أوصف المشاعر.. دا راقي وكافي.

في عملية جنسية وحمل كاملين موصوفين في 3 كلمات في الآية الكريمة "فلما تغشّاها حملت".. الأسلوب دا قوي جدًا.. لو عايز تستطرد فيه في "المشاعر" لا مانع.. بس متدخلنيش غرفة نومك أشوفك بتتمنى يحصل ايه لو انفردت بأنثى.

الإسقاط مش لازم يغلف الرواية كلها زي "أولاد حارتنا".. أو "قاتل الأحجية".. ممكن يختفي ويبرز للسطح من حين لآخر.. المرحوم "محمود عبد العزيز" في "جبل الحلال".. كان في لحظات كتير بيتحول لإسقاط على مصر نفسها.. خاصة في صراعه مع "كين جدعون".. تاجر السلاح المستتر في شكل مستثمر.. اللي واضح من اسمه هو من أي بلد بالضبط.

دا يقودنا لتقنية أخرى، هي التقمص.. عشان تكتب كويس لازم تتقمص الشخصية اللي بتكتبها كويس.. اقرا شوية حول الموضوع.. "آكلي لحوم البشر Cannibals" في قصتك مش ضروري يكونوا بأنياب واللعاب بيسيل من اشداقهم.. الحقيقة مع دراسات العلماء، الكانيبال بيبقى شخص مهذب جدًا وراقي وصاحب إيتيكيت وبيمارس الاحتواء بمهارة شديدة.. لحد ما ينفرد بيك ويعملك كوردن بلو. أقرب مثال للكانيبال الحقيقي هو د. "هانيبال ليكتر Hannibal Lecter" في سلسلة "صمت الحملان".

مينفعش البطل يبقى واقف بيواجه دبابة فيرفع الآر بي جي ويهتف "حياتي من أجل ماعرفش مين".. دا مابيحصلش ومش حيحصل ومبتذل.. اللي بيدور في أعماقه بيبقى أقيم وأثمن بكتير.. وقلبه بيخفق، والزمن بيتباطأ بالنسبة له، وقطرة عرق بتتسلل على جبينه، الذكريات اللي بيمر بيها والأحاسيس اللي بيحسها وأصبعه بيجذب الزناد.. كل دا ممكن توصفه.

لحظة الفراق.. محدش بيقف فيها يقول لحبيبته "سوف يأتي يوم ونتذكر ذلك الغروب الدامي كعباءة من الحرير الأرجواني الملطخ بالـ..."... بتبقى لحظة صمت أليمة قاتلة مروعة.. بس اللي بيدور في الأعماق.. المشاعر.. بتبقى قيمة جدًا وثمينة.. وصفها أفضل من كلمات منطوقة مش حتعبر أبدًا عن الحقيقة.

التكرار تقنية بتخليك تخدع القاريء أو تمارس عليه الإيهام ويصدق دا بمزاجه، لأن بقية محتواك قوي.. أو مالوش بديل أو انت محتكره.. عشان تعمل دا لازم تكون كاتب شهير وقوي جدًا.. "سوبرمان".. بيتنكر في هيئة "كلارك كنت" الصحفي البريء بأنه يلبس نضارة! طبعًا دا عبط.. ولو كتبته في كتاب القراء حتيجي حفل التوقيع تطلق عليك النار. لكن شركة "دي سي كوميكس" الهائلة تقدر تعمله بلا وجل.. وتكرره كتير لحد ما يتعلم عقلك تلقائيا يتجاوزه.

طبعا دا بيبهت ويضعف لما يظهر لك منافس مبيمارسش الإيهام الساذج بالتكرار.. افلام الرجل العنكبوت في شباك التذاكر بقت بتهزم افلام "سوبرمان".

تقنية التتابع من التقنيات المهمة جدًا لو روايتك طويلة أو على أجزاء.. ماينفعش في الجزء الأول من روايتي يبقى الشيطان اسمه "لوسيفر" وفي الجزء التاني أنسى واسميه "عباس" مثلا.. "مارفل" بتعمل الحركة دي بعبقرية.. في على دا أمثلة كتير.. بس من اقوى الكتاب اللي بيعملوا التقنية دي بشطارة كتّاب "مارفل" كذلك.

لما المارد الكوني "ثانوس" هزم "العملاق الأخضر" و"ثور".. قال للأخير أنه عارف معنى الهزيمة كويس.. إزاي بتبقى عارف أنك صح وبتعمل الشيء الصحيح ورغم ذلك بتتهزم بينما أنت جدير بالنجاح.. إحساس قاتل بيحول ساقي أقوى الرجال إلى هلام.. يعني مبتبقاش رجليه قادرة تشيله.

في الجزء الأخير لما الرجل الحديدي انتزع أحجار الأبدية من "ثانوس" واستخدمها.. وادرك "ثانوس" أنه انهزم.. أول شيء عمله "ثانوس" هو أنه مشي بعرج ملحوظ وخطوات كسيحة، ثم جلس على أقرب صخرة.

في تقنية اسمها الرنجة الحمراء. المهربين الروس كانوا بيحملوا معاهم شحنة رنجة حمراء معتقة، ولو طاردتهم دوريات الثلوج، بيبدأوا يرموا الرنجة دي في أماكن متفرقة اثناء هروبهم.. ودا كان بيعطل حاسة الشم عند الكلاب المدربة لتقفي الاثر، وتخليهم يقتفوا اثر الرنجة نفسها أو ميصلوش لرائحة اللي بيطاردوهم.

التقنية دي في الرواية بموجبها أنت بتزرعلي خيوط مضللة تخليني طوال الوقت اشك في شخص معين.. هو دا القاتل.. وبعدين في النهاية يطلع مش هو.. التقنية دي استخدمت ببراعة في "فيلم lucky number Slevin".. الضحية اللي الكل بيطاردها وكل شوية حد يضربه هو القاتل نفسه.. وهو اللي دبر دا بنفسه لنفسه عشان يوصل لشخص بعينه.

المرة الجاية نقفل حلقات الخيال العلمي دي ونقدملها أمثلة وافية.. وساعتها بإذن الله يبقى للحديث.. ختام.

----

منشورات سابقة:

1 - http://bit.ly/37mROUA

2 - http://bit.ly/3p578eB

3 - http://bit.ly/2KAOJXM

4 - http://bit.ly/37vkqLc

5 - http://bit.ly/3mNMH4h

6 - http://bit.ly/2KWZ0y2

فيديو للنهاية غير المتوقعة:

https://youtu.be/fJyvVMgl-p0

فيديو ثانوس:

https://youtu.be/TWB31WFomz4?t=84