الحلقة الأخيرة من موضوع أدب الخيال العلمي.. عرفنا الحلقات السابقة التيمات والتقنيات، وآن الأوان نعرف الأسرار السريعة للصنعة.
- افتكر دايمًا أن الخيال العلمي متعلق "بالأفكار".. بتيجي الفكرة، ثم بعدها يأتي العلم مش العكس.. ممكن تكتب رواية طويلة عريضة عن تصنيع كمبيوتر كوانتم.. بس فين الفكرة؟ الرواية حتبقى أقرب لمقال أو حصة فيزياء. أوعى تخلي "العلم" يلتهم الرواية.
لازم الفكرة اللي بتكتبها تكون "جيدة".. مش أي حاجة "تبدو" خيال علمي وخلاص.. في كتّاب خيال علمي حاولوا يقلدوا نبيل فاروق.. فلجأوا لحاجة اسمها بين الكتّاب "الطبخة". الطبخة دي أدت لأنهم ماتوا قبل أن يولدوا.. ومحدش فاكرهم النهاردة.
"الطبخة" باختصار.. هي "عايزين فكرة خيالية.. شوية مسدسات ليزر وفضائيين.. قصة حب بقى في النص وصراع.. هايل يا فنان.. بقى عندك رواية خيال علمي لا تصلح لأي شيء إلا أنها تترمي في أقرب صفيحة قمامة. ابعد عن طريقة المقاولات و"الطبخات".
- حدد شخصياتك بدقة واعرف طباعها وأساليبها.. وابعد عن القولبة.. القولبة غباء حقيقي بيقتل الإبداع والمشاعر اللي المفروض تتدفق وأنت بتكتب.
يعني لو بتكتب عن قاتل محترف.. فهو مش لازم يكون بيسير في الطرقات بزجاجة خمر وماسك عتلة حديدية.. ممكن يكون بروفسيور جامعي.. ممكن يكون سيدة رقيقة للغاية. دا اللي بيحصل في الواقع.. الحياة كده.
ابعد عن فكرة أن "دا في الموقف دا لازم حيتصرف كده".. البشر أكثر مخلوق لا يمكن التنبوء بتصرفاتهم وأفكارهم في الكون.
تخيل لو جيت قلتلك "اسأل خبير.. عشان بطل رواية قصتك والده توفى.. اعرف المفروض يحس بإيه.. وأكتب ده". الخبير حيقولك "دا حيمر بمرحلة حزن واكتئاب وقلق.. وممكن يصاب باضطراب ما بعد الصدمة بأعراضه.. مستوى ذكائه حينخفض وقتيًا.. ويبدأ يتصرف بعشوائية.. قدرته على التحصيل حتقل وإلخ".
الحقيقة أن اللي مكتوب دا ممكن يقولهولك أي أمين شرطة أو بقال، بلا مصطلحات مقعرة.. بس يا ترى كل البشر بيحصل لها دا؟ بالقطع لا.
ممكن تسأل خبير فيكلمك عن مسببات السعادة.. الحقيقة دا لامنطقي تمامًا. اللي يسعدني في الإسكندرية مش هو نفسه اللي بيسعد ساكن نيويورك.. ولا اللي يسعدنا معًا هو اللي حيسعد ساكن بكين أو موسكو. اللي حيسعدني في الإسكندرية مش ضروري يسعد جاري في الشقة المجاورة! صح؟
البشر مبيتحطوش في قالب.. لو حطيتهم في قالب حتلاقي قصتك غدت رتيبة مملة بلا روح. مفيش معايير ومفيش حاجة تقدر تقراهم منها بدقة بالغة كأنهم تحت ميكروسكوب.. "رشدي أباظة" القاتل المحترف ومهرب العملة والمجوهرات الشهير اللي دوخ رجال الشرطة في "الرجل الثاني".. لما عرف بخيانة "سمرا" حبيبته.. ابتسم.. دا رد فعل غير متوقع من ملك العصابات. نفس رجل العصابات الرهيب قليل الكلام اللي مبيحكيش أي سر لأي مخلوق.. اتضح أن أسراره كلها مع "طنط كيما" خالته.
"سمرا" نفسها، كان يفترض انها تعاني اضطراب ما بعد الصدمة بعد موت طفلتها.. لكن دا محصلش.. وقررت الانتقام مباشرة.. دا ممكن يحصل في الواقع وله قضايا حقيقية في ملفات الطب الشرعي.
في فيلم "في الوقت المناسب In time".. البطل أمه بتموت بين ذراعيه.. فبينطلق إلى مدينة أخرى يتعرف على فتاة ويلعب قمار بمنتهى الثبات والهدوء.. دا "خارج القالب" وله أمثلة كتير في عالم الواقع.
أنت بتحكي عن "بطل قصتك".. مش عم عبده البقال التقليدي النمطي.. فخد في اعتبارك "الفردية Individuality".
- رتب مراحل تطور الشخصية.. "جون ويك" هجمت عليه عصابة بلطجية وقتلت كلبه.. بيتضح أن البلطجية دول تابعين لعصابة كبرى.. فانطلق كوحش كاسر يهجم على مقرات العصابة ويقتلهم واحدًا تلو الآخر.. السر هنا أن "جون ويك" كان "قاتل محترف متقاعد".. الشخصية تطورت من الذروة.. العمل في مجال القتل.. إلى الكمون.. التقاعد.. ثم تطورت للذروة ثانية...
الرجل العادي الطيب اللي الكل بيضغط عليه.. زوجته النكدة الشرسة.. مديره.. موظف البنك.. رئيس الجريدة اللي بيشتغل فيها.. المجتمع.. بيصدم ذئب بسيارته.. ولما بينزل يتفقده، الذئب بيعضه ويفر.. فبيبدأ يتحول لذئب بشري.. مذؤوب.. والمجتمع يشوف منه وجه آخر مخيف.. مراحل تطور الشخصية هنا واضحة ومدروسة.
ماذا عن إبليس؟ العابد الزاهد الورع اللي مفيش في الكون كله في علمه وورعه لدرجه أنه اعتلى القمة.. رفض وعصى وهوى إلى الحضيض.. مراحل تطور أخرى واضحة تمامًا.
- اخلق عالم مثير.. لو اتفرجت على فيلم زي "غيبوبة Coma" حتلاقي القصة بتدور في مستشفي.. دي حاجة مفيهاش أي إثارة من أي نوع.. لولا أن "مايكل كرايتون" خلق عالم جوا المستشفي.. لاعب الرجبي القوي اللي تمزق غضروفه وحكى قصته وبيخاف من الإبر ومش عايز يركب الكانيولا.. طالب الطب اللي بيتدرب وبيحب "سوزان" المتدربة بدورها.. معاملة "سوزان" الجافة وشكواها لمدير المستشفي منه ومصارحتها له بشكوكها عن أن في عمل إجرامي بيحصل في المكان.. ابتعاد حبيبها اليائس.. وييتضح أن مصدر سرها الوحيد وأستاذها كان هو القاتل.. "د. ستارك" نفسه.. بعدما أنقذ حبيبها اللي بتضايقه طيلة الوقت حياتها.
- العالم اللي حتخلقه لازم قواعده تبقى متجانسة.. في روايات خيال علمي فشلت فشل ذريع بسبب غياب التجانس دا.. يعني مينفعش مثلا "العملاق الأخضر" ميقدرش يرفع سيارة.. هو يقدر يرفع دبابة.. دي قواعد عالمه ومتجانسة تمامًا.
من قصص الخيال العلمي الرائعة كان قصة اسمها "سفينة حربية Battleship".. عن فضائيين نزلوا في الولايات المتحدة في البحر.. وحاوطوا المنطقة بغلاف كهرومغناطيسي قوي.. وبدأوا يقتنصوا سفن الأسطول.. في الآن نفسه كانت الإشارات اللاسلكية بتعدي عبر الغلاف الكهرومغناطيسي دا عادي.. وفي الوقت نفسه البطل بيتصل بحبيبته لا سلكيًا.. بس عاجز عن الاتصال بحاملة طائرات واقفة على حافة الغلاف الكهرومغناطيسي.. الرواية اتحولت لفيلم والفيلم فشل.. رغم أنها فعلا لو اتصلحت الأخطاء دي تبقى رواية كويسة. في رأي نقدي شايف أن الفيلم فشل لأنه نزل في نفس توقيت عرض فيلم "افنجرز - عصر ألترون".
- رواية الخيال العلمي الجيدة لازم تثير التساؤل وتشحذ خيال القاريء.. يعني يقف عند مواقفها ويقفل الكتاب ويتخيل قليلًا.. وينطلق بخياله وينبهر ويرجعلك.. لازم تطلق حلمه من عقاله.. أنه يشوف تكنولوجي مبهرة ويقابل آليين أذكياء وفضائيين عاقلين.. لازم الوصف يبقى مبهر.
في رواية "شكل الماء Shape of the water".. البطلة حبت كائن بحري اشبه بالبشر.. اسير في معمل بيتم تعذيبه ومحاولة استكشافه.. هو كمان حبها واطمأن لها.. بتهربه وتضمد جراحه وتعيد له قوته.. وبعد مطاردة عنيفة من السلطات.. بتترك عالمها وتقرر الغوص معه إلى الأعماق.. القاريء هنا بيتساءل.. يا ترى حصل ايه وعاشت ازاي؟ لما الرواية اتعملت فيلم حلوا المعضلة دي بأنه الكائن نقل لها جزء من دمه فظهر لها خياشيم.. دا أفقد الموقف سحره.. الرواية كانت أفضل.
في قصة "المتمردة" - كتبت عنها مرة هنا - المدرعة المتمردة القوية ذات الذكاء الصناعي الخارق بتقتل صانعها بسبب خلل تقني فيها.. وبتنتهي القصة وهي رابضة على سطح القمر بترمق الأرض في حنين بالغ مستنية صانعها يرجع لها.. يا ترى حصل إيه بعد ذلك؟
- في وصف رواية الخيال العلمي أنت أحيانًا بتكلم القاريء عن عالم مش موجود أساسًا.. فلازم يتعرف ملمس ذلك العالم.. يسمع اصواته ويشم رائحته.. أيوه الحاجات دي ممكن تتجاوز نطاق عالمنا.. بس قربها له.. متقولهوش "زهرة زرقاء تشع جوانبها" وتسيبه يضرب أخماس في أسداس.. حيسيب الكتاب ومش حيقرالك تاني أبدًا.
لازم تدخله جوا العالم ويحس أنه فيه وجزء منه. الوصف طبعًا حيبقى محدود لو عمل الخيال العلمي "قصة قصيرة".
- احكم الذروة.. ذروة القاتل اللي بعد ما يتضرب بالنار في رأسه بيقوم يمسك ساق البطل دي تصلح لفيلم كوميدي زي "بطل من ورق" ماتصلحش لرواية خيال علمي.. افتكر في الحلقة اللي فاتت الذروة والتويست في فيلم "قاتل الأحجية Saw" ومدى روعتها...
- خلي دايما النهاية تطلق العنان للخيال.. حتى لو مش مفتوحة.. بس القاريء يتساءل.. ومع تساؤله يبدأ يرجع لك مرة تانية عشان يقرالك تاني.
أتمنى كده نكون غطينا الموضوع بكامله.. الحلقات دي مش حتخليك "جول فيرن" فجأة طبعًا.. بس آمل أنها تكون فتحت لك البوابة العظمى لذلك العالم الغامض...
أتمنى فعلًا أني أشوف كتاب خيال علمي جدد.. ويزدهر الأدب دا في عالمنا العربي.. لأن النوع دا من الأدب هو دايمًا أول الطريق للعلم.
------
- المنشورات السابقة:
1 - http://bit.ly/37mROUA
2 - http://bit.ly/3p578eB
3 - http://bit.ly/2KAOJXM
4 - http://bit.ly/37vkqLc
5 - http://bit.ly/3mNMH4h
6 - http://bit.ly/2KWZ0y2
7 - http://bit.ly/39KsaZH