نكمل لسه مع سلسلة الخيال العلمي، اللي ناس كتير مش عارفة هي خلصت وللا مخلصتش ولا يشغلها.. كلنا بنحب الجمبري.. بس قليلين مننا اللي مهتمين بطريقة طبخه.
واحنا بتكلم عن الخيال العلمي بالذات، حنجيب أمثلة من أنواع روايات لا تمت للأدب دا بصلة. بس بتحمل برضه تقنيات مهمة لازم نعرفها في بنيان الرواية.
الرواية الكلاسيكية لازم يكون لها بداية ووسط ونهاية.. ولازم شخصياتها تبدأ تتضح للقاريء ومشاعره تتحدد تجاهها.. لازم في الأول لو حنتكلم عن قاتل، تخليني أتعاطف مع الضحية.. لو عايز تخليني أكره القاتل لازم تعمل دا في البداية.
- "الشرير Villain" مش هو الشخصية اللي بتربي عقارب وتضحك ضحكات متقطعة شريرة، وفي آخر القصة لما يغلبوا فيه يسمعوه صدفة وهو بيقول لنفسه "الأغبباء.. لسه ماعرفوش إني مخبي المخدرات في كذا".. أو "هاهاها.. ميعرفوش أني كائن خارق للطبيعة وعفريت متنكر وإني ممكن أموت لو عملوا كذا وكذا".. دا ساذج لدرجة تثير الغثيان...
من عالم الخيال العلمي اللي شخصياته الشريرة بالسذاجة دي، عالم"باتمان".. رغم أن باتمان هو اقرب شخصيات العلمي اللي ممكن توجد على أرض الواقع. شخص يجيد القتال وثري بما يكفي لاقتناء تقنيات متطورة قابلة للتنفيذ، زي العربة المسلحة المصفحة.
- سرد الرواية لازم يكون محكم.. سواء راوي الرواية هو "أحد أبطالها First Person".. زي قصة "د. جيكل ومستر هايد".. والنوع دا فيه عيب، هو أنك عارف أنه في أغلب المواقف الخطيرة أو الصعبة.. الراوي مش حيموت.. هو اللي بيحكي.. يعني تجاوز الموقف دا عشان يحكيه. الراوي دا ممكن يموت في نهاية القصة أو بعد معظم أحداثها ويلتقط الخيط منه راوي آخر.. أو يموت ويترك القصة في رسالة طويلة أو مذكرات أو وصية.. أو وثائق ما.
دي اسمها "الرواية الرسائلية Epistolary novel".. زي "لوسيفر".. اللي بتقص حكايتها برديات قديمة منسية.. كاتبها جمع محتواها من كل الأشخاص.. فهو راوي "كلي المعرفة".. كذلك الرواية الجميلة "أنتيكيثيرا" لـ"عمرو صلاح الدين Amr Salah ElDien".
مشكلة "عمرو" ككاتب روائي أنه بيكتب لقاريء معين بالذات.. يعني اسم رواياته نفسها محتاج تفسير.. يعني اسم الرواية دي بيشير إلي "آلية معقدة من التروس والميكانزمات مجهولة الوظيفة وجدها الرومان قبل الميلاد قرب سواحل جزيرة أنتيكتيرا اليونانية وقد تكون إرثًا من حضارة سابقة The Antikythera mechanism"..! الرواية اللي قبلها كان اسمها "إغدراسيل"... وهي "شجرة أسطورية عملاقة تربط العوالم التسعة في علم الكونيات النورسية.. ذكرت عن مصادر تاريخية في أشعار إيدا في القرن الثالث عشر"..!
لو دا اسم الرواية فلك أن تتخيل الأحداث نفسها. دا رغم صعوبته لكن مخليه متفرد بين الكتاب الجدد في ذلك النوع من الكتابة.. خاصة مع تمتعه بالموهبة ولغته السلسة. بس لاحظ هنا إني لو ماعرفش معنى "إغدراسيل".. مكنتش اقتنيت الرواية من الأصل.
- دي نقطة مهمة.. اسم روايتك مهم.. ميكونش معقد جدًا.. ولا ساذج أوي.. يعني متكتبش رواية خيال علمي اسمها "تحور الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين للفيروس القاتل".. ولا رواية رعب اسمها "البعبع المخيف خضني وانا طالعة ع السلم" مثلا.. الاسم لازم تنتقيه بما يناسب القاريء ومايحسش معه إنك بتتنطط عليه أو بتعامله باعتباره تافه.
- الراوي ممكن يكون الشرير نفسه.. زي ما قرينا لأجاثا كريستي في "مقتل روجر أكرويد The Murder of Roger Ackroyd" الرواي هنا هو القاتل.. طبيب الأسرة نفسه.. وزي المرحوم "عمر الشريف" في "من أجل امرأة".. وهو بيروي قصة جريمته شبه الكاملة على فراش الموت.
- في كذلك الراوي "كلي المعرفة omniscient narrator".. ودا قد يكون الكاتب نفسه زي معظم أعمال الراحل "د. نبيل فاروق"، أو شخص أنت مبتعرفهوش غالبًا إلا في نهاية الرواية.. زي التحفة الخالدة لـ"مايكل كوني Michael Cooney" اللي اتعملت فيلم بنفس اسمها في 2003.. "هوية Identity".. عن مجموعة مبيربطهاش اي شيء سوى تاريخ ميلادها.. اتجمعت بصدف بحتة منفصلة في موتيل بعيد محاصر بسبب إعصار.. وهناك بدأوا يموتوا واحدًا تلو الآخر حسب ترتيب أرقام الغرف.
الفيلم دا كذلك مكتوب بحتة صغيرة من أسلوب "سكرين شوت".. تقنية النانو الأدبية.. لو دورت وشك عن الفيلم دقيقة في أي لحظة.. حتحس بشيء ناقص مفقود.
- هناك الرواية "متعددة الرواة".. هنا مثلا بتتقسم الرواية لثلاثة أجزاء.. الضحية بيروي قصته لحد ما يموت.. وبعدين بيحكي القاتل إزاي ارتكب جريمته مثلا.. وبعدين رجل الأمن بيقول ازاي توصل للحقيقة... الرواية متعددة الرواة خرج من عباءتها "الرواية ذت السرد غير المنتظم".. أنت بتتفرج على مشهد في بار.. وراقصة بتتمايل على المسرح.. ورجل بيلقي كوب في الأرض في غضب، وبعدين بيقوم بطل المشهد وينصرف وتطارده عصابة.. بعد بضعة فصول.. بتبدأ ترجع وتتعرف قصة جديدة في صلب الأحداث، وليه الرجل في البار رمي الكوب على الأرض غاضبًا.. وإيه قصته.. من النص بترجع للأول ومن الآخر بتروح للنص.. والخ.. من النماذج الشهيرة للروايات دي فيلم الأكشن بجزأيه "مدينة الخطيئة Sin city".
- معمار الرواية لو مش متناسق قوي سليم البنيان.. القاريء إما حينام منك وتفقده ومايفهمش حاجة، وإما مش حيكمل الرواية من الأصل. من القصص سليمة المعمار في عالم الرعب كانت روايتي الكاتب "أحمد مجدي جلال
Ahmed Magdy Galal
".. "إرث أوزوريس" و"كفر حارس".. شيل صفحة من اي رواية منهما.. حتلاقي نفسك مافهمتش معظم الأحداث اللاحقة.
من نماذج المعمار المتميز في الرواية، رواية "زنج".. للكاتب "عمرو العروسي".. مشكلة "زنج" هي تقعرها الشديد في اللغة لدرجة أن الكاتب بيعمل هوامش عشان يوضح معاني الكلمات من المعجم.. للأسف دا أفقدها الكثير من سحرها.
افتكر وأنت بتكتب دايمًا وبتستخدم اللغة.. قصيدة "صوت صفير البلبل" ومأساتها. الخليفة "أبا جعفر المنصور" اراد أن يسخر من الشعراء، فعمل مكافأة لمن يتقدم له بقصيدة جديدة، هو أنه حيدفع وزن القصيدة ذهبًا...
راح أول شاعر وبدأ يلقي "يقول أبو سعدة الزناتي خليفة .... لما شكا من بعد طعن الديب".. فبدأ "أبو جعفر المنصور" ينهره.. إزاي يا حيوان جايلي بقصيدة قديمة.. وبدأ ينفذ خطته مع وزيره وجاريته.. فكرر البيت.. وبعده كرره الوزير، وبعدهما كررته الجارية.. وبدأ كل شاعر يشك في نفسه أن قصيدته قديمة فعلًا تسللت لعقله بشكل ما.. لحد ما عرفوا أن الخليفة بيسخر منهم.. فراحوا للأصمعي يشتكوه.
الأصمعي أمرهم يجهزوا 3 أحجار ضخمة مصقولة.. ويرجعوا بعد 3 ليالي.. ولما رجعوا للأصمعي.. أملى عليهم وأمرهم بنقش قصيدته السوداء "صوت صفير البلبل". طبعًا القصيدة صعبة فمحدش حفظ حاجة.. وكاد الأصمعي يستولي على كل ذهب القصر.. لولا تنازل عن ذلك مقابل أن الخليفة يرضي الشعراء اللي ضحك عليهم.
القصة بيتشكك فيها النقاد والمؤرخين لأن القصيدة هشة ضعيفة بعكس بنيان الأصمعي اللغوي والأدبي المعروف.. كمان الأصمعي كان من جلساء هارون الرشيد مش "أبو جعفر المنصور".. بس هي مثال جيد عامة للتقعر اللغوي والفذلكة النحوية.. الناس بتحفظ أبيات للمتنبي.. بس محدش حافظ "صوت صفير البلبل".
- مش مغرم بالأدب النسائي "الحالي" عامة.. وبعتبر معظم المتاح على الساحة ضرب من ضروب التخلف.. خاصة مع تلميع عالم الميديا والأدب لكتب زي الكتاب اللي بيحمل الاسم الشهير "ولاد الـ...." أو غيره لكاتبات أخريات، قد يكون أغلبهن من النوع النسوي الهيستيري، بتاع "لازم نعلق الرجل في النجفة ونغرس دبابيس ملتهبة تحت ضوافره لأنه قمع المرأة لقرون والخ".. وكاتبات موهبتهن في عالم الأدب تتلخص في أنهن من ذوات النهود الكبيرة، أو أن الكاتبة عاملة تاتو.. إلى آخر هذا الهراء.. بينما الكاتبة ذات الموهبة بتقابل باستخفاف واهمال.
لكن رغم كده في دايمًا بصيص أمل وزهور بتنبت وسط الأرض القفر.. من المعمار المبهر في فن الرواية والأدب النسائي عامة حاليًا.. كتاب "سكرين شوت" للكاتبة "براءة الجاسم Baraa Jassem".. الكتاب ممكن تقراه كقصص قصيرة منفصلة.. وتستمتع تمامًا.. لكن في نفس الوقت ممكن تقراه كرواية كاملة لها كل عناصرها.. ممكن تقرا جزء من فصل كموقف وتحس أن الموقف يكفي كقصة قصيرة متكاملة الأركان زي "نظرة" لـ"يوسف إدريس". القصة دي دقتها بتفوق المعمار العادي اللي أشرنا إليه.. شيل كلمة.. كلمة واحدة من السياق.. حتحس إن المعنى فقد بريقه أو أن في شيء ما ناقص.. كأنك بتهندس شفرة وراثية.. ممكن تقراه زي "مدينة الخطيئة".. من آخر مشهد.. وترجع تقرا أول قصة.. رغم بنيان العمل الرائع، رغم ذلك اللغة سلسة.
- من الكاتبات المثيرات للاهتمام في عالم الخيال العلمي، الكاتبة السورية "لينا كيلاني".. وهي بتكتب خيال علمي للأطفال كذلك، والكتابة للطفل من أصعب ضروب الكتابة عامة. الغريب أن سوريا بدأت تهتم كثيرًا بالخيال العلمي بعد الحرب.. عكس بقية العالم العربي اللي لا زال بيعتبره نوع ساذج من الأدب، رغم الارباح الرهيبة اللي بيدخلها للسينما العالمية.
- المعمار مهم جدًا في الرواية زي ما قلنا.. وفي قلب المعمار بتقع تقنيات أخرى.. زي "الإله من الآلة Deus ex machina" اللي اتكلمنا عنها من قبل.
التقنية دي ابتكرها قدماء المصريين أصلًا.. اللبؤة الرهيبة "سخمت" اللي سلطها "رع" تعاقب المصريين على السخرية منه.. بترفض أوامره بالتوقف بعدما ذاقت الدم، وبيضطروا يستعينوا برب العلم "توت"، اللي بيحوي عقله كل علوم وفنون وآداب الكون.. بيقدم لهم حل، حيحول لهم نهر النيل كله إلى بيرة، تشرب منها سخمت وتسكر ويسهل على "رع" الإمساك بها.. لكن إزاي يقنعوا "سخمت" تشرب من نهر البيرة؟ رب العلم والحكمة نفسه معندوش حل آخر.. مين حيبقى عنده؟ تعقدت الأمور و"سخمت" حتبيد أهل مصر عن بكرة أبيهم.
بيأتي الحل غير المتوقع.. "الإله من الآلة Deus ex machina".. الرب "ددون".. سيد البخور والألوان والأصباغ، وبيلون نهر البيرة دا بلون الدم.. فبيثير شهية سخمت وتشرب وتنام.
- اليونانيين رواد المسرح.. فعملوا التقنية دي على المسرح بطريقة مختلفة.. سلة فيها ممثل بتنزل من السقف بحبال باعتباره "زوس Zeus" كبير الآلهة.. أنت ارجع لمراتك.. وأنت أنسي خيانة صديقتك.. وأنت انهض من الموت.. الخ. دي تقنية "المدد الغيبي".. زي الآلي الخارق س18 في روايات المرحوم د. نبيل فاروق.. في الصورة المرفقة من قصة "نقطة الصفر".
التقنية دي لو استعملتها غلط حتبقى سخيفة والقاريء يحس أنك خدعته.. من الأدباء الناشئين البارعين في استخدام التقنية دي بأسلوب يجعلها مثيرة مباغتة متجددة، هو الكاتب الصاعد "محمد فخري Mohamed Fakhry".
ممكن المدد الغيبي يبقى بطل الرواية نفسه.. ودي عايزة حبكة صعبة شوية.. لكن في سلسة "رجل المستحيل" مثلًا.. المدد الغيبي لحبيبة عمره "منى توفيق" وزميله "حسام" في ثلاثية "لمسة الشر" و"الثعلب" و"خط المواجهة".. كان هو "أدهم صبري" نفسه.. اللي الجميع تصور أنه كان مات في "وكر الإرهاب".
من التقنية دي خرجت تقنية مختلفة قليلًا.. "تقنية جريفث للإنقاذ Griffith rescue technique". من تقنيات إنقاذ اللحظة الأخيرة.. "المنتقمون" على وشك الهزيمة من الشرير الكوني الخارق "ثانوس Thanos".. لكن بتظهر بغتة من العدم "كابتن مارفل" وتقلب مسار الأحداث. في "حديقة العصر الجوراسي الجزء الثالث Jurassic Park III" بتكاد الديناصورات المخلّقة معمليًا تفتك بهم.. لولا أن حبيبة "آلان" وزميلته السابقة، بتعمل اتصالاتها وبتدفع له في اللحظة الأخيرة بسلاحي الجو ومشاة البحرية.
- في كذلك "تقنية الاكتشاف".. البطل فجأة بيكتشف في نفسه حاجة مكانش يعرفها.. ودي تقنية كويسة في الأدب الرومانسي أو عالم القصة الواقعية.. البطل اكتشف فجأة أنه ثري مثلا.. وفي وصية باسمه.. لكنها من أضعف تقنيات الخيال العلمي وأكثرها ضحالة وغباء.. تخيل تعيش 30 سنة وبعدين تكتشف أنك بتعرف تطير فجأة مثلا.
- التقنية الأرقى وافضل شوية في الخيال العلمي من التقنية السابقة، هي تقنية "التحول".. "جعلوني مجرمًا".. البطل من ضغط المجتمع تحول لقاتل. البطل الوقور الطيب.. رجل الطبقة الوسطى.. بيساعد ذئب جريح فاصيب بعضة فبدأ يتحول لمذؤوب.. "بيتر باركر" بيعضه عنكبوت مشع "فبيتحول" إلى شاب خارق.
- في تقنية "العدالة الشعرية poetic justice". الرجل اللي بيحاول يستخدم الديناصورات كسلاح بيولوجي في "العالم الجوراسي Jurassic world" بتلتهمه نفس الديناصورات في النهاية.. في فيلم أكشن رائع اسمه "الرقم المحظوظ سليفن Lucky number slevin".. بيعالج التقنية دي بذكاء شديد.
- الغرس أو الإرهاص من التقنيات المهمة.. البطل بارع في استخدام الخناجر.. أنت وريتنا دا في روايتك من الأول وفهمناه.. في النهاية يقدر يقذف خنجر فيقتل الشرير وينقذ حياة حبيبته مثلا. البطل قناص سابق.. فانت عارف لما يمسك بندقية يقدر يعمل ايه. بس متجيبليش في روايتك شاب جامعي، أو موظف في التأمينات الاجتماعية بيفر من رجال عصابات محترفين وبيقذف خناجر وينط بالبارشوت.. أرجوك.
لسه في شوية تقنيات أخرى... لكن بما أن الكلام سرقنا المرة دي.. نتكلم عنها المرة الجاية بإذن الله...
ويبقى للحديث بقية.
------
- المنشورات السابقة أول تعليق.
- فيديو لتقنية جريفث للانقاذ في آخر لحظة.